بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النساء العاملات وأزمة الرأسمالية

مما لا شك فيه أن الأزمة التي تعيشها الرأسمالية المصرية في الوقت الراهن ترتبط ارتباطًا وثيقًا باضطهادها الوحشي للنساء العاملات. إن التدني الملحوظ لأوضاع المرأة العاملة في مصر يشير إلى أن الدولة تعيد هيكلة قوانينها وأحكامها وممارستها فيما يتعلق بالمرأة حتى يتمشى ذلك مع برنامج الخصخصة الذي تقطع فيه الدولة أشواطًا هائلة، وبالطبع على حساب أكثر الفئات فقرًا ومنها النساء العاملات. إن اضطهاد الدولة الرأسمالية للمرأة له تاريخ طويل جدًا ولكن حدته ووحشيته تتفاوت من حقبة إلى أخرى وذلك تبعًا لاحتياجات الدولة للأدوار التي تقوم بها المرأة والتي تخدم بالتالي المصالح التراكمية للنظام. ولذلك، فنحن نشهد الآن عصرًا تتجلى فيه القبضة الشرسة للدولة على خناق النساء وتنعكس سياسات الحكومة القمعية في الكثير من الممارسات مثل التشريعات الخاصة بالمرأة العاملة وأوضاعها المتدنية في مجالات التعليم والعمل والصحة.

السياسة الطبقية للحكومة والتشريعات الخاصة بالمرأة العاملة:

عكس تفاقم الأزمة الاقتصادية للرأسمالية في مصر نفسه طول الوقت على التشريعات الخاصة بالنساء العاملات حتى أن بعض الإصلاحات الضئيلة التي حصلن عليها خلال الستينات تنتزع منهن اليوم كجزء من سياسة طبقية كاملة، تقوم في أحد جوانبها على الاضطهاد المستمر للمرأة العاملة.

فعلى سبيل المثال، تنص الأحكام الخاصة بالمرأة العاملة في قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لعام 1978 خاصة المواد 70 و71/2 وقانون العاملين بالقطاع العام رقم 48 لعام 1978 خاصة المواد 72 و83/2 على:

“تستحق العاملة أجازة بدون أجر لرعاية طفلها وذلك بحد أقصى عامين في المرة الواحدة ولثلاث مرات طوال حياتها، وتمنح العاملة تعويضًا عن أجرها يساوي 25% من المرتب الذي كانت تستحقه في تاريخ بدء مدة الأجازة وذلك وفقًا لاختيارها”. كما “تستحق العاملة أجازة الوضع بأجر كامل لمدة ثلاثة أشهر بعد الوضع وذلك لثلاث مرات طوال مدة حياتها الوظيفية”. أما العاملات في القطاع الخاص، فقد أعطاهن القانون المصري رقم 137 لعام 1981 حقوقًا أقل، مثل حقهن في 40 يومًا فقط كأجازة وضع في مقابل ثلاثة أشهر للعاملة بالقطاع العام، كما أعطى الأخيرة حقًا في أجازة بدون أجر لرعاية طفلها بحد أقصى عامين في المرة الواحدة وعام واحد فقط للعاملة بالقطاع الخاص.

ثم جاء مشروع قانون العمل الموحد والمواكب لسياسة الخصخصة لكي يحد من الحقوق الضئيلة التي نصا عليها القانونين المذكورين أعلاه للمرأة العاملة. وينطبق مشروع قانون العمل الموحد على العاملات في القطاعين العام والخاص على حد سواء تنص المادة رقم 92 من القانون الجديد على: “العاملة التي أمضت عشرة أشهر في خدمة صاحب العمل أو أكثر لها الحق في أجازة وضع مدتها 12 أسبوعًا بأجر كامل تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه…… ولا يجوز تشغيل العاملة خلال الست أسابيع التالية للوضع ولا تستحق العاملة هذه الأجازة لأكثر من مرتين طوال مدة خدمتها”. وهكذا، فإن هذه المادة لا تعترف للمرأة العاملة بأجازة وضع إلا بعد مضي عشرة شهور خدمة (بدلاً من ستة شهور في القانون السابق) كما خفضت هذه المادة عدد أيام حصول المرأة العاملة على أجازة الوضع من 90 يومًا (3 أشهر) إلى 84 يومًا (12 أسبوع).

وعلى الرغم من تقدم الدولة نحو فرض قيود قانونية أكثر إجحافا للمرأة العاملة، فإننا نجد أن ما يحدث في الواقع يجعل الكلام السابق حبرًا جافًا على ورق. إن أصحاب العمل الآن في المصانع والورش يقومون بتشغيل الفتيات من سن 10 – 17 سنة الغير متزوجات حتى لا يكونوا ملتزمين تجاههن بأي أعباء قانونية. ومن السهل جدًا عند صاحب العمل أن يستبدل هؤلاء الفتيات بغيرهن في حالة مرضهن، أو إصابتهن بأي إعاقة أثناء العمل، أو زواجهن. هذا بالإضافة إلى سياسة الدولة تطرد أعداد كبيرة من العاملات في المصانع، وإعلان الكثير من الهيئات والشركات عن سياساتها بعدم تعيين نساء.

أما العاملات في القطاعات غير الرسمية، وخاصة المرأة الريفية، فلا يتمتعن بأي حماية قانونية في ظل قوانين العمل السارية ولا بأي حقوق في التأمينات الاجتماعية الهزلية. إن المرأة الريفية الفقيرة هي التي تتعرض لأسوأ الممارسات المجحفة لحقوقها، فهي تشكل قطاعًا عريضًا من السكان وتساهم في الإنتاج الزراعي بشكل أساسي ولكنها لا تحصل على أي أجر. ويجري القانون المصري على أن المرأة الريفية العاملة لا تعتبر عاملة أخذًا بتعاريف العمل الدولة والتي تقصره على العمل في مقابل أجر مدفوع.

ولعل الكلام السابق ما هو إلا لإعطاء أمثلة قليلة لكيفية اضطهاد الدولة الرأسمالية المصرية للنساء العاملات في ظل أزمتها الحالية. بالإضافة إلى العداء الشديد الذي تمارسه الدولة ضد المرأة عمومًا فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين، والذي يعكس الموقف الطبقي الواضح للدولة من قضايا المرأة. ويمكن الحديث عن قانون الجنسية كواحد من أكثر الأمثلة دلالة على هذا الموقف الطبقي.

لقد علت على مدار السنوات القليلة الماضية – وخاصة منذ انعقاد مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية – الكثير من الأصوات كما تزايد عدد الجماعات التي تنادي بضرورة تغيير قانون الجنسية. وكان رد الدولة هو التجاهل التام إلى أن أعلن حسني مبارك في أحد تصريحاته مؤخرًا أن قانون الجنسية لن يتغير في عهده أبدًا وذلك حفاظًا على الأمن القومي!! أي أن زواج المصريات من غير مصريين يعتبر في نظر مبارك ودولته تهديدًا للأمن القومي، وأن أطفال هؤلاء المصريات لا يستحقون الجنسية المصرية لأنهم لا يستحقون الوجود أصلاً: فكيف لهم أن يولدوا من أمهات مصريات وآباء غير مصريين؟

لقد أعطى قانون الجنسية المصري رقم 26 لسنة 1975 (والمعمول به حتى الآن) الحق لأبناء الأب المصري – حتى ذلك المتزوج من أجنبية – في الحصول على الجنسية المصرية تلقائيًا سواء ولدوا في مصر أو في الخارج. أما بالنسبة لأبناء الأم المصرية المتزوجة من أجنبي فالقاعدة هي عدم أحقية أبنائها في الحصول على الجنسية المصرية إلا في حالات استثنائية وهي أن يكون الطفل ولد في مصر من أب مجهول أو مجهول الجنسية أو عديم الجنسية. وعلى الرغم من أن مصر قد وقعت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1980 وأقرتها بموجب القرار الجمهوري رقم 434 لسنة 1981، إلا أنها أبدت أربع تحفظات على نصوص الاتفاقية ومنها المادة 9 فقرة 2 في شأن منح المرأة حقًا مساويًا للرجال فيما يتعلق بجنسية أطفالها.

إن الدولة الرأسمالية المصرية لا تريد أن تغير هذا القانون الذي يعتبر اعتداء صارخًا على حقوق المرأة حتى لا تضيف أعباء إضافية على كاهلها في أزمتها. فالمشكلة ليست كما تزعم جماعات حقوق الإنسان والمجموعات النسوية في أن المرأة المصرية لا تتساوى في الحقوق مع الرجل المصري وأن الأزمة “مساواة” في المقام الأول. إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الدولة الرأسمالية في أزمتها تتعرض بالقمع والقهر للفئات الأكثر فقرًا في المجتمع ومنها النساء. إن هناك قضية طبقية يحتوي عليها قانون الجنسية، بمعنى أن هناك فارقًا ضخمًا جدًا في الأوضاع والحالة المعيشية بين تلك المصريات المتزوجات من أزواج أوربيين أو أمريكيين وهن في الأغلب من بنات الطبقات الغنية والمتوسطة، وتلك المتزوجات من عرب اللواتي في الأغلب من بنات الطبقات الفقيرة. فالفئة الأولى لا يعاني أولادهن نفس المعاناة التي يلاقيها الفئة الثانية، وذلك لأن الدول الأوروبية والولايات المتحدة تضمن لأبناء الأم المصرية المتزوجة من أوربي أو أمريكي حقوق المواطنة والعمل والدراسة؛ وحتى إذا كانت الأم مطلقة فتلك الدول تضمن لها مجموعة من الحقوق المادية التي تجعل أولادها في غنى تمامًا عن الجنسية المصرية.

ذلك بالطبع تختلف عن وضع الفتيات الفقيرات في مناطق مثل البدرشين والحوامدية، وهي مناطق شهيرة بنزول عرب الخليج بها ليتزوجوا من هؤلاء الفتيات زواجًا عرفيًا في معظم الأحيان. تتزوج الفتيات في هذه المناطق رجالاً يكبرهن في السن أعوامًا كثيرة وذلك بسبب ضغوط الفقر والعوز. وفي أغلب الحالات، فإن الرجال يتزوجوهن لفترة قصيرة جدًا، ربما تكون فقط خلال أجازة الصيف، ثم يتركوهن حوامل ولا يأتين بعد ذلك أبدًا. وتلد الفتيات أطفالهن فلا يجدون أبًا يصرف عليهم وتضعهم الدولة في قائمة الأطفال الأجانب الذين يجب أن يدفعوا مصاريفهم بالعملة الصعبة في المدارس والجماعات.

وتوجد أمثلة كثيرة جدًا لأمهات مصريات متزوجات من عرب ويعاني أولادهن من مصاعب شديدة في التعليم والعمل والعيش في مصر، اللهم إلا إذا كانوا أولادًا لآباء أغنياء. ولكن أصوات هؤلاء النساء الفقيرات غير مسموعة على الإطلاق، إنما ما نسمعه هو صوت تلك النساء المرفهات اللاتي يختزلن قضية الجنسية إلى قضية “مساواة” بين الجنسين. إن مشكلة الجنسية يتضرر منها ما يقرب من 200 ألف أسرة في مصر وفهمها يرتبط ارتباطًا وثيقًَا بإطار فهمنا للنظام الاقتصادي الذي تهرول فيه الدولة بخطوات واسعة حدًا حيث نطحن في طريقها الفئات الفقيرة والتي تشكل النساء فيها نسبة عالية للغاية.

عمومًا السياسة التشريعية للطبقة الحاكمة، تعكس اضطهادها للنساء الفقيرات بشكل عام وينعكس هذا بدوره على أوضاعهن المعيشية في كافة مستوياتهم.

وضع المرأة الفقيرة في ظل الأزمة الرأسمالية في مصر:

تشير الأرقام والإحصائيات والوقائع المختلفة إلى أن المرأة الفقيرة في مصر تعيش في أوضاع متردية للغاية. فبالنسبة للتعليم، بلغت نسبة الأمية عام 1990 51% (طبقًا للتقرير السنوي لمنظمة اليونوسكو 1993)، حيث كانت نسبة الرجال الأميين 37% أما نسبة النساء الأميات فبلغت 66%. وحتى عام 1986، كانت نسبة الأمية لمن هم فوق 25 سنة من النساء في الحضر 61.8% وفي الريف 92.6% أما نسبة الإناث اللاتي أكملن التعليم بعد المرحلة الثانوية حتى عام 1986 فكانت 3.8% في الحضر، و2% في الريف.

أما فيما يتعلق بمسألة تسرب الإناث من المدارس، فتبين الأرقام التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن نسبة الطالبات في المدارس الابتدائية بالنسبة لإجمالي مجموع الطلاب تصل إلى 44.2 %، بينما تنخفض النسبة في المدارس الإعدادية لتصل إلى 41.6 %، ثم تنخفض مرة أخرى في المدارس الثانوية لتصل إلى 38.5 % بينما تزايدت نسبة الطلبة الذكور إلى إجمالي مجموع الطلبة في هذه المراحل الدراسية بصورة منتظمة. وتبين الإحصائيات عن عام 1988 – 1989 أن نسبة الطلبة الذكور في الجامعات كانت 66.2% في مقابل 33.8% للطالبات، كما تبين أن عدد الطلبة بالجامعات قد زاد بنسبة 6.4% خلال الفترة 1985 – 1989 بينما زاد عدد الطالبات خلال نفس الفترة بنسبة 5% وبالطبع، فإن حالة التعليم ترتبط بحالة العمل. فقد وصلت معادلات البطالة في القطاع الرسمي عام 95 إلى 23% (5% بين الرجال و18% بين النساء). وتقترن المشاركة في النشاط الاقتصادي للغالبية العظمى من النساء بانخفاض المستوى المعيشي حيث نرى أن غالبية النساء العاملات في المناطق الفقيرة يعملن فقط اضطرارًا بسبب الحاجة المادية وبغرض المساعدة في الوفاء بالاحتياجات الأساسية لأسرهن. ففي دراسة تمت عام 1988، اتضح أن هناك 19% من الأسر في جميع أنحاء مصر ترعى شئونهم امرأة، وتصل النسبة إلى 18.3% في المناطق الحضرية. وفي دارسة أكثر عمقًا تبين أن النسبة تصل إلى 30% في مناطق معينة بالقاهرة فقط. ولم يعد غياب الزوج كما في السابق بسبب الوفاء أو الطلاق ولكن الغالبية العظمى من هذه الأسر ترعاها سيدات بسبب مرض الزوج الذي يمنعه عن العمل، أو السجن، أو الإعاقة، أو البطالة.

وتعمل غالبية النساء في الأعمال المتدنية بسبب أميتهن وفقدهن المهارات الأساسية التي يحتاجها سوق العمل، بالإضافة إلى تهميشهن الاجتماعي. وهكذا، فإن الدخل الذي يحققنه من العمل لا يترتب عليه تقويتهن في محيطهن الأسري كما هو الادعاء السائد. فإن عملهن خارج المنزل لا يقلل من واجباتهن المنزلية، مما ينتج عنه مشقة عالية تؤثر على صحتهن وصحة أطفالهن. فنجد أن نسبة الأطفال الذين يموتون سنويًا في مصر هي 43.3 % طبقًا للتقرير السنوي للأمم المتحدة (1992)، كما نجد أن عدد الأمهات اللاتي يتوفين عند الولادة هو 270 امرأة في كل 100.000 امرأة طبقًا لإحصائيات عام 1991.

وهم تحسين الأوضاع عبر المشروعات التنموية:

إن اضطهاد الدولة الرأسمالية للنساء الفقيرات في أزمتها الحالية – والذي تشير له الأمثلة السابقة – لهو جزء لا يتجزأ من العملية المتناقضة والازدواجية التي يتعامل لها النظام الرأسمالي مع قضية المرأة: ففي الفترات التي يحتاج فيها النظام لقوة عمل إضافية، نراه يشجع المرأة على الإنجاب والتمسك “بدورها الرئيسي” وهو إعادة الإنتاج وتربية الأطفال، كما أنه يشجع خروج المرأة للعمل والتمسك بـ “حقها” في بناء استقلاليتها في مجالي التعليم والعمل. أما في فترات الأزمة – على الجانب الآخر – بروج النظام لفكرة الحد من الزيادة على ضرورة تنظيم الأسرة ونشر وسائل منع الحمل المختلفة وحملات الدعاية في الإذاعة والتليفزيون من أجل هذا الغرض. وفي فترات الأزمة أيضًا، نرى الدولة تحد من خروج المرأة للعمل أو تقيدها في أعمال بعينها، أو تطردها من المصانع أو تغلق الأبواب في طريق تعيينها. ولعل مشروعات التنمية المختلفة المنتشرة الآن في مصر والموجهة خصيصًا للمرأة العاملة في الريف والمناطق الفقيرة بالحضر تشير بوضوح إلى هذه الازدواجية التي تتعامل بها الدولة مع النساء العاملات في ظل الأزمة الراهنة.

فالهدف الرئيسي من مشروعات التنمية الموجهة للمرأة – وذلك كما يدعي نظام الدولة وكل من يعملون في هذا المجال – هو تخفيض نسبة الفقر ورفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للنساء الفقيرات اللاتي يعانين من آثار الخصخصة من تضخم وبطالة وأزمات المسكن والصحة والتعليم… الخ. وبذلك، فإن الدولة تزوج لفكرة تحرر المرأة ورفع مستواها الاقتصادي وإعطائها الفرصة لاستعادة وضعها الاجتماعي من خلال القطاع الغير رسمي مثل إقامة مشروعات التنمية وإيجاد مؤسسات أهلية موجهة خصيصًا لـ “قضية المرأة والحفاظ على حقوقها”. ولكن من جانب آخر، فإن الدولة تحارب عمل المرأة في القطاع الرسمي، فيتم طرد أعداد كبيرة من العاملات أو إجبارهن على المعاش المبكر، وأيضًا يتم في ذات الوقت الحد من حقوق النساء العاملات في أجازات الوضع وإنشاء الحضانات لأطفالهن في مناطق العمل، وغير ذلك.

وبالنظر إلى نوعية تلك المشروعات “التنموية” التي أخذت في الانتشار السريع خلال الأعوام القليلة الماضية، نجد أنها تشجع عمل المرأة الفردي داخل نطاق المنزل فالحقيقة أن النسبة العظمى من هذه المشروعات تعمل على توفير قروض للسيدات الفقيرات لشراء حيوانات لتربيتهم أو تسمينهم، أو شراء ماكينات خياطة وتريكو، أو إقامة دكان صغير بالمنزل لبيع بعض البقالة أو الخضروات، وما شابه ذلك. وهناك نوع آخر من المشروعات التي بدأت في الازدياد بشكل ملحوظ وهي مشروعات “التجميع” مثل تجميع أدوات صغيرة بكميات هائلة لجهاز اليكتروني على سبيل المثال. وهذه النوعية من الأعمال تتطلب ساعات عمل طويلة داخل المنزل ولكنها لا تتطلب أي مهارة من أي نوع. وهكذا نرى أن السمة الغالبة على كل هذه المشروعات الموجهة للمرأة العاملة هي أنها لا تتطلب أي قدرات خاصة ولا تسمح لها ببناء مهارة معينة تعينها على مواجهة ظروفها المعيشية المتردية. فالمرأة العاملة هنا تعامل على أنها عمالة رخيصة غير مؤهلة لأي عمل ذو إنتاجية لها قيمة.

وبالتالي، نجد أن مشروعات القروض الصغيرة هذه ما هي إلا نوع غير فعال من المسكنات التي تستخدمها الدولة لاستيعاب نسبة ضئيلة من جيش البطالة الذي نتج عن برنامج الخصخصة. وبالفعل فإن نسبة النساء اللاتي يحصلن على قروض تعتبر ضئيلة للغاية مقارنة بالأعداد المهولة التي تعيش في حالة بطالة وفقر ويأس.

والقول بأن هذه المشروعات هي نوع غير فعال من المسكنات بسبب أن ظاهرها البراق الذي تخدع له الدولة الفقراء يختفي بمجرد الحصول على القرض والشروع في المشروع الصغير حيث تجد المقترضة نفسها مطالبة بتسديد قيمة القرض أن يؤتي المشروع أي ثمار نافعة (حتى ولو مؤقتًا)، هذا بالإضافة إلى نسبة الفائدة العالية جدًا التي تضاف لقيمة القرض والتي تصل في المشروعات التي تنفذها البنوك إلى 23 % وبالطبع، تفشل الكثير من هذه المشروعات وتخرج المقترضات من المولد بلا حمص، بل الأنكى من ذلك أنهن يجدن أنفسهن مطالبات بتسديد قيمة القرض بغض النظر عن نجاح المشروع أو فشله، أو أن يدخلن السحن.

وبذلك نجد أن النتيجة الرئيسية لهذه المشروعات “التنموية” هي زيادة الأعباء على كاهل المرأة من ناحية، وتحديد دورها في المنزل وحجبها عن الانخراط في عمل جماعي من ناحية أخرى، كما يعزلها أكثر فأكثر عن باقي قطاعات الطبقة العاملة والمشاركات في دور فعال في المجتمع يناهض كل هذا الهراء والانحطاط. إن هذه المشروعات الوهمية لا يمكن أن تؤدي إلى رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمرأة العاملة وتحريرها، ولكنها على النقيض تزيف الوعي وتشويش صورة المرأة عن نفسها. فهذا النوع من الاستغلال يعمق من اضطهاد المرأة ويجعلها تدور في ساقية لا نهاية لها. إن وعي المرأة العاملة بعمق القهر الذي تمارسه الدولة الرأسمالية ضدها ومقاومتها لهذا القهر من خلال العمل الجماعي والنضال من أجل تكسير أنياب هذه الرأسمالية هو فقط الذي سيحررها وسيحرر المجتمع ككل.