بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لنقف ضد العنصرية

هل تعرف أن بعضاً من رموز حركة التغيير رفضوا المشاركة في المظاهرات المحدودة التي نظمها عدد من المناضلين احتجاجاً على المذبحة في اليوم التالي؟! كانت حججهم: إنهم يشربون الخمر!! إنهم يلوثون المنطقة!! هذه ليست من قضايا “كفاية”!! كان لابد أن يتصرف النظام!! وهل تعرف أن بعضاً من نواب “المعارضة” في مجلس الشعب أعلنوا تأييدهم لما فعلته قوات العادلي جزار الداخلية باللاجئين السودانيين؟! هذا ليس فقط موقف بعض “الرموز” المدعين، لكنه أيضاً موقف يتبناه الكثيرون في مصر!! إنه العنصرية الوضيعة التي ينشرها النظام المستبد ليفرق بين المضطهدين، وحتى يتمكن في النهاية من قهر الجميع .. تامر وجيه يحلل مرض العنصرية المنتشر في ثنايا مجتمعنا.

أمر مؤلم حقا بالنسبة لأي اشتراكي أن يكتشف إلى أي مدى وصلت نزعات العنصرية لدى قطاعات من الجماهير المصرية. إنها لسبة لإنسانيتنا أن يصل بعض من يعانون القهر إلى حد تبرير مذبحة ارتكبت بحق بشر عزل كل جريمتهم أنهم يعترضون بشكل سلمي على ظلم يتعرضون له. حديثنا هنا عن السودانيين في مصر، وعما حدث لقطاع منهم (اللاجئون المعتصمون بميدان مصطفى محمود) يوم الجمعة 30 ديسمبر 2005. المسألة هنا ليست ما فعله النظام. فعندما يرتكب مجرم معتاد الإجرام جريمة لا يكون في هذا أي غرابة. المسألة أن بعض من تعرضوا لإجرام المجرم رأوا فيما فعله أمرا مبرراً. فلقد سمعنا في الأيام الماضية حججاً عنصرية كلاسيكية لتبرير مذبحة اللاجئين. هذه الحجج لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.

الجريمة والعقاب

فلنقل أن المعتصمين السودانيين أجرموا. نحن بالقطع لا نرى ذلك. لكن دعونا نقول أنهم أجرموا. ألا يكون العقاب مساوياً للجرم؟ هل الجريمة التي ارتكبوها تساوي قتل بلا تمييز وبلا محاكمة لـ156 شخصا؟ إذا أجبت بالإيجاب فأنت توافق على البربرية التامة وعلى همجية النظام الذي قرر من جانب واحد أن اللاجئين السودانيين أجرموا. ثم بدون أن يسمع أقوالهم أو يتيح لهم حق الدفاع عن النفس، قتل عشرات منهم. قتل مثلاً أطفال رضع لن نختلف أنه لا يوجد قانون على ظهر الأرض يعطي شرعية لقتلهم.

لم نسمع أن السودانيين رفعوا سلاحاً أو هاجموا أحداً. على العكس، لقد هوجموا بكل وحشية. فإذا وافقنا على هذا لكنا نبرر منطق الغاب، ولأعطينا للنظام تصريحاً بأن يقتلنا جميعا إذا رأى هو ـ لسبب تفتق عنه ذهنه ـ أننا أجرمنا.

ثم هناك مسألة العقاب الجماعي، أي العقاب غير الموجه ضد شخص معين لأنه أجرم جرم معين ثبت ارتكابه له بعد محاكمة عادلة توفرت له فيها كل ضمانات الدفاع، وهو ما تفعله إسرائيل في إخواننا الفلسطينيين. فهل سنعطي النظام الحاكم تصريحاً بالقتل الجماعي؟ وهل نريده أن يمارس معنا سياسة القتل الجماعي الإسرائيلية؟

عقوبة المشاعر السلبية

تعالوا بنا ننظر إلى مسألة طبيعة “الجرم” الذي ارتكبه السودانيين. هناك من يقول أن جريمتهم هي أنهم لا يحبون المصريين، وأنهم أتوا لأنهم يريدون السفر إلى بلدان غربية، أي أن جريمتهم هي أن “مشاعرهم” تجاهنا سلبية، وأن “دوافعهم” انتهازية. ليس هناك دليل على هذا. هذه دعاية حكومية مغرضة. ولكن فلنقل أنه صحيح. فهل جزاء من لا يحبنا أو من يسعى لهدف لا نرضاه أن نقتله؟ أي قانون عقوبات هذا الذي يرى أن عقوبة المشاعر السلبية القتل؟

ثم من قال أن السودانيين ـ جميعاً ـ لا يحبوننا؟ هذا غير صحيح. السودانيون في الأغلب لا يحبون النظام المصري الذي ضيق عليهم واتخذ موقفاً من قضيتهم بناء على توازناته مع نظام الحكم السوداني وليس بناء على أي معيار إنساني. السودانيون أيضاً يكرهون العنصريين الذين ينظرون لهم على أنهم سود من صنف أدنى من البشر. هل هناك من يقول أنه من غير المنطقي أن يكرهون هذا النوع من البشر؟ هل المطلوب من عربي يعيش في لندن أو باريس أن يحب من يعتبرونه ـ لمجرد لون بشرته ـ إرهابي وعدو؟ إذا قلنا أن السودانيين لا حق لهم أن يعيشوا في مصر لأنهم لا يحبونها، فلماذا إذن ندين الدول الغربية لأنها تقمع المسلمين المقيمين بها؟

إذا كان السودانيون يكرهون المصريين، وهذا غير حقيقي، فلديهم ألف مبرر. ذلك أن من يعاني الاضطهاد تتولد لديه مشاعر سلبية. والواعون من هذا الشعب لابد أن يفعلوا ما في وسعهم للنضال ضد النزعات العنصرية التي تولد الكراهية على الجانبين. واجب جماهير المصريين ـ وهم في موقف أقوى نسبياً ـ أن يمدوا أيديهم للمضطهدين السودانيين وأن يؤكدوا لهم أنهم إخوة لنا. إذا حدث ذلك فسوف يتحطم سد الكراهية، وسيتم كسب السودانيون في المعركة ضد الظلم والاضطهاد.

مسألة طبقية

بعض مؤيدي قتل السودانيين يقولون أن مبرر قتلهم هو أنهم كانوا يلوثون منطقة حيوية في مصر: ميدان مصطفى محمود. هل القضية إذن أن هذا الميدان الحضاري لابد ألا يتسخ بهذه “الأوساخ” البشرية؟ هل المسألة أن أحياء الأغنياء لابد ألا تتسخ بهذه المناظر التعيسة؟ هل نضع أسواراً بين أحياء الأغنياء وأحياء الفقراء حتى لا تتألم أعين الأغنياء من المناظر القبيحة؟ وهل إذا اخترق الفقراء الحظر على أحياء الأغنياء نقوم بقتلهم؟ هذا منطق يذكرنا بحقارة نظم أمريكا اللاتينية التي كونت فرقاً من القناصة لقتل أطفال الشوارع حتى لا يؤذوا وجه المدينة الحضاري؟!!!

هل المطلوب أن نقبل سياسة الحكومة التي تلقي بسكان العشوائيات إلى خلفية المدن حتى لا يشوهون وجهها الحضاري؟ أي حضارة في بلد يعيش ثلاثة أرباع سكانه في فقر ولا يستطيع أن يوفر وظيفة لسبعة ملايين عاطل؟ هذا هو الدرك الأسفل وليس الحضارة. مصر مليئة بأشباه اللاجئين السودانيين من البشر الذين يعيشون في ضنك. فهل نصدر ضد هؤلاء قرار إزالة كما أصدرنا قرار إزالة للسودانيين؟ أم أن المقصود أن نقتل المشرد الذي لا يحمل جنسية مصرية ونستثني المشرد الذي يحمل الجنسية المصرية؟

البعض يقول أن المشكلة الحقيقية أن قادة الاعتصام أخطأوا لأنهم عرضوا نساءهم وأطفالهم للخطر. هذا أمر مدهش. هل نحن أحن من الآباء السودانيين على أبناءهم؟ يبدو أن البعض لا يعلم أن السودانيين الذين تم ترحيلهم إلى معسكرات الأمن المركزي رفضوا تركها لأنهم لا يجدون مكانا يذهبون إليه. لنعلم جميعاً هذا. البشر يغامرون بحياتهم فقط لأنهم لا يجدون بديلاً. فهل فكرنا في التضامن معهم حتى لا يجدون أنفسهم في هذا الموقف بدلاً من إدانتهم؟ الأجدر بنا أن نناضل ضد نظام القتل المجاني الذي نعيش في ظله؟ فأي مبرر نعطيه للنظام على قتله السودانيين سيرتد إلى نحورنا. حبيب العادلي اليوم سعيد بهذه النقاشات. ذلك أنه بدلاً من أن نخرج ضده وضد مبارك، نتراشق بالعبارات حول ضرورة عقاب السودانيين.

مأساة اللجوء

ثم دعونا ننظر إلى لب المسألة: اللجوء السياسي. هل نحن ضد اللجوء السياسي؟ هل نحن ضد أن يهرب بشر تعساء من حرب شردتهم؟ هل كنا سننصح الفلسطينيين بألا يهربوا من المذابح في 48؟ هل نطلب أن يطرد اللبنانيون اللاجئين الفلسطينيين؟ ليس مفهوماً لماذا هذا العداء للاجئين الذين شردتهم الحرب ولم يجدوا المال ليهربوا إلى أوروبا فاضطروا أن يلجأوا إلى مصر؟ هل لو أصبحنا في حال حرب واضطررنا إلى الهرب إلى السودان سنسعد حينما نرى الشعب السوداني يطردنا من بلده؟

دعونا نؤكد بعض الحقائق. النظام المصري لم يستقبل السودانيين لسواد عيونهم، بل لأنه يحصل على أموال حتى يستقبلهم. والذي ينفق على السودانيين ليس النظام المصري وإنما الأمم المتحدة. والنظام المصري أعطاهم حق العمل ليس حباً في سواد عيونهم، وإنما لأنهم عمالة رخيصة تدر أرباحاً أكبر على الرأسماليين. باختصار هي كذبة أنهم يكلفوننا شيئاً أو أنهم يأخذون وظائفنا. فنحن لسنا في بطالة لأن اللاجئين موجودين على أرض مصر، بل لأن النظام يشجع الرأسماليين على نهب أقواتنا ويتبع سياسات تشريد للعمال وطرد للفلاحين. فلو نحن رأينا أن السودانيين هم المشكلة، فسنكون قد أسدينا أكبر خدمة للنظام. إذ أنه سوف يتمادى في أفعاله بينما نحن نحرض ضد السودانيين. وبدلاً من أن نتحد ضد الظالمين في مصر والسودان، سوف نتعارك ونترك الحرامي الحقيقي يثرى على حساب انقسامنا.

أخلاق العنصرية

بعض من هللوا لمشاهد قتل السودانيين فعلوا هذا لأنهم يشربون الخمر في الطريق العام. هل هذا صحيح؟ أم أنها دعاية حكومية؟ لقد نُشرت صوراً لكتب سماوية وسط أكوام الخراب التي تركها تتار النظام بعد غزوتهم. لماذا لم ير أحد الكتب السماوية ورأى الكل الخمور؟ وهل كان من قُتلوا هم من يشربون الخمر؟ أم كانوا من يقرأون القرآن والإنجيل؟

ثم هل جربنا أن نعرف شيئاً عما يحدث في أحياءنا العشوائية؟ هل نعلم ما هي نسبة الفقراء والعاطلين الذين يعاقرون الخمر ويتعاطون المخدرات؟ هل نعلم لماذا يحدث هذا؟ وهل ننصح بأن نقتل ملايين البشر من شاربي الخمور ومتعاطي المخدرات من المصريين؟ أم أن الشيء الصحيح هو أن نحاكم من دفعهم إلى إدمان مسكنات تعطيهم بعض السلوى في عالم قاس؟ ألا نرى أن العدل الحقيقي هو أن نحاكم من أجبر شاب في عمر الزهور على أن يعيش سنوات طويلة في بطالة، فيندفع في طريق الإدمان أو ينحرف ويصبح مجرم؟

إن سارقي قوت الشعب هم من يدفعون الشباب الفقير إلى متاهات الإدمان أو الجريمة ثم يطالبون بتشديد العقوبة عليهم؟ ولم لا يطالبون بتشديد العقوبة على من نهبوهم وحرموهم فرصة العمل الشريف؟ لم لا يطالبون بمحاكمة من يشربون أفخر الخمور على حساب الشعب في فنادق النجوم الخمسة؟

القضية ليست في الخمور. القضية هي في من يقمع من؟ ومن ينهب من؟ ومن يضطهد من؟ الحقيقة أن المنظر المؤذي حقاً هو منظر من يكدحون أكثر من عشر ساعات يومياً فلا يجدون ما يكفيهم قوت يومهم، ومنظر الشباب الموفور الصحة الذي لا يجد عملاً، ومنظر المرضى الذين يموتون لأنهم لا يجدون ثمن العلاج. هذا هو المنظر المؤذي حقا. أما أن تتأذى أعين من يعيشون في أبراج المهندسين، فهذا أمر لا ينبغي أن يعنينا في شيء. فمصر ليست المهندسين ولا “تكا” ولا “هارديز”، بل هي الحارات والعشش والبيوت المتهالكة، هذا إذا كنا نرى أن مصر هي غالبية المصريين، أو هي من يبذلون العرق ليبنوا لنا العمائر التي نسكن فيها، وليمهدوا لنا الطرق التي نسير فيها، وليزرعوا الحدائق التي عاش في واحدة منها فقراء سودانيون كان كل ذنبهم أنهم هربوا من الدم والقهر إلى مصر. استجاروا بمصر فوجدوا مذبحة بشعة في انتظارهم!! فهل هذا عدل؟