بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النوبة.. ظلم طال أمده

اشتعلت قضية النوبة مرة أخرى ، بعد أن تبين أن الحكومة المصرية تتجاهل شروط الأولوية لأهل النوبة في توزيع الأراضي حول السد العالي. تتناول دينا حشمت هذه القضية وتطرح جذور المشكلة والمناقشات حولها.

وكأن وصفة هذا النظام في التعامل مع رعاياه لا تختلف أبدا. فما يشهده اليوم أهل النوبة، من تجاهل لمطالب مشروعة، ومن فساد لمسئوليه، ومن قمع إبان التفكير في التحرك، يذكرنا بما شاهده مواطنون مضطهدون آخرون في بر مصر، فكروا في التحرك للاحتجاج على أوضاع أصبحت بائسة.

القضية تخص الأراضي المستصلحة الجديدة التي تقع حول السد العالي، حيث أن الأهالي اكتشفوا مؤخراً أن هذه الأراضي تم تخصيصها لشباب الخريجين من جميع أنحاء مصر، وليس لأهالي النوبة، المهجرين بعد بناء السد العالي سنة 1964. فبدأت بعض الجمعيات –كل قرية نوبية لها جمعيتها المسجلة لدى الشؤون الاجتماعية والتي تقوم بنشاط اجتماعي وثقافي— في تنظيم أمسية ومسيرة صامتة بالشموع في قرية بلانة، إحياءاً لذكرى أول قرية تم تهجيرها في 1964. ولكن الجهات الأمنية قامت بمنع الأمسية، بحجة أنه لا بد من الحصول على تصريح أمني، قبل إقامة أي نشاط من هذا النوع. فقررت الجمعيات تأجيل الأمسية والمسيرة، حتى تتيح هذه الفترة الزمنية مهلة أطول للحصول على تصريح، وحتى تسمح هذه المهلة بمشاركة جهات أخرى، من أحزاب معارضة وغيره، في تنظيم هذا الحدث.

وتعالت نبرة السخط في أوساط أهالي النوبة، بعد أن تأكد أن الأراضي حول بحيرة ناصر وأراضي أخرى من الظهير الصحراوي، اعتمدت فيها المحافظة 28 مخططاً عمرانياً، يبلغ فيه سعر المتر بالمرافق 50 جنيه، يتم توزيعها على غير النوبيين. وتقول المحامية والناشطة اليسارية صفاء زكي مراد (من سكان القاهرة وأصلا من قرية أبريم في النوبة) أنه: “طبقا لبروتوكول اليونسكو هناك أولوية للسكان الأصليين إذا توافرت الشروط بدون أن يعني ذلك أنها يجب أن تكون قاصرة عليهم”. وما يزيد من استياء الأهالي، هو أن الكل يعلم أن الفاو كانت قد خصصت مبلغاً من أجل إعادة توطين المهجرين، يقدر بـ 1.3 مليار دولار، وأنه لم يستفد النوبيون حتى الآن من هذه المبالغ. ويرد محافظ أسوان، اللواء سمير يوسف، على استياء النوبيين بتصريحات مستفزة، تفيد بأن “النوبة القديمة قد غرقت ومن يريدها فاليبحث عنها تحت المياه” (الوفد 3/5/2006). في الوقت نفسه يستمر في توزيع الأراضي على أسر غالبا ما تأتي من الدلتا. وبعدم مراعاة الحكومة المصرية شروط الأولوية هذه، تبدد مرة أخرى الحلم بالعودة إلى أراض هُجروا منها منذ 1964، وإن لم يكن هذا أول تهجير، فكان بناء خزان أسوان سنة 1902، ثم التعليات المتتالية لهذا الخزان سنة 1912 و1932 قد أدى إلى إغراق 28 قرية نوبية، بأراضيها الزراعية، دون أن يتلقى أهالي النوبة تعويضات مناسبة عن ذلك.

تهجير 1964 ..المأساة

ترك تهجير 1964 آثاراً أكثر أيلاماً مما سبقه، ليس فقط لأنه أقرب من ناحية الفترة الزمنية، ولكن لأن على أثره غرقت بلاد النوبة كلها، أي 42 قرية، وتم تهجير سكان هذه القرى بشروط قاسية وغير إنسانية. “أهلنا حكولنا إزاى إن الناس اترحلت بسرعة على مراكب. اللى ما كانش عايز يمشي سابوه هناك ومات. فيه ناس كثير ماتت في الحكاية دي، وبالذات أطفال جالهم أمراض مختلفة وعواجيز ما استحملوش”، هكذا يقول محمد حمدي، طالب يسكن في إمبابة وأصلا من قرية أبو سمبل في النوبة.

وتبقى ذكريات المكان القديم حية لدى الجيل الذي عاش التهجير، وهي لم تكن بمثابة ذكريات فقط، بل عناصر حياة كاملة. فيقول الحاج ماهر وهو مهندس زراعي من قرية بلانة، مواليد 1944:”إحنا النوبيين زي اللي فقد الأم وعايش في حضن الخالة، والأم ما تتعوضش. النوبة القديمة هي مرتع الصبا والشباب، عشنا فيها مرحلة رئيسية من حياتنا، إتشكلت فيها شخصياتنا من حيث البيت والسكن والأخلاق، كان مجتمع متكامل. التهجير أضاف إلينا فعلا حاجات كثيرة جدا، وأضاف إلينا إن التعليم اتسع ودخلت الطرق وزاد الاتصال بالعالم، ده كله فيه جانب حضاري. ولكن كان ممكن أن يوجد الجانب الحضاري وإحنا هناك وكنا حنبقى أكثر سعادة، ولكن خسرنا النيل، خسرنا الهواء النقي” (حوار مع علاء خالد في مجلة أمكنة العدد الثالث، ص11).

وهكذا تم ترحيل النوبيين “على عجل إلى هضبة كوم أمبو وإسنا، إلى منطقة لا نهر فيها ولا إرث ولا تراث” في أراض صحراوية جافة وكئيبة، في بيوت لم تكن تمتد بالماء ولا الكهرباء، في فضاء جعل النوبيين يتذكرون بأسى الفضاء الرحب والمضياف لقراهم الأصلية على ضفاف النهر. ثم أن التعويضات كانت ضئيلة جدا، فلم تقدر النخلة بأكثر من 50 قرشا ولم يقدر فدان الأرض بأكثر من 40 جنيهاً، أو حتى 20 جنيهاً. “فهل يعقل أن تقدر ثمن النخلة بخمسين قرشا وأحيانا بعشرة قروش، وفدان الأرض بأربعين جنيها وأحيانا بعشرين جنيها، أما الغرفة المسقوفة في المسكن فقدرت بخمسة جنيهات فقط.” “النخلة في رشيد بثلاثة وأربعون جنيها وفي النوبة المصرية تساوي خمسون قرشا وفي النوبة السودانية فبخمسة عشر جنيها، علما بأن نوعيات البلح الإبريمي في مصر هو نفس البلح الإبريمي هناك” (الأرقام من كتيب مشاكل النوبة في مائة عام وحلها، الصادر عن لجنة المتابعة المنبثقة من الهيئات النوبية بالإسكندرية). بالإضافة إلى أن المساكن الجديدة في كوم أمبو وإسنا كانت أصغر حجما بشكل كبير من المساكن في النوبة القديمة، وأصغر حجماً أيضا من المساكن في المهجر الجديد في السودان في خشم القربة، فلن تقابل نوبيا إلا وتحدث عن مسألة التعويضات الضئيلة، والمنازل الضيقة، مقارنا بينها وبين التعويضات والمنازل التي حصلوا عليها في السودان.

قضية التهجير تلك هي ما يعتبره أهالي النوبة أكبر ظلم وقع عليهم، وهو ما ستجد حوله إجماعاً واسعاً لدى كل النوبيين. فكلهم يتساءلون بمرارة حول الأسباب التي تجعل مصر “لا تعترف بتضحيات أهل النوبة كما اعترفت بتضحيات أهل بور سعيد والسويس مثلا في 1956”. فيقول محمد حمدي: “يعني مثلا أنت عارفة إن سنة 1973 كان نوبيون هما اللى مسؤولين عن نظام اللاسلكي لتمرير المعلومات. كانوا بيستخدموا اللغة بتاعتنا وما حدش كان قادر يفك الشفرة. دي حاجة من عبقريات الحرب، وبالرغم من ذلك ما حدش بيعترف بها، ولا بيبجلها ولا يديها اعتبار.”

اضطهاد ثقافي أيضا

يمتد هذا الشعور أيضا لإشكالية أعم، وهي صورة النوبي في الثقافة المصرية وفي السينما على وجه التحديد. “النوبي دايما بيظهر على إنه هو الطيب الغلبان. بس النوبي مش بس طيب وغلبان، فيه عندنا أنماط تانية كثيرة من البشر مش ظاهرة في السينما. دايما النوبي بيصوروه على إنه الخادم، حاطط الشارة الحمرا دي حولين بطنه، مع أن النمط ده ما بقاش موجود.”

والبعد الآخر للثقافة النوبية الذي نجده في الإعلام هو البعد الفني، ولكنه يقتصر على البعد الفولكلوري الغنائي الرقصي، دون إعطاء أهمية كافية للفنانين الكبار النوبيين الذين تميزوا، باستثناء محمد منير، على غرار حمزة علاء الدين مثلا. فيتميز هذا التقديم ببعد فولكلوري يضع هذه الثقافة في حيز ضيق، لا يتناسب مع أهميتها كثقافة ولغة مستقلة. ولا تقوم الحكومة المصرية بأي جهد يذكر حتى تحافظ على الثقافة واللغة النوبية.

“نحن نريد إحياء اللغة النوبية” تقول صفاء زكي مراد، “ونريد بناء مراكز لتدريسها ومن المفترض أن تساعدنا الدولة على فتح مدارس لتعليم هذه اللغة”. وتضيف “ونريد تدريس تاريخ النوبة في المؤسسات التعليمية في مصر، والاهتمام بالثقافة والآثار والتراث والأدب الشعبي النوبي والتعريف بالدور الحضاري النوبي.”.

ولا تشير مناهج التعليم في المدارس المصرية إلى تاريخ هذا الجزء من مصر، ولا تربط بينها وبين التاريخ الفرعوني، وكأنها تفصل بين التاريخ الفرعوني وتاريخ القارة الأفريقية. وكثيرا ما يتم تفضيل الأبعاد الأورو-متوسطية لتاريخنا التي تربط مصر بالضفة الشمالية للبحر التوسط، على حساب تفاعلاتها الجنوبية، وذلك لأسباب مرتبطة بقرون طويلة من الاستعمار، جعلت من الأجزاء الشمالية من الكوكب، ليس فقط الأجزاء الأكثر وفرة اقتصاديا، ولكن أيضا الأقوى فيما يخص الهيمنة الثقافية والإيديولوجية، التي تفرضها حتى على أبناء الجنوب أنفسهم.

استمرار التهميش وخطوط المقاومة

وإذا كان هذا الإطار الإيديولوجي العام، يمكن أن يفسر تهميش مكانة النوبة في سرد التاريخ الرسمي لمصر وتهميش ثقافتها، فإنه لا يمكن أن يفسر بالتأكيد، ما وقع من ظلم ضد أهل النوبة على مدار 100 عام من الزمن.

يفسر محمد حمدي هذا الظلم بأنه تم عمداً من أجل “تفتيت الترابط النوبي”: “بعد تهجير 1964، لما سكنوا الناس في الأماكن الجديدة، في كوم أمبو وإسنا، خلوا ما بين القرية والقرية مسافات كبيرة، وفرقوا ما بين القرى اللى كانت أصلا مجاورة في بلاد النوبة القديمة. أنا قريتي أبو سمبل كانت جنب بلانة على طرف مركز ناصر، ودلوقتي بقوا بعاد عن بعض تماما”.

وذهب البعض إلى تسمية هذه السياسة “بالتطهير العرقي”، على غرار حجاج أدول ، في كلمته التي شارك بها في مؤتمر واشنطن التي فجرت مناقشة ساخنة، ليس حول هذه المشاركة فحسب، بل أيضا حول القضية النوبية نفسها. فيقول حجاج: “على الهضبة النوبية فوق مستوى مياه البحيرة التي تكونت نتيجة لبناء السد العالي، الآن يتم توطين غير النوبيين. المسئول العسكري المفروض علينا في محافظة أسوان، قام بإنشاء مستعمرة سكنية ووطن فيها غير النوبيين، مستعيناً ببعض الخونة النوبيين المعينين بالتزوير في المجالس المحلية والتابعين لحزب السلطة الديكتاتوري. ونفس الشخص العسكري ينوي استكمال سلسلة مستعمرات لغير النوبيين لاستكمال سياسة التطهير العرقي.”

وإن لم يكن جميع النوبيين متفقين على توصيف هذه السياسة بالتطهير العرقي، فجميعهم متفقون على أن هذا ظلم ضد أهل النوبة الأصليين، وكلهم متفقون على عدة مطالب أهمها تلك الخاصة بإقرار حق النوبيين في الأولوية، فيما يخص تملك الأراضي المستصلحة حول بحيرة السد العالي، وبإعادة تقييم التعويضات الهزيلة التي حصلوا عليها إثر التهجير، مع الأخذ في الاعتبار أن لا بد من التعويض على الأرض والبيت والنخل، إلى جانب حق النوبيين المغتربين الذين لم يتواجدوا أثناء الإحصاء في بيوت مناطق التهجير. هذا ما يريده أهل النوبة وهذا ما بدأت تظهر حوله مظاهر احتجاج هنا وهناك، بالإضافة إلى تمسكهم بلغتهم وثقافتهم، التي حافظوا عليها لقرون طويلة.

حكاية نوبية

هي “حكاية طبيب مسيحي زهق منه رؤساؤه في القاهرة وقرروا أن ينقلوه إلى آخر بلاد مصر. أسوان كانت المنفى القديم لمصر، أما بلاد النوبة والبلاد التي تقع على حدود السودان، فهي منفى المنفى. رفض الطبيب تنفيذ الأوامر وقضى شهوراً يأخذ أجازة تتلوها أجازة أخرى حتى وصل إلى أحد أمرين إما أن يستقيل أو ينفذ الأمر. أخذ القطار لأسوان ومن هناك أخذ الباخرة إلى قرية بلانة القريبة من حدود السودان. نزل في محطة الباخرة وجد عدة محلات، دخل إحداها وسأل صاحب المحل النوبي عن صحة معلومة سمعها في القاهرة “بجد انتوا بتاكلوا البني آدمين”، أكد له صاحب المحل صحة المعلومة وأضاف أنهم يحبون أكثر اللحوم البيضاء مثل لحم الطبيب. فما كان منه إلا أن خرج صارخا من المحل، كانت المحطة ما زالت ممتلئة عن آخرها، تجمع الناس حوله، فأخذ يجري ويتعثر في الشنطة التي يحملها ويقع على الأرض ثم يقوم، فيجتمع الناس حوله أكثر وبدأت تتكون دائرة تحاول أن تستفسر عما يجري، كلما اقترب الأهالي منه أحس بأن الخطة تسير كما توقعها، لا ينقصهم إلا دق الطبول وإشعال النار والبدء في تناول الوجبة البيضاء اللذيذة. أغمى على الطبيب ولما أفاق اكتشف سوء ظنه، وعاش وسط الأهالي سنوات وسنوات وأرسل وأحضر عائلته وأصبح واحدا منهم.”