بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النوبة.. مأساة التهجير مُستمرة

يمر علينا نصف قرن على تهجير النوبيين، وغرق النوبة القديمة، في ظل إهمال تام من الدولة حتى الآن لقضية النوبيين، وفي ظل حديث المسئولين عن أهمية بناء السد العالي، والمعارك البطولية لإنقاذ معبد أبو سمبل، تغفل تماماً الحكومات أن للقضية النوبية عليهم حق، وحتى الآن مازال حلم العودة لبلاد الذهب يُطارد كل نوبي، ولا تزال الأمنيات حول أن تطفو من جديد بلاد النوبة على البحيرة حاملة معها البيوت، والنخيل، ومقابر الأجداد.

لم يكن  التهجير الذي استمر 244 يوماً من 18 أكتوبر 1963 إلى 22 يونيو 1964  المأساة الأولى في حياة النوبيين، فقد عانى النوبيين منذ خزان أسوان الذي تم بناءه في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1902 لخدمة الاحتلال الانجليزي للتوسع في زيادة إنتاج مصانع النسيج، واستخدام فائض مياه النيل الناتج عن بناء الخزان لزراعة القطن، ولم تُبدى آنذاك الحكومة أي اهتمام بمن يعيشون خلف الخزان، وبدأت سيرورة الغرق، والتشتت لدى النوبيين مع غرق عشر قرى نوبية نتيجة لبناء الخزان، ولكن لم يكن قرار الهجرة عن أراضيهم  ومقابر الأجداد هو الحل الأمثل، فبدئوا ببناء القرى الغارقة من جديد على المُرتفعات الأقرب، حتى بدأت الحكومة بزيادة ارتفاع خزان أسوان للمرة الأولى في 1912 لتغرق ثمان قرى جديدة بالإضافة للعشر قرى القديمة، ثم تابعت الحكومة عام 1933 البناء لزيادة ارتفاع الخزان للمرة الثانية، الأمر الذي نزل على النوبيين كالصاعقة فأغرق عشر قرى جديدة بالإضافة للثماني عشر قرية القُدامى، وحينها فقط أدركت الحكومة أن هناك أناس يعيشون خلف السد يستغيثون، هنا بدأت الحكومة تُقدم تعويضات هزيلة للغاية “لمنكوبي الخزان” وهو اللفظ الذي وصفت به الحكومة النوبيين في رسائلها الرسمية.

لم يكن ضرر خزان أسوان على النوبيين هو غرق الأراضي النوبية فقط، ولكن نتيجة لذلك و للتعويضات الزهيدة من الحكومة، أضطر الكثير من النوبيين إلى الاتجاه نحو الشمال تاركين عائلاتهم بحثاً عن لقمة العيش، ولكن بالرغم من غربة الرجال عن قراهم، وأسرهم للبحث عن ما يسد احتياجاتهم، واحتياجات أسرته في النوبة التي تفشى فيها الفقر، ظل هناك إيمانا بحتمية العودة، وأنه بالرغم من اغترابه عن أرضه و عن النيل سيعود و يُدفن على ضفافه.

حتى أتى ما لم يكن في الحسبان وهو البُعد تماماً عن الأرض وغرق النوبة بشكل كلي لتبدأ عملية التهجير الرابعة للنوبيين في نفس القرن، ففي عام 1959 تم البدء في تنفيذ مشروع السد العالي الذي ترك خلفه مدينة حلفا الواقعة أقصى شمال السودان غارقة على إثر اتفاقية مياه النيل مع حكومة إبراهيم عبود العسكرية بالسودان، ولاحتواء الموقف، ذهب الرئيس جمال عبد الناصر إلى النوبة في 1960 لمقابلة النوبيين وإلقاء خطابه الشهير بجوار معبد أبو سمبل وتقديم وعده أن الحياة ستصبح أفضل، وسيشارك النوبيين في الحياة الصناعية وليس الزراعية فقط، ويعم الخير والنماء.. وبعد الخطاب الشهير بثلاث سنوات بدأت هجرة النوبيين تاركة جُرح لا يندمل حتى بعد مرور خمسة عقود.

لم ينسى النوبيين أنه لم يتبقى طفل واحد من مواليد 1964 نتيجة للظروف السيئة للتهجير، فموت 1500 طفل {*} يُعد من الفاجعة الكبرى التي شهدها النوبيين أثناء التهجير وموت كبار السن لعدم توفير الرعاية الصحية أو حتى ظروف آدمية للانتقال، فكان التهجير يتم على الصنادل، وهي مراكب مُخصصة لنقل البهائم، بالإضافة لعدم تلقي التعويضات المُناسبة من الحكومة لتعويض الأهالي عن ترك البيوت و الأراضي ومقابر الأجداد لتبتلعها مياه النيل، فكان يتم التعويض عن النخلة الواحدة بخمسين قرشاً وأحياناً بعشرة قروش للنوبي المصري في حين الحكومة تعوض النوبي السوداني بخمسة عشر جنيهاً على النخلة الواحدة، مما يعد ظُلم مُجحف في حق النوبيين الذين هاجروا إلى كوم أمبو وإسنا تاركين البلح على النخيل في موسم الحصاد ليفاجئوا بشيئين أولهما ببيوت أسمنتية ضيقة المساحة تختلف كثيرا عن بيوتهم  في النوبة القديمة المبنية من الطوب اللبن  لتلائم درجة الحرارة، والمفاجأة الثانية حيث أنه  في بدء التهجير لم تكن كل البيوت جاهزة للمعيشة فيها، ولكن حاولوا التأقلم مع الوضع، فتم تسكين ثلاث أسر في بيت واحد، حتى الانتهاء من بناء باقي البيوت، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أرواح النوبيين مُتعلقة بالنوبة القديمة.

النوبيين بعد السد
“نحن نشعر أن الخير الذي سيعم على أبناء النوبة سيكون الخير الكثير؛ لأنه سيجمع شمل أبناء النوبة جميعاً على أساس من الأسس الصحيحة لبناء مجتمع قوى سليم؛ وبهذا تنتفي الشكوى التي كنتم تشعرون بها طوال السنين الماضية.. شكوى الانعزال، ثم شكوى تفرقة العائلة الواحدة.. أفرادها يعملون في الشمال وبعضها يعملون في الجنوب.. حينما نبحث السد العالي الذي ستُغرق مياهه بعض أجزاء أو أجزاء كبيرة من بلادكم”.. كان هذا من خطاب جمال عبد الناصر في يناير 1960 قبل البدء في تهجير النوبيين من أراضيهم، ولم يكن هذا الخطاب سوى وعود زائفة، فبعد بناء السد ازداد النوبيين تشتت، وانعزال، وتهميش.

وكما كانت وعود عبد الناصر زائفة حول الخير الكثير، ظل الحال كما هو عليه أثناء حكم أنور السادات بالرغم عما يُشاع عنه بعشقه للنوبة وزيارته مرتين لمركز نصر النوبة.. فلم تتحسن أوضاع النوبيين كثيراً في عهده وظل التهميش والاضطهاد الثقافي للنوبيين، وبالرغم من استخدام اللغة النوبية شفرة بين الجنود  في حرب 1973، فلا يتم تداول هذه المعلومة كثيراً، وظلت الصورة النمطية عن النوبيين كما تصورهم الأفلام العربية بأنهم جماعة من أصحاب البشرة السوداء ذوو اللغة الغريبة، ودائمي العمل في الوظائف الدُنيا.

ولم يتغير الوضع كثيراً في عهد مبارك الذي شهد صدور توصية من لجنة الإسكان والمرافق بمجلس الشعب 1998 حول ضرورة إعادة التوطين للنوبيين، ولكن ظلت الدولة صماء أمام كل من يُطالب بحقه  طالما كان من الفقراء، والكادحين الذي يمتلأ بهم وطننا.

سعت دولة مُبارك لتشويه النوبيين، ومحاولة الإبقاء على انعزالية القضية النوبية، واتهام النوبيين بأنهم دعاة انفصال، وفي محاولة من الطبقة الحاكمة للتغيير في الخطاب الدعائي حول النوبيين فبدلاً من إظهارهم دائماً أنهم بوابيين، وطباخين، وسواقين، كان على النظام تصدير أفكار جديدة وصورة نمطية جديدة حول النوبيين، فيُظهرهم في الإعلام أنهم أُناس طيبون، وضاحكون، وكل ما يفعلونه هو الرقص والغناء فقط، حتى يُصبح ذلك هو صورة التراث النوبي، وتاريخ النوبة، وحتى يظهر مبارك أنه يحترم جميع الثقافات، والأقليات، وفي حين يُطالب النوبيين بالاهتمام بلغتهم وتدريس تاريخ المملكة النوبية، تتسارع الحكومة لتنفيذ مشروع توشكى، وليس الغرض منه خدمة النوبيين، ومحاولة لإعادة توطينهم، ولكن غرضه الوحيد هو خدمة رأس المال، وجذب المُستثمرين العرب، والأجانب، وتوزيع الأراضي حول السد وبحيرة النوبة (ناصر) على غير النوبيين بالرغم من أولوية النوبيين في الأرض.

بعد قيام ثورة 25 يناير، وإطاحة الجماهير بالديكتاتور مبارك، وشعور المصريين جميعاً أنه حان وقت الحرية، كان من البديهي أن يشترك النوبيون في الحراك، وتشجع المُهتمون بالقضية النوبية نحو المطالبة بالحقوق المشروعة، وإحياء القضية النوبية من جديد.

ومع وصول المجلس العسكري للسلطة وعلى رأسهم  المشير طنطاوي (من قرية أبو سمبل) اختلف النوبيين حول وضع القضية، فكان البعض يتوقع أن بوصول طنطاوي إلى الحكم يُمكن أن يُساهم بقرارات لعودة توطين النوبيين، والبعض الآخر يرى أن طنطاوي ليس سوى الابن المُدلل لنظام مبارك. ورغم تغيير الحكومة أكثر من مرة في عهد المجلس العسكري يبقى الوضع على ماهو عليه لأن النظام لم يتغير، وتبقى أحلام العودة مُستمرة، ووضع النوبيين أمالهم على انتهاء المرحلة الانتقالية، وانتخاب رئيس جديد بعيداً عن نظام مبارك، حتى جاء محمد مرسي حاملا معه تصريحات مُخزية للجماعة فتارة يتم وصف النوبيين من عصام العريان بأنهم غزاة، وتارة أخرى يصفهم محمد مرسي بـ”الجالية”، وبالإضافة للتهمة المُلصقة بهم دائماً بأنهم يريدون الانفصال.

ونتيجة لتصريحات الجماعة التي تمتاز بالغباء الخالص، أدى ذلك لظهور حركة “كتالة” التي تدعو للانفصال بالتنظيم المُسلح مُعلنة أنها تضم “6 الآف عضو”، ومُدعية أن سبب دعوتها للانفصال هو عدم تعيين أعضاء في مجلس الشورى، على غرار أهل سيناء، ولذلك تشكلت دعوتهم للانفصال عن دولة الإخوان.

الاشتراكية الثورية وقضية النوبة
منذ إسقاط مبارك بقوة الثورة الجماهيرية، والمتاريس التي أقامتها الجماهير للدفاع عن ثورتهم، وسقوط دستور مبارك، بدأ الشعب يحلم بدستور جديد واهماً بأنه الخلاص من دولة مبارك الظالمة، وظن النوبيين أن النظام تم تغييره، وأن الدولة ستصبح أكثر عدالة، وأن هذا هو الوقت لعودة النوبي لأرضه، ووضع دستور يحافظ على حقوق الأقليات، ويُلزم الدولة بالاعتراف باللغة النوبية و الأمازيغية، والاهتمام باللغة وتدريس تاريخ النوبة القديمة، ومنع التمييز على أساس اللون، والعرق، ولكن كانت المُفاجأة أن يتم تشكيل الجمعيتين  السابقتين دون تمثيل حقيقي للنوبيين، وبالرغم من تواجد مُمثل لأهل النوبة داخل الجمعية التأسيسية الحالية إلا أن السلطة دوماً تصر على اعتبار القضية النوبية بمنعزل عن القضية المصرية ككل، فلا يسمح للمُمثل النوبة الحديث خارج حدود قضيته ولا يُمكن له التدخل في قضايا الحد الأدنى والأقصى للأجور على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يعني أن الدولة أصبحت أكثر ذكاء، وتلعب مع النوبيين لعبة مساومة ففي مقابل التواجد بالجمعية التأسيسية تكمم الأفواه لتبقى القضية النوبية في معزل عن الثورة المصرية، يمكننا أيضاً أن نضيف على ذلك أن الجمعيات التأسيسية المتعاقبة التي جاءت لخدمة كل نظام حاكم، فالجمعية التأسيسية الحالية تشكلت لخدمة الوضع الاستثنائي للسيسي وقادة قواته المسلحة داخل دستور الإخوان، والإبقاء على الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية كما هي، وخدمة رجال الأعمال.

إن الجمعية التأسيسية المُشَكَلة تحت حكم وقيادة العسكر لن تعمل من أجل حقوق الأقليات، وقد تبين ذلك في حذف لجنة الصياغة لعبارة “اللون والعرق” من المادة 38 من باب الحقوق والحريات التي تنص على أن “المواطنين سواء أمام القانون ولا تمييز بينهم”، وتهديد مُمثل النوبة بتجميد عضويته!

الضامن الوحيد من أجل عودة حقوق النوبيين هو الانتصار الكامل والحاسم لثورتنا، فإن الثورة هي “كرنفال المضطهدين”.. كل المضطهدين، ولا يمكن عودة الحقوق الضائعة للنوبيين عن طريق تكوين تنظيمات مُسلحة للأقليات على غرار “كتالة” الداعية للانفصال، فإن الإرهاب الفردي، والدعوة لثورة الأقليات لن تؤتي بثمارها، كما أنه لن يتم حل القضية النوبية عن طريق وصول نوبي للسلطة، ولنا في طنطاوي خير مثال على ذلك.. طنطاوي كان على رأس اللسلطة عند استشهاد محمد محسن “نوبي” برصاص الجيش في أحداث العباسية الأولى، وعندما كان طنطاوي وزيرا للدفاع في حكومة مرسي، تم اعتقال محمد فتحي – عامل نوبي في شركة بورتلاند بالإسكندرية – على إثر فض اعتصام العمال ليلاً بالكلاب البوليسية.

إن طنطاوي والسيسي ما هما إلا خادمين لمصالحهم الطبقية، ومصالح رأس المال في مصر والعالم، ونتيجة لتحكم رجال الأعمال، فأن حكومة الببلاوي أو أي حكومة أخرى ليست قادرة على إعادة توطين النوبيين على بحيرة النوبة (ناصر) لوجود أصحاب المصالح الطامحين في الاستيلاء على الأرض المجاورة للبحيرة حتى تصبح قرى سياحية، تُساعدهم في تضخيم ثروتهم.

إن الصراع الطبقي هو القانون الذي يحكمنا جميعاً، ولا يمكن فصل القضية النوبية عن الصراع الذي تشهده مصر، والعالم أجمع، فمن أجل عودة الأرض لأصحابها الأصليين على كل الكادحين، والفقراء النوبيين الدفاع عن مصالحهم الطبقية، والانخراط في التنظيم الذي يمتلك الخطة، والقادر على الدفع بالثورة إلى الأمام وانتصارها، التنظيم القادر أن يكون منبرا لكل المضطهدين.

—-
* هناك تضارب حول حقيقة المعلومة، فهناك من يدعي أنه لم يتم توثيقها وتم نقلها بشكل شفهي من مُعاصري التهجير وهناك فريق آخر يدعي وجود مقابر للأطفال في قرية بلانة (مقابر الحضانات) وبخصوص مواليد 1964 فهناك سجلات لوزارة التربية والتعليم حول عدد المُسجلين فى المدرسة آنذاك.