بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النار والعسكر والفقر في قلعة الكبش

نسيت كل مشاهد الفقر التي شاهدتها في حياتي. مسحتها تماما من الذاكرة, فما رأته الاشتراكي في قلعة الكبش المحترقة كفيل وحده بأن يحرق الشخص نفسه!!

الحرائق بدأت من منطقة مساكن بلان. موقد بوتاجاز صغير انفجر لتنتقل الحرائق إلى العشش الكرتون والخشب التي يسكنها أهالي المنطقة العشوائية، والتي انتقلت بدورها إلي الغرف ليجد الأهالي أنفسهم، بين عشية و ضحاها، في العراء بدون أية مرافق أو خدمات صحية، بعد أن قطعت الحكومة الماء والكهرباء عن المنطقة بأسرها كحل جذري للمشكلة!

المعركة:

لم تنته المأساة عند هذا الحد. فقد استيقظ أهالي المنطقة، يوم الخميس 22 مارس الماضي، علي أصوات بلدوزرات الهدم مدعمة بقوات الأمن المركزي و قوات فض الشغب. بدأت البلدوزرات عملها في العاشرة من هذا الصباح الكئيب، وعندما اقتربت من الأطلال المحترقة لمسحها وتنظيف المنطقة منها اعترضها الأهالي. توقفت البلدوزرات قليلا ليظهر مسؤولو الحي و الإسكان محاولين إقناع الأهالي بإخلاء منازلهم مقابل وعود بتمليكهم شققا بديلة في مدينة النهضة. كان رد السكان المنطقي: “إعطونا عقود تمليك الشقق أولا لنتحرك و نخلي العشش, نحن لا نريد الإقامة في الشارع بالتأكيد، لكننا لن نترك عششنا ونذهب للمجهول”.

عندئذ اتضح للأهالي أن الحديث عن الشقق كان مجرد حيلة رخيصة لإبعادهم عن أطلال منازلهم المحترقة.

وتتحرك البلدوزرات المدعومة بقوات الأمن المركزي مجددا ويعترض الأهالي ويشكلوا دروعا لحماية ما تبقي من أطلال. وعندما وجدت قوات الأمن هذه المقاومة كشفت لهم عن الوجه القبيح، وبدأت الحرب. مشاهد الحرب كما يصفها أهالي المنطقة مرعبة: خمسون قنبلة مسيلة للدموع أطلقت علي التجمعات، أطفال رضع وعجائز و سيدات حوامل، نقل منهم 60 للعيادة الخيرية الوحيدة بالمنطقة ونقل 18آخرين، كانت حالتهم أكثر تعقيدا، لمستشفي المنيرة العام، ليلقى أحدهم حتفه. الشباب فقط هم من ردوا علي هذه القنابل بالحجارة، ليتحول المشهد إلي دراما إغريقية لا تحدث سوي بالأرض المحتلة في المواجهات بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال الصهيوني.

ووسط هذه “المعمعة” قامت الشرطة باعتقال عدد من الأفراد. وبالطبع فالاعتقال هو الخطوة الأولى من رحلة العذاب مع الشرطة، هذا ما تؤكده فاطمة رجب، والدة أحد المحتجزين، والتي قالت لـ«”الاشتراكي»: “قمت بزيارة ابني بدر يوم الجمعة صباحا في قسم السيدة زينب، واشتكى لي خلال الزيارة من تعرضه لحفلات ضرب متواصلة بالقسم”.

وردت الحاجة فاطمة بعفوية علي سؤالنا عن المحامي: “يا بيه هو إحنا لاقيين ناكل لما ها ندفع أجرة محامي؟! ياريت تشوف لنا محامي”!!

الفقر:

تجولت الاشتراكي وسط أطلال الغرف المحترقة بالكتل 4 و5. كان أكثر المشاهد إثارة للحزن غرفة لا تتعدى مساحتها 16 مترا فتحت صاحبتها الباب لنجد حماما مفتوحا علي الحجرة مباشرة. يعيش في هذه الغرفة 10 أفراد لا نعرف، ونظنهم لا يعرفون أيضا، كيف يتحرك 10 أفراد في غرفة كهذه!!

غرفة أخري يعيش فيها – زين العابدين عز الدين- اشتراها بـ 5 آلاف جنيه بعد أن تهدم منزله في زلزال 1992. سقف الغرفة شبه منهار، لا يمنعه من السقوط سوي جزع شجرة، ويتبادل عز الدين وزوجته النوم في الحجرة وبابها مفتوح خوفا من سقوطها عليهم بعد أن قاموا بإبعاد بناتهم الاثنين في بير سلم أحد سكان المنطقة الأصليين، التي لم تتضرر منازلهم جراء الحريق.

مشهد واحد لخص الفاجعة: أحد شباب المنطقة يقوم بتوزيع 10 بطاطين جاءت من إحدى الجمعيات الخيرية، تجمهر حوله الأهالي في أعداد كبيرة و قاموا بخطف البطاطين ليحتموا بها من برد الليل حيث ينامون في العراء.

دائرة نائب الحزب الوطني د/فتحي سرور (السيدة زينب)، لم تر من الحزب ونائبه سوي خيمة علقوا علي بابها لافته تحمل اسم شباب الحزب الوطني. وبعد قيام برنامج “القاهرة اليوم” بتصوير الأهالي وهم يحصلون علي وجبات تحمل اسم أحد المطاعم الأمريكية الشهيرة أزال شباب الحزب الوطني الخيمة وتركوا الأهالي نهبا للجوع والعراء وبرد الليل القارص.

الشيء الطريف أن المنطقة لا يوجد بها أي نوع من الخدمات سوى مدرسة قام فتحي سرور ببنائها. لكن يبدو أن سيادته ضل طريقه، فبدلا من بناء مدرسه عادية أقام سيادته مدرسه لغات تجريبية وسط العشش خدمة لأبناء العشش العشوائية في مفارقة مضحكة لا يصنعها سوي أحد كبار كوميديانات مصر!!