بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية أم التنظيم؟

التنظير هو طرح رؤية أو أفكار نظرية في مجال ما، سياسي أو اقتصادي أواجتماعي أو غيرهم. ويكون مبنيا علي دراسة علمية أو خبرة عملية. أما التنظيم فهو جماعة من الناس تجمعهم أفكار ومبادئ وأهداف مشتركة.. وبم أن الحديث هنا يدور حول التنظير والتنظيم السياسيين، فمن المناسب أن نذهب للبداية.

ما معني السياسة؟
السياسة هي علم السلطة المنظمة في المجتمعات الإنسانية، أياً كانت صورة هذه المجتمعات، سواء كانت في شكل الدولة أو القبيلة أو العشيرة أو حتى في الفصل التعليمي في المدرسة. وقانونيا، مصطلح “السياسة” يعني نظام الحكم أو الحكومة في مجتمع أو دولة معينة.. أو نظامها الدستوري لتحديد كيفية مساهمة المواطنين في إدارة شئون بلادهم. ولغويا، كلمة “السياسة” مشتقة من فعل “ساس” فهي تحمل معاني مشتركة بين الناس والدواب. ساس الناس أي تولى رئاستهم.

التنظيم السياسي هو مجموعة من الناس لهم اتجاه واحد ونظرة متماثلة ومبادئ مشتركة وهدف متفق عليه. يسعون بوعي لتحقيق الأهداف التي يؤمنون بها، وأن يسودوا بنظرتهم ومبادئهم، وهم قادرون فعلا على أن يعملوا وينشطوا نشاطا يوميا ودؤوبا في سبيل ذلك، يرتبطون ببعضهم بعضا وفقا لقواعد تنظيمية مقبولة من جانبهم، تحدد علاقاتهم وأسلوبهم ووسائلهم في العمل والنشاط. والتنظيم السياسي قد يتمحور حول شخصية كاريزمية، أو قد ينشأ لظروف سياسية وتاريخية وينتهي بانتهائها، أو قد ينشأ لتحقيق مبادئ أيديولوجية بعيدة المدى، أو قد يقوم من أجل ممارسة السلطة في أحسن الظروف الممكنة.

إذاً فالتنظيمات تمثل قاعدة التغيير المجتمعي والثوري والحضاري. والمنظمات تمثل مراكز صنع اتجاهات الرأي، واتخاذ القرارات وتمثل الوعاء الرئيسي للفعاليات الاجتماعية الأساسية كالتحرر، تكوين المفاهيم والعادات، ممارسة السلطة.

أهمية التنظيم السياسي
تتركز أهمية التنظيمات السياسية على عدد من العوامل. فهي وسيلة لنشر الأفكار السياسية والاجتماعية  المختلفة، وتكوين أفراد قادرين على العمل الجماعي في ما بينهم، من أجل حمل هذه الأفكار وتجسيدها وعيا وممارسة . كما أن التنظيمات السياسية أداة لتحريك الجماهير من الفعل العفوي إلى العمل المنظم. غير أنها تشكل وسيلة لاكتشاف قوانين التغيير في المجتمع، ووسيلة لهدم النظم القديمة وبناء نظم أخرى.

مما سبق يتضح أن عمل التنظيم السياسي مبنيا على علاقة تداخلية بين النظرية والممارسة، إذا فالنظرية هي العقل والتنظيم هو الجسد، ويبقى كل منهما مجرد كتلة غير فاعلة اذا انفصل عن الآخر.

التنظير يجب أن يكون لهدف واضح، لصالح الأغلبية السائدة في المجتمع، فأي تنظير بلا هدف سيترجم  إلى فعل يرهق الجسد دون مبرر، ويتحول لإرهاق فكري وجسدي. لذلك يجب أن يحدد منهج تطبيقي عند التنظير. يقصد به أن يكون ما نُنظّر به قابلاً للتطبيق والتنفيذ، فلا جدوى من طرح أفكار لا تغادر الأوراق التي خُطت عليها إلي أرض الواقع فتغيره وتنهض به.. حال كهذه تشبه فيه النظرية وما إحتوته من أفكار، جسداً مصروعاً بالعقل أو بأرفف المكتبات. ويبقى التطبيق وتحويل هذه الأفكار لواقع بمثابة روح النظرية، وقلبها النابض بالحياة.

يتطلب الظرف الحالي لأزمة الثورة المصرية طرح هذه الأفكار للنقاش، فربما يساهم هذا في تفسير الأزمة. حتي لحظتنا هذه، كانت الموجات المتتابعة للثورة المصرية عفوية إلى حد كبير، خلت من التنظيمات الفاعلة التي تقودها، وتدافع عن أهدافها وتعمل علي تحقيقها. نشأت تنظيمات وائتلافات صغيرة، استطاع بعضها البقاء حتي اللحظة، ولم يستطع البعض الآخر نظرا لتناقضه الداخلي أو لذاتيته أو لأنه تكون لهدف وقتي. وفي المقابل كانت الثورة المضادة منظمة وتحت حماية تنظيم كبير، بوعي واضح، كما هو الحال مع الجيش. أو بدون وعي في حالة تنظيم الإخوان المسلمين.. مع وجود أفراد غير منظمين كرجال الأعمال وفلول نظام مبارك والحزب الوطني تجمعهم مصالح مشتركة تتعارض مع أهداف الثورة، فتحالفوا مع التنظيمين الكبيرين للثورة المضادة، مؤقتا أو بشكل دائم حسب رؤية كل فرد منهم وطبيعة مصالحه.

وكنتيجة طبيعية لهذا، شهد الوعي الثوري والبعد النظري تطورا كبيرا، دون أن يصاحبه نمو تنظيمي مناسب. تطور العقل بشكل ملحوظ وأصبح أكثر ذكاءا وفعالية، وبقي الجسد نحيلا وغير مترابط،  فلم يستطع المقاومة عندما ضربته قوي الثورة المضادة المنظمة أثناء تحالفهم وقت  سيطرة الإخوان على السلطة، ثم تلقى ضربات جديدة بعد انتهاء تحالفهم المؤقت وعودة الجيش لتصدر الساحة السياسية بعد اطاحته بحليفه، الذي استعمله كواجهه مؤقتة له، ولبناء شرعية زائفة لحكمه المستمرمنذ تكوين الدولة المصرية الحديثة في عصر محمد علي باشا.

نحن الآن نقف أمام نقطة فاصلة في الصراع الثوري، يتوقف نجاحها على مدى اتساع التنظيم الثوري وتناسقه، كلما تطور الجسد التنظيمي وتكامل كلما اقتربت الموجة الثورية القادمة وعظم تأثيرها. قد تكون هذه الموجة هي الفاصلة، وقد تكون مكملة وغير نهائية. لكن مجرد حدوثها هو أمر حتمي، يضمنه الوعي الثوري المتراكم من الموجات السابقة.. الذي عاصر وتعلم من درس الانقلاب على الثورة في 11 فبراير و3 يوليو، وكذلك  بفعل استمرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي صاحبت وعجّلت من قيام ثورة 25 يناير وموجة 30 يونيو. وحتى هذا الوقت، لابد أن يتوازى نمو الجسد والعقل، النظرية والتنظيم، بنفس الكم والكيف.