بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظام والإخوان ومجلس شورى التوريث

انتهت انتخابات مجلس الشورى بنجاح جديد للنظام في التأكيد على هزلية مساعيه من أجل الإصلاح وزيف السبل التي لطالما ادعى أنها شرعية. فالتعديلات الدستورية الجديدة منحت صلاحيات واختصاصات جديدة لمجلس الشورى، وبالتحديد صلاحيات تشريعية خاصة بالقوانين المكملة للدستور والمتعلقة بالحريات. لكن الأهم من هذا هو التعديلات الدستورية لعام 2005 والتي ربطت الاختيار لمنصب رئيس الجمهورية -بحسب المادة 76 منه- بتأييد 250 عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلس الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات، على ألا يقل عدد المؤيدين عن 65 عضوا من مجلس الشعب و25 عضوا من مجلس الشورى.

الحزب الوطني

يردد صفوت الشريف وغيره من أفراد الحاشية أن ثقة الناس بالبرنامج الانتخابي للرئيس مبارك هي سبب فوز أعضاء الحزب الوطني. وبالطبع، لا ينسى أن يؤكد هؤلاء على حرص أعضاء المجلس الجدد على تنفيذ توجيهات السيد الرئيس.

نشهد اليوم محاولات حزب مبارك تمرير فوزه الساحق وغير المبرر على الإطلاق –69 مقعدا من أصل 71 بالجولة الأولى- خاصة إذا ما اعتبرت الانتخابات مؤشرا لمستوى شعبيته بين الناس بأرجاء متفرقة من مصر. ففي هذه الحالة يكون الحزب الوطني قد أحدث طفرة رهيبة منذ انتخابات مجلس الشعب لعام 2005 والتي خاضها بذات البرنامج الانتخابي. تلك الانتخابات التي شهدت جلوس 88 عضوا بجماعة الإخوان المسلمين تحت قبة البرلمان، برغم كل سبل التزوير والبلطجة التي اتبعها النظام. هذا فضلا عن الكوارث التي تسبب فيها نواب الحزب الوطني منذ ذلك الحين، والتي لا يمكن لها أن تبعث أي مستوى من الثقة في نفوس المواطنين بنواب الوطني، ابتداء بكارثة عبارة ممدوح إسماعيل «السلام 98»، انتهاء بكارثة الدم الملوث لنائب الحزب الوطني «هاني سرور»، وفيما بينهما فساد أحمد عز و»فياجرا» رجل الأعمال محمد أبو العينين…الخ. ذلك الوابل من الكوارث الذي قطع الطريق أمام القائمين على الحزب في تقديم رموز حزبية جديدة تتمتع بدرجة من المصداقية، وتُنسي جموع المصريين رموز الحزب القديمة والمكروهة وعلى رأسهم شخصية مثل كمال الشاذلي.

في هذا الوضع المزري خاض الحزب الوطني مسرحية انتخابات الشورى، التي تولت بطولتها المطلقة وزارة الداخلية، رافعا شعارات تتناسب مع عبثية الواقع. فبدلا من شعاراته التي كثيرا ما تضمنت كلمة «المستقبل»، قرر القائمون على الحزب في هذه المرة الاكتفاء بشعار «الوفاء بالعهد» دون غيره، كما لو كان التأكيد على الوعود المقطوعة طيلة 25 عاما والتي بروزها البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك سيحل أزمة عجز الحزب عن الإيفاء بها. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ترديد رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف لكون الميزة الرئيسية لحزبه هي عدم طرحه لحلول «وهمية» لمشاكل الشعب المصري التي وصفها بـ» المزمنة». كما تألق رئيس المجلس في تصريحاته التي تؤكد على ابتعاد أعضاء حزبه عن كافة أشكال المعارضة السياسية بتلخيص مفهومه لها وإدراجها تحت بند «المتاجرة بآلام الناس».

العادلي ورجاله

أما فيما يخص الدور الذي لعبته وزارة الداخلية فحدث ولا حرج. فنقطة البداية في هذا الصدد هي اعتقال 650 إخواني خلال الـ10 أيام التي سبقت الموعد المحدد للاقتراع في11 يونيو 2007، وذلك بحسب مقال كتبه د/عصام العريان -مسئول القسم السياسي بمكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين- تحت عنوان «سبع فوائد للمشاركة» والمنشور بجريدة الدستور بنفس التاريخ. ولم يتوقف دور «الداخلية» عند حد اعتقال أعضاء وأنصار الجماعة، بل تجاوزه بإلقاء القبض على 6 مرشحين وإخلاء سبيلهم في وقت لاحق. هذا فضلا عن سياسة إغلاق اللجان ببعض الدوائر التي شهدت ترشيح عضو من أعضاء الجماعة وتمزيق توكيلات المندوبين وإلقاء القبض على أكثر من 100 مندوب وقطع التيار الكهربائي لمنع الاقتراع بمحافظة الغربية. والأفظع من كل ذلك هو النجاح في استكمال العملية الانتخابية بمحافظة الشرقية برغم قيام أحد أنصار مرشح الحزب الوطني بقتل أحد أنصار خصمه بإطلاق خمس طلقات من الرصاص الحي عليه، العمل الذي توج بفوز مرشح الوطني في النهاية.

قد يكون أبلغ عنصر يوضح الدور المؤسسي الذي لعبته الداخلية بهذه الانتخابات هو تفويض «اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات» للوزارة بإصدار تصاريح للـ 484 قاض، الذين تم اختيارهم من قبل وزير العدل ممدوح مرعي للإشراف على اللجان العامة بالدوائر، كي يتمكنوا من المرور على اللجان الفرعية. عمليا، هذا يعني تمكين المسئولين بالداخلية من منع أي قاضي ليس بحوزته تصريح أو هناك شكوك في صحة تصريحه من دخول اللجان. باختصار، أُعطيت وزارة الداخلية صلاحية التعامل مع القضاة بنفس النهج المتبع مع وسائل الإعلام والمنظمات المحلية والدولية.

في هذا السياق، شهدنا الأرقام الفلكية التي تم الإعلان عنها باعتبارها أصوات الناخبين لمرشحي الوطني، من نوع 151 ألف صوت لمرشح مقعد دائرة السنطة و207 ألف صوت لمرشح مقعد دائرة سمنود. أما وزير البترول سامح فهمي فحصل على أكثر من 54 ألف صوت عن دائرة السويس أمام مرشح الإخوان الذي لم يحصل سوى على ألف صوت. وكجزء لا يتجزأ من سياسة التزوير خارج نطاق المعقول، تدعي اللجنة العليا للانتخابات أن عدد الناخبين يصل إلى 23 مليون، شارك منهم 7 مليون ناخب بعملية الاقتراع بالجولة الأولى، أي نسبة تفوق 31%. هذا في الوقت الذي أجمعت فيه كافة الهيئات والمنظمات الرقابية ووسائل الإعلام المحلية والدولية على أن نسبة المشاركة وصلت إلى 6% كحد أقصى و1% كحد أدنى. الأمر الذي يبدو أكثر منطقية بما لا يقارن بالنظر إلى أن حجم المشاركة بانتخابات مجلس الشورى دائما ما كانت أقل بكثير من نظيرتها بمجلس الشعب. ففي انتخابات مجلس الشورى لعام 2001 والتي تمت على ثلاث مراحل كانت نسبة المشاركة –بحسب الحكومة– ما بين 10% و 20%. أيضا، واقع تنازل الحزب الوطني بهذه الانتخابات عن مبدأ الالتزام الحزبي بترشيح أكثر من مرشح لنفس المقعد -حيث شهدت 22 دائرة منافسة عضو بالحزب الوطني لعضو آخر– ليس من شأنه أن يعمل على تفتيت الأصوات، في حال وجودها فحسب بل وأن يضعف من مشاركة أنصار النظام. كل ذلك بالإضافة إلى فقدان معارضي النظام، الذين خرجوا واستبسلوا ليدلوا بأصواتهم لجماعة الإخوان بانتخابات مجلس الشعب الأخيرة، للثقة في نزاهة أي انتخابات بعد إلغاء الإشراف القضائي عليها.

قانون مباشرة الحقوق السياسية

تعتبر انتخابات مجلس الشورى الأخيرة أول تطبيق عملي للتعديلات الدستورية التي فصلها «ترزية» النظام لإحكام سيطرته على البلاد والعباد، والتي مررها مجلس الشعب، بالرغم من رفض 100 نائب لها. هذا وقد جرت الانتخابات بعد أن قررت المحكمة الدستورية العليا تأجيل الطعن المحال من محكمة القضاء الإداري بشأن عدم دستورية جزء من قانون مباشرة الحقوق السياسية، والذي يتعلق بتعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية، إلى جلسة 26 أغسطس المقبل.

فما قبل التعديلات الدستورية التي شملت تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية –بضمان نزعها بالكامل– كانت المادة (88) تنص على ضرورة إشراف القضاة على عمليتي الإقتراع والفرز بانتخابات مجلس الشعب، الأمر الذي أوجب أن يشرف قاض على كل صندوق انتخابي وأن تتشكل لجان الفرز من القضاة وحدهم. وذلك طبقا لحكم المحكمة الدستورية العليا عام 2000 وهو ما تم تطبيقه في انتخابات مجلس الشعب في عامي 2000 و2005.

لكن بحسب التعديلات الدستورية الأخيرة تشكلت «اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات» من خليط غير مفهوم أو محدد العناصر، بحيث يجمع ما بين عناصر قضائية حالية وأخرى سابقة بالإضافة إلى عدد من الشخصيات العامة، وكل ذلك طبقا لما يراه مجلسا الشعب والشورى، الذان لا يصل حجم المعارضة بهما إلى حد التأثير في عمل أي منهما. وبالرغم من كون هذه اللجنة هي المسئولة قانونا بحسب التعديلات الأخيرة عن نزاهة وشفافية انتخابات مجلسي الشورى والشعب، إلا أن جداول الناخبين ظلت بحوزة وتحت تصرف وزارة الداخلية.

على ذلك جرت الانتخابات في 57 لجنة عامة مشرفة على الانتخابات بكل دائرة. تشكلت كل منها من عناصر قضائية يتراوح عددها من ثلاثة إلى تسعة كحد أقصى. وبالرغم من كون دوائر الشورى شاسعة وتشمل عشرات القرى ومئات اللجان، وبحسب الأرقام الفلكية المعلنة يتجاوز عدد الناخبين ببعض الدوائر النصف مليون ناخب، بالرغم من هذا أصر القانون على تقييد عدد القضاة باللجنة العامة المشرفة على الانتخابات في الدائرة الواحدة بتسعة قضاة كحد أقصى. أما اللجان الفرعية والتي وصل عددها إلى 35 ألف لجنة فتركها القانون بين يدي موظفي الدولة. فأصبح رئيس اللجنة الفرعية وأمينها موظفين، وبذلك لم يعد النظام يكتفي بشحن الموظفين في أتوبيسات للإدلاء بأصواتهم بل وجد لهم استخداما أكثر فجاجة ليتم سيطرته على كافة المقاعد التمثيلية.

وفيما يتعلق بلجان الفرز فهي أضل سبيلا، إذ تتشكل لجنة الفرز من أحد أعضاء اللجنة العامة، أي أحد القضاة، واثنان من رؤساء اللجان الفرعية بذات الدائرة، أي الموظفين. وهنا تصبح نوايا النظام وحزبه في تزوير وتزييف إرادة الناخبين جلية، إذ لا يوجد مبرر آخر للاستعانة بموظفي الدولة في فرز الأصوات، بالرغم من وجود ما بين ثلاثة إلى تسعة قضاة، بالفعل، في اللجان العامة.

الإخوان المسلمون

جرت انتخابات الشورى دون أن يحظى مرشحوا الوطني بمنافسة جادة، باستثناء الـ 19 مرشح المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين. فحزب التجمع تقدم بمرشحين فقط، نجح أحدهما في الحصول على مقعد بالمجلس. أما حزبا الوفد والناصري فقد قاطعا الانتخابات. وبحسب المصادر الرسمية، جاء غالبية الـ 574 مرشح من بين صفوف المستقلين ومن المنتمين لأحزاب حديثة العهد وشكلية بدرجة كبيرة. بالرغم من ذلك خرج مرشحوا الجماعة الـ 19 من المنافسة دون الحصول على مقعد بمجلس الشورى أو الحصول حتى على فرصة الإعادة. فاقتصرت الإعادة التي شملت 34 مرشح على أعضاء الحزب الوطني والمستقلين.

مما لا شك فيه أن تخوف النظام من حصول جماعة الإخوان المسلمين على نصاب المقاعد القانوني الذي يمكنها من منافسة مرشح الحزب الوطني على منصب الرئاسة كان وراء التعديلات الدستورية الأخيرة ووراء سياسة الإرهاب الأمني المتبعة معها. فلا يزال النائب الثاني للمرشد خيرت الشاطر والعشرات من كوادر الإخوان يواجهون المحاكمات العسكرية. ومنذ البداية أعلنت جماعة الإخوان أن عدد مرشحيها لن يتجاوز الـ 20، حتى تبلغ رسالة واضحة بأن هدفها من خوض الانتخابات ليس تحقيق النصاب القانوني الذي يقربها من خوض الانتخابات الرئاسية.

لكن النظام وحزبه لم يعد ليسمح بتكرار تجربة انتخابات مجلس الشعب التي حصلت فيها الجماعة على 20% من مقاعد المجلس. هذا وقد توقع مراقبون سياسيون أن تتمكن الجماعة من تحقيق النسبة المطلوبة في المجالس المحلية بالمحافظات في انتخابات كان من المفترض أن تجرى في عام 2006، لكن النظام حصل قبيل موعد انتهاء المدة القانونية لعمل المجالس المحلية على موافقة البرلمان على تأجيل انتخابات تلك المجالس لمدة عامين. أيضا، لا يمكن تجاهل التعديلات التي أدخلت مؤخرا على مواد الدستور وحظرت استخدام الشعارات الدينية في العمل السياسي عموما وفي الدعاية الانتخابية خصوصا، وبالتالي وضعت حدا للتكهنات باحتمالية الموافقة الرسمية على قيام حزب شرعي للإخوان المسلمين.

في الواقع، تتخطى الأزمة ما بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين مسألة شعار «الإسلام هو الحل». هذا بالرغم من المحاولات الحثيثة لحاشية النظام تصدير مرجعية الإخوان الدينية باعتبارها السبب في حالة الاستنفار الأمني ضدهم. فلم تتقدم اللجنة العليا للانتخابات بطلب شطب 17 مرشح من أصل 19 إخواني إلى المحكمة الإدارية العليا بسبب الشعارات الدينية. فعدد لا بأس به أيضا من مرشحي الوطني سلكوا ذات النهج بحسب تغطية الصحف المعارضة والمستقلة لفترة الدعاية الانتخابية. فضلا عن استخدام نواب الوطني للأبنية الحكومية من مدارس وجوامع ومصالح حكومية للترويج لأنفسهم – وهو الأمر الذي يعتبر غير ذي أهمية مقارنة ببقية الانتهاكات التي تبدأ عند شراء الأصوات وتنتهي عند القتل العمد.

وفي عودة لموقف الإخوان من الانتخابات، توالت تصريحات المرشد مهدي عاكف التي تنفي رغبة الإخوان في المشاركة بالانتخابات الرئاسية والتي توضح أن مشاركتهم بانتخابات مجلس الشورى هدفها هو التأكيد على مبدأ المشاركة. وإن ذهب الدكتور عصام العريان إلى أبعد من ذلك بمقاله المنشور في الدستور –والمذكور أعلاه– قائلاً إنه «على القوى السياسية والمرشحين المستقلين والأحزاب أن تجري حوارا معمقمع اللجنة العليا لتحديد دورها وتطوير أدائها في فترة مقبلة». الحديث هنا عن اللجنة العليا للانتخابات التي طلبت شطب مرشحي الإخوان وفي الوقت الذي تم فيه اعتقال المئات منهم.

والسؤال هنا ألم يكن أجدر بالإخوان مقاطعة انتخابات، يعرفون أكثر من غيرهم، مدى التزوير والتزييف الذي سيلحق بها، خاصة بالنظر إلى نسبة المشاركة المتدنية التي حظيت بها، وفي ظل رفض النظام لإعطاء أي تصاريح لقيام مسيرات دعائية؟ وفي حالة الإصرار على الترشيح، ألم يكن من الأجدر إعلان ترشيح 25 عضوا بالجماعة بهدف استكمال النصاب القانوني، وبالتالي، استبدال شعار المساومة الذي قاموا برفعه بشعار المقاومة؟

اختار النظام القمع، واختار الإخوان المهادنة، واختارت الجماهير التجاهل. والنتيجة: مجلس شورى «وطني» يكمل الصورة الديمقراطية الهزلية ويمهد الطريق للوريث.