بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

القرصاية: صراع بين الغزاة والسكان الأصليين

يا حليل وادينا كان الوقت طايب
في الوطن القديم كان لينا نايب
نعاين للنخل فوقه الرطايب
القنديل وبت تمود وعجوة وشلايب*

هكذا أخذ يترنم النوبي العجوز أحد قاطني قرى التهجير جنوب شرق مصر، متباكياً على وطنه وأرضه التي كانت، قبل أن يتم ترحيلهم من أجل بناء السد العالي في ستينيات القرن العشرين. ربما تكون قضية تهجير أهل النوبة هي أشهر قضايا التهجير التي لم يقلل “نبل المقصد” من وراءها ألمها وقسوتها.

حتى السنوات الأولى من القرن العشرين، كان يقوم أهل جزيرة القرصاية، الواقعة بقلب نهر النيل بمحافظة الجيزة، بزراعة أرض الجزيرة بشكل موسمي بعد انتهاء موسم الفيضان وحتى يحين موعد الحصاد، وبعد جني المحصول يرحلون بشكل مؤقت إلى أرض مرتفعة نسبياً إلى أن ينتهي الفيضان الذي كان يغرق معظم الأراضي الزراعية. لكن، منذ أن بني خزان أسوان عام 1902، استقر أهل القرصاية بشكل دائم على بعض الأجزاء التي أصبحت أعلى من مستوى النهر طوال العام. وبعد بناء السد العالي عام 1964، أصبحت أراضي جزيرة القرصاية بأكملها أعلى من مستوى النهر، وأستوطنها فلاحوها بشكل كامل ودائم.

أهالي وحكومة

مع بداية الألفية الثانية، وبعد مرور حوالي قرن على استقرار أهالي القرصاية على أرضهم، سال لعاب رجال الأعمال على الموقع المتميز الذي تحتله جزيرتهم، وبحماية الدولة ومباركتها بدأت الغزوات. في أبريل من عام 2001، أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 542 لسنة 2011 والذي نص في مادته الأولى على أن “يعتبر من أعمال المنفعة العامة أراضي جزيرتي الذهب والوراق”. وكانت الحجة هي الحفاظ على الواجهة الحضارية للجزيرتين ومنع انتشار العشوائيات بهما، وما يسري على الجزيرتين ينطبق أيضاً على القرصاية. وكأن حياة الآلاف من قاطني تلك الجزر ليست منفعة عامة، بل وكأن طرد السكان من منازلهم وتشريدهم لصالح رجال الأعمال والمستثمرين ومشروعاتهم الاستثمارية هي المنفعة العامة – الوحيدة – التي تعرفها الحكومة المصرية.

قابل أهالي الجزر هذا القرار بغضب عارم، ونظموا مظاهرة ضخمة قطعوا فيها طريق الأوتوستراد. كما أعلن المحتجون عن اعتصامهم لإجبار الحكومة على التراجع في القرار. تراجعت الحكومة بالفعل، وأصدر الرئيس المخلوع القرار رقم 484 لعام 2001 الذي نص على تمليك أراض الجزيرة لأهلها، وهو الأمر الذي لم يحدث أبداً، حيث أنكر موظفو الشهر العقاري علمهم بمثل هذا القرار حين أراد أهالي الجزيرة تسجيل عقود تمليك للأرض.

تقبع الجزيرة لعدة أعوام في هدوء الحذر، قبل أن تعود الرأسمالية المتوحشة لتنقض من جديد، يصدر مجلس الوزراء قراراً جديداً بإخلاء الجزيرة من سكانها بدعوى تحويل أرضها إلى محميات طبيعية نظراً لطبيعتها البيئية الخاصة. وفي صباح أحد أيام شهر أكتوبر عام 2007، فوجئ أهالي القرصاية باقتحام شرطة المسطحات المائية لمنازلهم، وتضييقهم على حركة اللنشات التي يمتلكها بعض الأهالي والتي يستخدمونها في التنقل بين الجزر، كل ذلك بهدف الضغط عليهم ومن ثم إجبارهم على ترك الجزيرة. يستمر احتجاج الأهالي لأيام متواصلة ولا تجد الحكومة وسيلة لقمع هذا الاحتجاج سوى اللجوء إلى الجيش، فترسل الحكومة بعض وحدات الجيش لتأمين الأراضي التي تم طرد الأهالي منها والاستيلاء عليها.

يلجأ أهالي الجزيرة للقضاء الذي يحكم بأحقية سكان الجزيرة في البقاء بمساكنهم، إلا أن مجلس الوزراء ووزارة الزراعة ومحافظة الجيزة، طعنوا على الحكم وطالبوا بإلغاءه. لتظل القضية متداولة في القضاء حتى عام 2010، حين أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكماً نهائياً ملزماً لمجلس الوزراء ووزارة الزراعة بعدم إخلاء جزيرة القرصاية من سكانها.

أهالي وجيش

فور توليه منصبه، صرح محافظ الجيزة الجديد علي عبد الرحمن، بأن المحافظة بصدد إعادة إحياء المشروعات الاستثمارية الكبرى التي تعطلت نتيجة للمعوقات والروتين الذي حال دون تنفيذها على مدار السنوات الماضية. كما أعلن عن ما يسمى بـ “المخطط الاستراتيجي لمحافظة الجيزة حتى عام 2030″، وهو مخطط عمراني اقتصادي جاذب للاستثمارات من خلال مجموعة من المشاريع يقوم أغلبها على بيع مساحات كبيرة من أراضي المحافظة. وفي الجزء الخاص بجزيرة القرصاية في هذا المخطط نجد أن هناك نية لطرح أراض من الجزيرة على المطورين العقاريين بهدف إقامة مشروعات ترفيهية وخدمية وثقافية، إلى جانب إقامة عدد من المراسي النيلية وبناء مراكز تجارية على المساحات الممتدة على ضفاف النيل.

العدو الخفي هو رجال الأعمال والمستثمرين، قبل ثورة يناير تخفوا وتسللوا من وراء حكومات رجال الأعمال. أما وقد اندلعت الثورة وتغيرت الخريطة السياسية، وتغير ميزان القوى، فقد كشفت ثورة يناير عن القوة الحقيقية لأباطرة الجيش المصري، ومدى توغلهم وسيطرتهم على اقتصاد واستثمارات مصر. دخل الجيش بشكل صريح وواضح في صراع أهالي القرصاية مع الغزاة.

هكذا، بعد مرور ما يقرب من أربعة أعوام على صدور حكم يمكّن الأهالي من أراضيهم، فوجئ الأهالي في فجر يوم 18 نوفمبر 2012، بهجوم القوات المسلحة على الجزيرة حيث قام أفرادها بهدم المنازل وطردوا السكان من الأرض الزراعية،  بحجة أن أرض الجزيرة تعود ملكيتها للقوات المسلحة، وأنها تستخدم في تأمين مدينة القاهرة. قاوم الأهالي هذا الاعتداء، ونشبت اشتباكات بينهم وبين أفراد الجيش الذين أطلقوا وابل من الأعيرة النارية والطلقات الحية والخرطوش، مما أسفر عن وفاة أحد الأهالي (الشهيد محمد عبد الموجود)، وإصابة العديد منهم بإصابات مختلفة. كما ألقي القبض على 26 مواطن من سكان الجزيرة وأحيلوا للقضاء العسكري.

ما أشبه المخطط الاستراتيجي لمحافظة الجيزة 2030 بمخطط القاهرة 2050 الذي تغنت به لجنة سياسات الحزب الوطني المنحل. وربما كان هذا التشابه هو دليلنا على استمرارية نظام مبارك المنحاز لطبقة رجال الأعمال على حساب جموع المصريين، وإن اختلفت الوجوه والأسماء. نظام وبحجة المنفعة العامة – ربما يجدر بنا القول منفعة رجال الأعمال – يشرد سكان ويجرف أراض زراعية. نظام لم يعد  كافياً أن نتخلص من رجاله ورموزه، ثم الانغماس في محاولات إصلاحية لن تجدي نفعاً مع أسس الاستغلال والظلم التي يقوم عليها. لن تسترد الحقوق، ولن تتحقق العدالة الاجتماعية، ولن يأمن ساكن أصلي في بيته من هجمة الغزاة إلا في مجتمع جديد، مجتمع خال من الاستغلال، مجتمع قائم على العدل، مجتمع خال من رجال الأعمال الجشعين والحكومات الخائنة.

* القنديل وبت تمود وعجوة وشلايب: أنواع  مختلفة من البلح.