بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النوبة.. الإنسان قبل التنمية

شهدت مصر خلال الأعوام القليلة الماضية حالة من الحراك السياسي والاجتماعي على خلفية سنوات طويلة من القهر والاستبداد عاشتها الجماهير المصرية تحت حكم مبارك. هذه الحالة تجسدت في ارتفاع أصوات كل المضهدين والمقهورين برفض سياسات الاستغلال والاستبداد، ولم تقتصر أصوات التغيير علي المطالبين بالديمقراطية وسقوط الديكتاتورية فقط، بل سمعنا أصوات كافة الفئات والشرائح والطبقات تعلن رفضها الخضوع لهذه السياسات. فسمعنا صرخات العمال المدوية التي أطلقوها في إضراباتهم واحتجاجاتهم المختلفة، وسمعنا أصوات المهندسين والمعلمين والأطباء برفضهم سياسات الإفقار، وسمعنا أصوات الأقباط يطالبون بوقف سياسات التمييز، وسمعنا أيضاً صوت قادم من الجنوب عانى طويلاً من الفقر والتهميش والتمييز، إنه صوت أهالي النوبة.

وعلى الرغم من أن قضية النوبة قديمة قدم الدولة المصرية الحديثة، إلا أن صوتها -كغيرها من أصوات المضطهدين- كان مدفوناً تحت سياط قهر واستبداد النظم المختلفة وآخرها نظام مبارك. وكغيرهم من المضطهدين أيضاً شاهدوا نور الشمس يتسلل من جدار الديكتاتورية المتصدع فارتفعت أصواتهم للمطالبة بحقوقهم المسلوبة عبر عشرات السنين.

لقد ارتبطت حياة أهالي النوبة عبر التاريخ بالعيش على ضفاف نهر النيل جنوب مصر وشمال السودان، وهناك تبلور نمط حياة كامل لجماعة بشرية مميزة ثقافياً ولغوياً واجتماعياً نتيجة الظروف الموضوعية التي فرضتها الحياة علي ضفتى النهر في هذه المنطقة.

وبقدر ما ساهم الموقع الجغرافي للنوبيين في تطوير هذا النمط من الحياة، بقدر ما كان وبالاً عليهم نتيجة رغبة الرأسمالية المصرية ودولتها في إحداث التنمية بما يعنيه ذلك من ضرورة ضبط نهر النيل المورد الرئيسي للمياه في مصر، الأمر الذي تطلب بناء السدود في الجنوب لاستغلال أكبر قدر من المياه التي كان يضيع معظمها في البحر وقت الفيضان. وكان خزان أسوان أول هذه المشروعات الكبرى للتحكم في مياه النهر، وتم تعلية الخزان عدة مرات، حتي جاء المشروع الأكبر وهو السد العالي. ومع كل مشروع كان النوبيون يدفعون الثمن غالياً، من تشريد وتهجير وتدمير لحياتهم، لأن المياه التي كان يحتجزها الخزان والتي تزداد مع كل تعلية ثم المياه التي احتجزتها بحيرة ناصر أمام السد العالي كانت تغمر أراضي النوبيين ومساكنهم فيضطرون للهجرة في ظل ظروف سيئة بلا مأوى أو تعويض مناسب عن ممتلكاتهم. وانتظر النوبيون –كغيرهم من فقراء مصر- أن تعود التنمية عليهم بشئ فلم يجدوا سوى مزيد من الإفقار.

النوبيون .. الإفقار بالتنمية!

كانت أولى مراحل التشتت التى واجهها النوبيون، فى العصر الحديث، خلال القرن التاسع عشر بعد فرض ترسيم الحدود بين مصر والسودان بشكل قسري لم يراعي التجمعات البشرية وخصوصيتها. فقد صدر عام 1841 فرمان الخليفة العثماني بترسيم الحدود الجنوبية لمصر، ثم تلا ذلك قرار وزير الداخلية بتعديل حدود مصر والسودان بناءاً على الاتفاقية الثنائية بين مصر والاحتلال البريطانى عام 1899، حيث تم فصل عشرة قرى نوبية تابعة لمركز حلفا بمحافظة النوبة وهى القرى الواقعة جنوب خط عرض 22 لتدخل ضمن حدود السودان. أما الجزء الواقع داخل الحدود المصرية فقد امتد من قرية أدندان جنوباً حتى الشلال شمالاً وقد بلغ تعداد سكانها آنذاك 34,942 ألف نسمة، ويبلغ زمامها 17,142 ألف فداناً، كما تم تغيير اسم محافظة النوبة التى كانت معروفة بمديرية الحدود إلى مديرية أسوان. وهكذا فصلت الحدود الإدارية التى وضعها الإستعمار بين أبناء النوبة ليواجهوا بعد ذلك صعوبات فى التواصل فيما بينهم.

ورغم ذلك بدأت المحنة الحقيقية لأبناء النوبة مع بداية تفكير الدولة المصرية فى التحكم فى مياه النهر بشكل أكبر للاستفادة من المياه المهدرة وقت الفيضان حتى يمكن التوسع فى زراعة أراض جديدة والتحول من نظام رى الحياض إلى الرى الدائم. فكان التفكير فى إنشاء سد فى الجنوب عند أسوان. وبالفعل تم بناء خزان أسوان شمال قرية الشلال النوبية عام 1902 ليحتجز ورائه فائض من المياه بلغ منسوبه 106 متراً مما تسبب فى إغراق أراضى النوبة بما عليها من مساكن ومزروعات وسواقى ونخيل فى عشر قرى نوبية هى. وبينما كانت تجرى عمليات البناء تشكلت لجان لتقدير تعويضات النوبيين عن أملاكهم، حيث تم تصنيف هذه التعويضات إلى قسمين. الأول يشمل الأراضي التى تغمرها مياه الخزان وتنحسر عنه بعد فتحه فيتم زراعتها، وفى هذه الحالة سوف تدفع الحكومة ثمن النخيل والمساكن. أما القسم الثانى من التعويضات فيندرج تحته الأراضي التي تغمرها المياه طوال السنة فلا ينتفع بها، وفى هذا القسم تلتزم الحكومة بدفع ثمن الأرض والمساكن والنخيل. وقدرت هذه التعويضات بـ 80 ألف جنيه، وهو مبلغ هزيل، الأمر الذى رفضه النوبيون. إلا أن الحكومة لم تلتفت إلى مطالب النوبيين وتم استصدار أمر عال بنزع الملكية للمنفعة العامة فى أول يوليو 1902.

ثم جاءت التعلية الأولى للخزان عام 1912 ليرتفع منسوب المياه إلى 114 متراً وتغرق ثمانية قرى نوبية أخرى. وفى عام 1933 تمت التعلية الثانية للخزان ليصل منسوب المياه إلى 121 متراً لتغرق للمرة الثالثة، عشرة قرى نوبية أخرى، بينما أضيرت بقية القرى النوبية الإحدى عشر الأخرى والممتدة من الخزان حتى الحدود المصرية السودانية.

وفىعام 1932 وأثناء التعلية الثانية لخزان أسوان، وجدت الحكومة آنذاك أن هناك ضرورة لتقنين وضعية النوبيين المتضرريين من جراء عمليات ضبط النهر. فكان القانون رقم 6 لسنة 1933 الخاص بنزع ملكية أهالى النوبة وتقدير التعويضات اللازمة لمواجهة كوارث أعوام 1902 و1912 و 1932، وذلك على الرغم من وجود قانون ينظم عملية نزع ملكية العقارات بشكل عام هو قانون رقم 27 لسنة 1906 ورقم 5 لسنة 1907. وربما أرادت الحكومة وضع قانون خاص بالنوبة حتى تتفادى التكلفة الكبيرة للتعويضات التى ستدفع للنوبيين من جراء نزع ملكياتهم، الأمر الذى يبدو بوضوح فى مبالغ التعويضات الهزيلة التى حصل عليها النوبيون آنذاك، حيث بلغ إجمالى مبلغ التعويض الذى رصدته الحكومة مليون وسبعمائة ألف جنيه خصم منها بعد ذلك نصف مليون جنيه، فى حين يشير أحد التقديرات إلى أن الحد الأدنى للتعويضات بأسعار ذلك الوقت لا يقل عن ثلاثة ملايين وستمائة ألف جنيه.

مع حركة يوليو وتفكير الضباط الأحرار فى بناء دولة قوية متحررة من الإستعمار ومكتفية ذاتياً عبر التنمية الشاملة، كان لزاماً على الدولة أن تفكر فى مزيد من ضبط النهر لتحقيق الاستفادة القصوى من المياه العذبة لاستغلالها فى زيادة رقعة الأراضي الزراعية المستصلحة على ضفتي النهر. فكانت فكرة بناء سد ضخم عند أسوان يقوم بهذه المهمة ويصبح مصدراً للطاقة الكهربائية. ورغم أن السد العالي جسد حلماً وطنياً فى المعركة ضد الاستعمار وتحقيق التنمية الشاملة فى مصر، إلا أنه مرة أخرى جاء وبالاً على أهالى النوبة. فقد تسبب السد فى أكبر عملية تهجير وتشريد لهم فى العصر الحديث، بعد أن غمرت مياه بحيرة السد قراهم ومنازلهم وأراضيهم.

ومن المثير للدهشة هنا أن الدولة أصدرت فى عام 1962 القانون رقم 67 لنفس العام والخاص بنزع ملكية أراضى النوبة التى ستغمرها مياه السد العالى، كما صدر القرار رقم 106 لسنة 1964 بشأن تعويض وتمليك وإسكان أهالى النوبة، وذلك رغم وجود قوانين سابقة تنظم عملية نزع ملكية العقارات.

السبب وراء هذا هو ما رأته الدولة آنذاك من أن القوانين المنظمة لعملية نزع الملكية سوف تعرقل انجاز عملية التهجير إذا ما اتبعت الإجراءات المنصوص عليها فى تلك القوانين. فهذه القوانين تعطي الحق للمتضررين من جراء نزع الملكية وما يرتبط بها من تعويضات اللجوء إلى القاضى الطبيعي للفصل فى القضية، فى حين جعل القانون الجديد هذا الحق فى يد لجنة إدارية مكونة من قاضي تختاره وزارة العدل ومندوبين وزارة الشئون الإجتماعية ووزارة الأشغال، وممثل لمحافظة أسوان. والدولة بتفويض هذه اللجنة للبت فى الشكاوي المترتبة على نزع الملكية تكون قد نصبت نفسها خصماً وحكماً فى نفس الوقت. بدا ذلك جلياً فى الإجراءات التى نص عليها القانون فى حالة الشكوى من نزع الملكية، والتى هى تعد فى مجملها إجراءات تعجيزية، الأمر الذى ترتب عليه إهدار الكثير من حقوق النوبيين المتضررين من عملة التهجير.

فى هذا السياق تم تقدير تعويضات النوبيين بـ 6.036.818 جنيه، بواقع 1.973.478جنيه لعدد 1.044.380نخلة حيث قدر ثمن انخة الواحدة بـ 1.89قرش، كما قدرت التعويضات على المساكن بـ 1.886.700جنيه لعدد 35.966 مسكن، أي أن ثمن المسكن الواحد قدر بـ 52.458 جنيه، وبالنسبة للأراضي الزراعية والتي بلغت في ذلك الوقت 15.957 فدان قدرت قيمة التعويضات عنها بـ 2.155.720جنيه، بواقع 135.1 جنيه، أما السواقي والآبار التي بلغ عد دها آنذاك 1.064، قدرت قيمتها بـ 20.920 جنيه. أما السواقي والآبار التي بلغ عد دها آنذاك 1.064، قدرت قيمتها بـ 20.920 جنيه. وعلى الرغم من هزال هذه التعويضات مقارنة بحجم المعاناة التى تكبدها النوبيون من جراء الترحيل، فإنها لم تنفذ بالكامل. فقد صرفت نصف التعويضات فقط وقيمتها 3,458,000 ألف جنيه. ومنذ بدء التهجير فى 18/10/1963 بقرية دابور وحتى نهايته فى بقرية أبو حنضل لم تكن جميع المساكن البديلة المخصصة للنوبيين قد اكتملت. حيث تم اسكان 15,107 ألف أسرة بواقع 15,030 ألف منزل، بينما ظل بقية الأهالى يقيمون فى مخيمات أو عند ذويهم ممن تسلموا مساكن حتى تم استكمال باقى المنازل وعددها 918 منزل. أما منازل المغتربين وعددها 8467 منزل فقد بدء إنشاءها عام 1976 أى بعد 12 عام من التهجير، أضيف إليها 636 منزل تحت مسمى تيسيرات ليصبح الإجمالى 9103. ووفقاً لتقرير لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير عقب الزيارة الميدانية التى قامت بها في مارس 1998 فإن إجمالى ما تم بنائه من هذه المساكن 2829 منزل، ليصبح المتبقى 6274 منزل لم يستكمل حتى الآن.

كيف تعود حقوق النوبيين؟

للإجابة على هذا التساؤل يجب علينا الإجابة أولاً على سؤال آخر، من اغتصب حقوق النوبيين؟ بمعنى آخر من هو عدو النوبيين الحقيقي؟ هل هو حكم الشماليين المختلفون لغوياً وثقافياً وفي اللون، والذين ينظرون لأهل النوبة نظرة دونية، كما يحاول البعض تصدير ذلك؟ أم هم أعداء الحضارة النوبية المزعومة كما يحاول آخرون تصوير القضية؟ كل هذه التصورات في رأينا لا تعدو كونها أمراض أنتجها العدو الحقيقي الذي تسبب في تهميش النوبيين. فكما رأينا فإن قضية النوبة تمتد لما يقرب من قرن من الزمان، تعاقبت خلالها نظم حكم مختلفة نال منها النوبيون نصيب وافر من التهجير والتشريد والإفقار. لكن الملاحظة الهامة هنا هي أن سياسات جميع هذه النظم كانت تعبيراً عن طموحات الطبقات الرأسمالية الحاكمة في إحداث مزيد من التنمية، ليس بهدف تلبية احتياجات البشر وتوفير الرفاهية لهم، ولكن لتحقيق مزيد من تراكم رأس المال والأرباح حتى لو كان ذلك على حساب حياة الملايين من الفقراء. فمن المستفيد الأول من تحويل ري الحياض إلى ري دائم بعد بناء خزان أسوان، ألم يكن كبار ملاك الأرض الذين استعبدوا فقراء الفلاحين في وساياهم؟ حتى بعد حركة يوليو، ورغم كل المكتسبات التي حققها الإصلاح الزراعي للفلاحين، وكل طموحات التصنيع والتنمية المستقلة، هل تحسنت أحوال النوبيين؟ هل تحسنت أوضاع فقراء الفلاحين، أم تم نزع فائض التنمية إلى خزينة الدولة وطبقة البيروقراطية العسكرية التي خلقتها حركة الجيش؟ واليوم في ظل سياسات الليبرالية الجديدة والتنمية المزعومة والتي يجري جزء منها على ضفاف النهر هناك في مناطق النوبة القديمة ببناء قرى ومنتجعات سياحية تدر ملايين الأرباح، هل عادت تلك التنمية بشئ على فقراء مصر ومنهم النوبيين، أم أن الأرباح تتراكم بالمليارت في حسابات الرأسماليين الكبار؟

إذاً فالمشترك الأساسي بين كافة الأنظمة التي عانى النوبيون تحت حكمهما أنها جميعاً أنظمة طبقية تعمل لصالح رأس المال وتخلق التنمية التي توفر لهم مزيداً من الأرباح، وليس تلك التنمية التي توفر احتياجات البشر ورفاهيتهم ذلك النمط من التنمية الذي لتي يمكن للنوبيين وغيرهم رؤيته بوضوح. والحقيقة التنمية الرأسمالية لم ينعكس بالإفقار والقهر والاضطهاد على النوبيين فقط وإنما علي كافة الفقراء من مختلف فئات المجتمع وطبقاته. فهذه السياسات الرأسمالية هي التي شردت آلاف العمال بالخصخصة والمعاش المبكر وأفقرت آلاف آخرين بوضعهم تحت رحمة الاستثمار في ظروف عمل أشبه بالعبودية. هذه السياسات أيضا هي التي شردت آلاف الفلاحين وطردتهم من أراضيهم بقانون 92 لسنة 1992، وقتلت منهم العشرات في معارك مع الأمن لتسليم الأرض للإقطاعيين الجدد. هذا النظام هو أيضاً من شرد العشرات من أهالي قلعة الكبش بحي السيدة زينب بهدم عششهم فوق رؤوسهم. هذا النظام وهذه السياسات هي نفسها التي تتجاهل صرخات أهل النوبة المطالبة بحقوقهم في حياة إنسانية كريمة تنتشلهم من مستنقع الفقر والبطالة وانعدام الخدمات والتمييز.

هذا هو العدو الحقيقي للنوبيين وكل الفقراء والمضطهدين في مصر، إنها الطبقة الحاكمة وسياساتها. لذلك وحتى لا ينحرف نضال النوبيين في المطالبة بحقوقهم إلي متاهات العنصرية والعرقية، فإن نضالهم الحقيقي هو نضال كل الفقراء والمهمشين لإسقاط هذا النظام وسياساته وخلق نظام جديد يسعى لتنمية في البشر وليس لصالح الأرباح.