بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

مناهضة الليبرالية الجديدة في عشر سنوات..

الراديكالية الجديدة والحزب الثوري

نحتفل هذه الأيام بالذكرى العاشرة لـ»معركة سياتل» (نوفمبر/ديسمبر 1999). في هذا التاريخ احتشد خمسون ألفا من المعارضين لسياسات «منظمة التجارة العالمية» في مظاهرة، وُصفت بأنها «تاريخية»، ضد الاجتماع الوزاري للمنظمة نجحت في لفت انتباه العالم إلى حركة جديدة تناضل من أجل عالم آخر خال من مؤسسات النهب والقهر النيوليبرالية.

احتلت «سياتل 99» مكانة رمزية في التاريخ. إذ اعتبرها الكثيرون نقطة البداية لحركة جديدة تقطع مع سنوات الهزيمة والانكماش الطويلة. وبالرغم من أن سياتل لم تكن البداية الوحيدة – إذ شهد العالم في الأعوام التي سبقتها نضالات مهمة كانتفاضة الزاباتيستا (يناير 94) وإضراب القطاع العام بفرنسا (ديسمبر 95) – إلا أن «بداية سياتل» أطلقت فعلا تيارا من التفاؤل لم تنجح في إطلاقه أي من النضالات، المهمة في حد ذاتها، التي سبقتها.

سياتل لم تكن فقط روحا جديدة، بل كانت كذلك فعلا جديدا. فبعدها، وبشكل متصاعد، اندلعت سلسلة من المظاهرات في مدن أوروبا المختلفة: لندن، جنوة، باريس، واشنطن، جوتنبرج، روما وغيرها كثير. ثم تلا ذلك صعود غير مسبوق على مدى عقود لحركة مناهضة الحرب التي نجحت في تنظيم مظاهرات مليونية في عدد من أهم عواصم العالم كلندن وروما.

أزمة سياتل؟

لكن، قد يكون من المؤشرات المهمة على أوضاع عالمنا اليوم أن القليلين فقط هم من تذكروا سياتل في ذكراها العاشرة. ففي اللحظة الراهنة، يسود اليسار الراديكالي، كما يصف الاشتراكي الثوري البريطاني كريس هارمان، «نزعة بؤس ورثاء للذات» ترى أن حصاد المعارك التي أطلقتها سياتل هو «حصاد الهشيم».

سبب رئيسي لهذا الشعور التشاؤمي المتفاقم هو مصير حركة مناهضة العولمة التي عوّل عليها الكثيرون. إذ واجهت الحركة أزمات متعددة أفضت إلى تدهورها النوعي، بل وانتهاءها عمليا مع تراجع حركة المنتديات الاجتماعية. كذلك هناك آخرون، كالمناضل الراديكالي المعروف طارق علي، يرون أن أحداث العام الأخير، بعد اندلاع أكبر أزمة اقتصادية شهدتها الرأسمالية منذ عقود، كشفت عن تدهور وضع اليسار «الذي لم يستفد من الأزمة، بل استفاد منها اليمين الذي حصد أصواتا انتخابية إضافية في عدد من البلدان الأوروبية».

نحن هنا لسنا معنيين بالتحليل التفصيلي لأداء اليسار الراديكالي الأوروبي الانتخابي في السنة الأخيرة. لسنا كذلك معنيا بمناقشة تفاصيل صعود وهبوط حركة مناهضة العولمة والحرب. ما يهم هنا هو طرح حاضر ومستقبل اليسار الراديكالي على بساط البحث. وفي هذا الصدد، فإنه يجب النظر للموضوع من زاوية أممية. وكذلك إلى الاهتمام بمغزى ما يحدث منظورا إليه من زاوية مصرية.

الصعود

يمكننا تعريف اليسار الراديكالي على أنه «تكثيف سياسي» لحركة طبقية-اجتماعية واقعية. أحاول بهذا التعريف لفت انتباهنا إلى أن اليسار الراديكالي، والثوري بالتحديد، ليس مجرد فكرة أيديولوجية. بل الأهم أنه إمكانية سياسية واقعية تطرحها الصراعات الدائرة في عالمنا هنا والآن؛ إمكانية تقول أن الإصلاحات الصغيرة هنا وهناك غير كافية في حد ذاتها لحل معضلات عالمنا.

على هذا الأساس يمكننا استنتاج أن اليسار الثوري تتوفر له فرصة التحول إلى تيار جماهيري فقط حينما تتصاعد النضالات الجماهيرية من أسفل معلنة عن رفض الطبقات الخاضعة لاستمرار الأوضاع على ما هي عليه. وهذا بالضبط ما جعل من موجة سياتل أرضية مناسبة لصعود اليسار الثوري عالميا. سياتل وما تلاها، وفي مقابلها عندنا حركة التضامن مع الانتفاضة وحركة مناهضة غزو العراق، كانوا، بالرغم من كل النقد، حركات جماهيرية رافضة، بشكل ما وبدرجة ما، للعولمة النيوليبرالية وطالبة للعدل والحرية. وهم بهذا المعنى مثلوا أرضا خصبة لاتساع تأثير القوى السياسية المناضلة من أجل العدل والحرية.

وبالفعل، فإن سنوات الألفية الثالثة شهدت محاولات مهمة لبناء ما أُطلق عليه أحزاب اليسار العريض، وهي تكوينات سياسية راديكالية رافضة لليبرالية الجديدة، وإن كانت غير واضحة في استراتيجيتها السياسية طويلة المدى (من ناحية تبنيها لخيار الثورة في مقابل خيار الإصلاح، ومن ناحية مضمون ما تواجهه: هل هي الليبرالية الجديدة فقط أم الرأسمالية في حد ذاتها).

في تلك السنوات شهدنا صعود حزب إعادة التأسيس الشيوعي في إيطاليا، وميلاد الحزب الاشتراكي في اسكتلندا وحزب ريسبكت في إنجلترا وتحالف اليسار في البرتغال. كذلك شهدنا مؤخرا ميلاد حزبين إضافيين على نفس الشاكلة: حزب اليسار (دي لينك) في ألمانيا الذي حصد أكثر من سبعين مقعدا في البرلمان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؛ وحزب مناهضة الرأسمالية الجديد في فرنسا. بل وكذلك شهدنا أكثر من محاولة لبناء تجمعات يسار عريضة في مصر (كحركة 20 مارس، والتحالف الاشتراكي، وتحالف اليسار).

المأزق

التشاؤم جاء بعد تراجع حركة مناضة العولمة والحرب. وكان سببه المباشر هو انهيار ثلاثة من أهم أحزاب اليسار العريض في أوروبا: الإيطالي والاسكتلندي والإنجليزي. وفي حين أن انهيار التجربة الإيطالية أخذ شكل خيانة حزب إعادة التأسيس لوعود مناهضة العولمة والحرب التي أسس سمعته الراديكالية عليها (عندما وافق على المشاركة في حكومة يسار الوسط برئاسة رومانو برودي)، فإن انهيار تجربتي اسكتلندا وإنجلترا أخذ شكل انفجار الحزبين نتيجة لصراعات داخلية غير واضحة المعالم بين الأطراف المكونة لها.

صحيح أن تلك الانهيارات حدثت في مقابلها نجاحات تمثلت في تأسيس حزبي فرنسا وألمانيا، وهو ما يؤكد أن الصورة غير متساوية، إلا أن السؤال يظل مطروحا بقوة: لماذا تظل النجاحات التي حققها اليسار الراديكالي الأوروبي على خلفية الموجة الأخيرة من الصعود في الصراع الطبقي محدودة؟ وهل الإخفاق الأوروبي جزء من إخفاق عالمي؟ أم أن الصورة في العالم خارج أوروبا أفضل؟

في تقديري أن أساس الإجابة الصحيحة على أسئلة كتلك هو فهم العلاقة المعقدة بين الحركة الجماهيرية من ناحية وتعبيراتها السياسية المختلفة من ناحية أخرى. الحركات الجماهيرية الراديكالية لا تفرز وعيا سياسيا ولا أحزابا بشكل أوتوماتيكي. لذلك، فبدلا عن التشاؤم، المطلوب هو بحث الآليات المعقدة لتحول الوعي النضالي الجماهيري إلى شكل سياسي راديكالي. وهنا يمكن أن نقدم أسئلة وملاحظات أولية للمناقشة:

أولا أن الموجة الراهنة من تصاعد الصراع الطبقي تختلف عن سابقاتها في عدد من العناصر أولها أن أتت بعد أكثر من عشرين عاما من الليبرالية الجديدة، أي من تفتيت وتحطيم أشكال «التضامن الطبقي» كما يطرح الفيلسوف الماركسي الفرنسي دانيال بن سعيد. لقد انطلق النضال الراهن بعد عقود من تحطيم مؤسسات الطبقة العاملة (إصلاحية وجذرية) ومن تحطيم شروط العمل المستقرة ومن تحطيم الثقة العمالية في جوهرية دور الطبقة العاملة. كذلك، فإن النضال الدائر الآن، كما يلاحظ بن سعيد عن حق، لم يقلب موازين القوى أو يوقف الهجوم النيوليبرالي حتى الآن. ومعنى هذا واضح: أن المعركة لبناء «سياسة عمالية هجومية» صعبة وطويلة، وأنها ستأخذ أشكالا معقدة تحتاج إلى الصبر والنفس الطويل.

ثانيا أن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة كان لها مفاعيل مختلفة في البلدان المختلفة. ففي العديد من البلدان، منها بريطانيا والولايات المتحدة، ساهمت حزم الإنقاذ الحكومي الهائلة في امتصاص أثر الأزمة وتخفيفه بما منع تكرار سيناريو الثلاثينيات، حتى الآن. وكذلك نذكر أن أثر الأزمة في الثلاثينيات لم يكن متساويا بين البلدان ولم يتبلور ميكانيكيا أو بشكل سريع بعد الأزمة. وذلك لأن الأزمة كما أنها تؤجج غضب الجماهير، فهي أيضا تغذي خوفهم من المستقبل. وكل هذا معناه أن الاعتقاد أن الثوريين سيحصدون نجاحا سريعا بسبب الأزمة هو تصور ميكانيكي وطفولي.

ثالثا أن الراديكالية الجديدة تأخذ مناحي متعددة ليس أهمها اليوم للأسف السياسة الاشتراكية الثورية. في أواخر الستينيات كانت مظاهرات مناهضة الحرب (حرب فيتنام) أصغر كثيرا. لكن كان استعداد المشاركين فيها للانخراط في أحزاب اليسار الثوري أكبر كثيرا. اليوم المفارقة أن المظاهرات مليونية، لكن الاستعداد للانخراط في أحزاب اليسار الثوري أقل كثيرا. وذلك لأسباب كثيرة من أهمها سيطرة أيديولوجيات كارهة وناقدة لمشروع الحزب الثوري على الحركة.

الطريق

هذه العوامل، وغيرها مما لم نذكره لضيق المساحة، تعني شيئا واحدا: أن الطريق صعب ولكنه ليس مستحيل. ربما يذكرنا هذا بعض الشيء بأطروحة جرامشي عن الفرق بين حرب المواقع وحرب المناورة. الحربان مهمتان ومطلوبتان. لكن الأولى أصعب وتحتاج إلى زمن أطول. فهي أشبه بحرب استنزاف تكسب فيها مواقع من خلال عملية طويلة ومعقدة.

في هذا السياق أجد لزاما علي أن أقول أنه بالنسبة لنا في مصر، كما بالنسبة لليسار الثوري في العالم كله، نحتاج إلى استراتيجية تحترم العلاقة بين بناء أحزب ثورية، أي تجسيدات سياسية ثورية للراديكالية المعاصرة، وتقوية وتجذير المؤسسات الراديكالية (غير الاشتراكية الثورية) التي تبدعها الجماهير في غمار نضالها اليومي. إن نحن أغفلنا الراديكالية التي يطرحها الواقع، أو إن نحن احتقرناها لأنها «غير ثورية بما فيه الكفاية»، فسنكون قد حطمنا الجسر الذي سنعبر عليه إلى الحزب العمالي الثوري.