بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

القمع.. وتوازنات النظام

بدا مؤخراً أن النظام المصري يتجه نحو المزيد من القمع كما اتضح من خلال التعامل مع مسألة القضاة. تحلل نور منصور الملابسات المتعلقة بهذا التوجه مشيرة إلى أن النجاح في نزع فتيل الأزمة الحالية هو نجاح مؤقت بالنظر إلى عمق المشكلات التي يواجهها النظام.

أثارت موجة القمع التي مارستها الحكومة المصرية خلال الشهور القليلة الماضية وتحديداً منذ تصاعد أزمة القضاة، في نهاية إبريل الماضي، تساؤلات عدة حول ما إذا كانت سياسة الدولة المصرية قد شهدت تغييراً مهماً، على صعيد التراجع عما يسمى بالهامش الديمقراطي، وحول أسباب هذا التراجع في حالة حدوثه، وعلاقته بالمتغيرات على الصعيدين المحلي والإقليمي. تحاول السطور القادمة الإجابة على تلك التساؤلات عبر استعراض توجهات النظام المصري إزاء حركة التغيير الديمقراطي منذ نشأة هذا الحركة في نهاية عام 2004.

الأزمة الداخلية والخارجية

صاحب انبثاق حركة التغيير الديمقراطي، والتي دُشنت بشكل رمزي مع أول مظاهرة قامت بها حركة كفاية ضد التمديد والتوريث في عام 2004، ظروفاً دولية غير مواتية بالنسبة لمصالح النظام المصري. ففي تلك الأثناء، كان الجناح المسيطر من الطبقة الحاكمة الأمريكية، والمتمثل في المحافظين الجدد، يتبني أطروحة أن دعم الديمقراطية في المنطقة العربية، وتقويض النظم الاستبدادية يخدم المصالح الأمريكية، لأن استبداد وفساد هذه النظم له علاقة وثيقة بما يسمى بالإرهاب. ومن ثم فإن التغيير الديمقراطي يعد أمراً حاسماً من أجل تجنب تكرار 11 سبتمبر آخر.

وفيما يتعلق بمصر، فإنها تقع في القلب من هذه الرؤية، بسبب دورها المؤثر في المنطقة العربية، وعلاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، كانت الدعوة من قبل الرئيس الأمريكي ووزيرة الخارجية، لأن تكون مصر هي الدولة الرائدة في العملية الديمقراطية، كما كانت الدولة الرائدة في عملية السلام. ومن هذا المنطلق، بدا أن الإدراة الأمريكية بدأت تدرس إمكانية وجود نظام بديل للنظام الراهن، الذي أصبح مشلولاً بفعل الفساد والاستبداد. ومن هنا جاء النظر إلى أيمن نور باعتباره ربما أفضل البدائل، بسبب كونه معارضاً لبيرالياً شاباً، يتخذ موقفاً جذرياً من استبداد الدولة، وفي نفس الوقت، يتبني رؤية اقتصادية تتوافق مع المنظومة الليبرالية الجديدة السائدة.

من ناحية أخرى، كان طبيعياً أن ينعكس عجز النظام وتحلله، على العلاقة بين أجنحة الطبقة الحاكمة. فالركود الاقتصادي، والفساد واسع النطاق، والفشل في اتخاذ خطوات أساسية على صعيد دفع التوجه الليبرالي الجديد، واعتلال صحة مبارك، كلها أسباب جعلت قطاعات من الرأسمالية المصرية تقفد الثقة في هذا النظام، وتتمنى زواله، لصالح نظام أكثر حيوية وقدرة على خلق مناخ سياسي واقتصادي أكثر فعالية. وهنا أيضاً كان أيمن نور هو أحد البدائل الأساسية.

في هذا السياق، جاء تعديل الدستور للسماح بإجراء انتخابات بين أكثر من مرشح، والذي رغم كونه تعديلاً بلا أي مضمون ديمقراطي حقيقي، إلا أنه استهدف الإيحاء للخارج، ولواشنطن تحديداً، بأن النظام لديه نية الإصلاح. وهنا أيضاً كان التسامح النسبي مع مظاهرات الشارع. فعقب الاعتداء على الناشطات في 25 مايو 2005، كان رد الفعل الأمريكي قوياً وحاسماً في إدانة الحادث والدعوة إلى محاسبة المسئولين عنه، وهو ما عبر عنه جورج بوش بشكل مباشر في اتصال هاتفي مع مبارك عقب الاعتداءات. ومن ثم فقد أصبحنا نشاهد للمرة الأولى مظاهرات تسير في الشوارع دون وجود أمني. ويوم إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، سُمح لآلاف الأشخاص بالتجول في وسط المدينة يهتفون ضد مبارك.

متغيرات محلية وإقليمية

كشفت الانتخابات الرئاسية وما بعدها من متغيرات على الصعيدين المحلي والإقليمي، عن مستجدات كانت محفزاً للنظام على تغيير نهج التسامح النسبي مع المعارضة. فمن ناحية، سرعان ما حسمت الطبقة الحاكمة خياراتها واصطفت وراء مبارك في الانتخابات الرئاسية. ذلك أن تغيير النظام لم يكن ليتم بسهولة، لكن عبر صراعات غير مضمونة العواقب، ولا يُعرف مداها، خاصة وأن الجناح القابض على دفة الحكم لا يزال قوياً، ولا يوجد التهديد الشعبي، الذي يجعل من الممكن إسقاطه دون تكلفة كبيرة، على غرار ما حدث في أوكرانيا وجورجيا، وذلك بالنظر إلى حجم وتأثير حركة التغيير ومستوى الصراع الطبقي.

من ناحية أخرى، كانت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نوفمبر وديسمبر مفاجأة غير سارة للعديد من الأطراف، منها الإدارة الأمريكية بالطبع. فنجاح الإخوان المسلمين للمرة الأولى في التاريخ –ورغم كل ما استُخدم من قمع في الجولتين الانتخابيتين الثانية والثالثة— في الحصول على 88 مقعداً، وتشكيل أكبر كتلة معارضة داخل مجلس الشعب، طرح تساؤلات حول تبعات الديمقراطية في المنطقة العربية، وما يمكن أن تؤدي إليه من صعود للإسلاميين، وهو ما لا ترضى عنه بأي حال الولايات المتحدة.

على صعيد آخر، لم تكن المتغيرات الإقليمية بأقل دراماتيكية. فقد فازت حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي أجريت في يناير من العام الحالي، فوزاً ساحقاً سمح لها بتشكيل الحكومة وحدها. ثم تصاعدت الأزمة النووية الإيرانية في ظل قرار طهران بتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، والذي أثار موجة عارمة من قلق ما يسمى بالمجتمع الدولي، وبشكل خاص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إضافة إلى كل ذلك، تبددت كافة الأوهام حول إمكانيات تحقيق ديمقراطية في العراق، رغم كافة الأكاذيب التي لا يمل المسئولون الأمريكيون وعلى رأسهم جورج بوش، من تكرارها حول التحول الديمقراطي في العراق. فقد ظهر بوضوح أن الهيمنة أصبحت للنزعات الطائفية والمذهبية في هذا البلد. ومن ثم فقد أثبتت المتغيرات على أرض الواقع، أن التحول الديمقراطي، والقضاء على النظم الاستبدادية الفاسدة، لن يؤدي إلى مناخ أكثر توافقاً مع المصالح الأمريكية، بل إنه من المرجح أن يسفر عن نتائج في عكس هذا الاتجاه.

في ظل هذه الأوضاع، بدأنا نلاحظ تغيراً في لهجة المحافظين الجدد، بداية من ربيع العام الحالي. ففي شهر مارس، كتب روبرت كابلان، أحد المتحدثين المهمين باسم هذا الاتجاه، في صحيفة واشنطن بوست، أن الديمقراطية لا يمكن أن تفرض على دول المنطقة العربية، وإنه إذا كنا بصدد مفاضلة بين الديمقراطية والاستقرار، فإن الأولوية تكون للاستقرار، وأن الدولة الاستبدادية ليست بالضرورة دولة لا أخلاقية، طالما كانت تستطيع تحقيق الأمن لمواطنيها. وفي نفس الشهر صدرت تصريحات عن كوندوليزا رايس، تعبر خلالها عن ارتياحها للطريقة التي يُدار بها الإصلاح السياسي مصر، مؤكدة أن الديمقراطية في الشرق الأوسط، قد تحتاج إلى جيل كي تصبح أمراً واقعاً.

وفي نفس الاتجاه، كانت زيارة جمال مبارك السرية إلى واشنطن في مايو الماضي، والتي يشير المراقبون إلى أنها استهدفت نقل وجهة نظر النظام المصري في هذا الخصوص، والتحذير من مغبة توسيع هامش الحريات، في منطقة يتمتع فيها الإسلاميون بالقسط الأوسع من النفوذ الجماهيري.

خطوات إلى الوراء

برز التوجه القمعي للنظام منذ نهاية العام الماضي، حينما قام بإرجاء الانتخابات المحلية إلى عام 2008 خشية تمكن الإخوان المسلمين من الحصول على أصوات تمكنهم من المنافسة على مقعد رئيس الجمهورية في انتخابات 2011. غير أن ذلك لم يكن الإجراء الوحيد، حيث جاءت الاعتقالات المتتالية على أعداد من الإخوان، وأغلقت جريدة آفاق عربية المتحدثة بإسمهم، وتم حفظ التحقيق في قضية الاعتداء على الناشطات، وحصل أيمن نور على حبس خمس سنوات أكدته بعد ذلك محكمة النقض، وجرى الحكم بحبس عدد من الصحفيين منهم عبد الناصر الزهيري وأميرة ملش وابراهيم عيسى مؤخراً. غير أن المفاجأه الكبرى كانت الطريقة التي تم بها التعامل مع القضاة المطالبين بالإصلاح الديمقراطي واستقلال القضاة. فبقدر اتساع الحركة المؤيدة للقضاة، كان العنف من جانب الدولة حاسماً. وفي حقيقة الأمر، يصعب فهم التوجه القمعي الحاسم للدولة في التعامل مع أزمة القضاة، دون الأخذ في الاعتبار أن النظام كان لديه نوع من الاطمئنان إلى أنه نجح هذه المرة أيضاً في نزع فتيل الأزمة الداخلية والخارجية. لذلك رأينا للمرة الأولى قاضيا يُضرب ويُسحل في الشارع، وقضاة يُمنعون من دخول المحكمة، وناشطين يُعتقلون ويُضرب ويُعذب البعض منهم، ومئات من شباب الإخوان المسلمين، إضافة إلى بعض القيادات، يُعتقلون على هامش أزمة القضاة. وكان لافتاً ضعف رد الفعل الأمريكي مقارنة بنظيره في 25 مايو 2005، فهذه المرة، اقتصرت الانتقادات على المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، الذي جاءت انتقاداته على استحياء.

ورغم سعي الدولة إلى نزع فتيل الأزمة، عبر تبرئة أحد القاضيين، والحكم المخفف على الآخر، فقد جاء قانون السلطة القضائية ليشير إلى إصرار النظام على الوقوف في وجه استقلال القضاء. وفي نفس الاتجاه كانت تعديلات قانون الإجراءات الجنائية بشأن جرائم النشر –رغم القرار الرئاسي الذي فسره البعض بأنه جاء بفعل تأثير احتجاب الصحف المعارضة والمستقلة— والذي غلظ الغرامة، وأبقى على عقوبة الحبس، في حالة إهانة رئيس الجمهورية ورؤساء الدول.

ولكن هل يعني ما سبق أن النظام نجح بالفعل في تخطي أزمته؟ إن الإجابة هي النفي. ذلك أن الأزمة الداخلية، والمتمثلة في الفقر والبطالة والإسراع في خطوات التحرر الاقتصادي عن طريق الجور على ما تبقى من مكتسبات الفقراء، واستشراء الفساد، وقمع أجهزة الأمن، وغيرها من مظاهر التحلل، هي تتجه إلى الأسوأ ولا يوجد مؤشر واحد يعبر عن انفراج على أي صعيد. وقبيل كتابة هذه السطور مباشرة، بدأ التوجه واضحاً نحو خصخصة قطاع النقل، وتم رفع سعر تذكرة المترو ثم سعر البنزين والسولار. ورغم حركة النقابات المهنية المطالبة برفع أجور أعضائها، فإن الدولة تبدي إصراراً على تجاهل هذه المطالب.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن الأزمة الأخيرة الناجمة عن العدوان الصهيوني على الشعبين اللبناني والفلسطيني، فأياً كانت نتائجها، فقد أظهرت للمرة بشكل لا يقبل الجدل، عمق الانقسام بين النظام المصري والشعب –وهو ما ينطبق في الواقع على العلاقة بين كافة النظم العربية وشعوبها. لذلك فإنه يصعب تصور أن النجاح المؤقت للنظام في احتواء الضغوط الداخلية والخارجية سوف يصمد طويلاً، لأن الأزمة أعمق من أن يتم تجاوزها، كما توضح لنا تجارب العديد من النظام الفاسدة والاستبدادية.