بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الانتفاضة تنطلق..

“الشعب يريد إسقاط النظام”

2013_10_22_ywm_25

عشرات ومئات الآلاف من المصريين في الشوارع، في القاهرة والمحافظات المختلفة، ينتفضون ضد القهر والاستبداد، ضد الإفقار والتشريد، متوحدين على هتاف واحد: “الشعب يريد إسقاط النظام”، في موجة احتجاجات مستمرة بلا توقف في مواجهة حجافل من قوات الأمن المركزي التي تمارس ضدهم أبشع أنواع القمع لحماية الديكتاتور والعصابة الحاكمة التي يحكم باسمها.

عشرات ومئات الآلاف يقتحمون ويتصدرون المشهد لأول مرة، وذلك من أجل هدف “سياسي” صريح وهو إسقاط النظام، مندفعين بمعاناة الفقر والاستبداد، في مفاجأة هائلة لزبانية الداخلية وكافة مرتزقة النظام الحاكم، واستطاعوا أن يتقدموا على النشطاء والسياسيين الذين طالبوا بالتغيير السياسي لسنوات طويلة.

وبعدما كانت المظاهرات والوقفات الاحتجاجية السياسية تضم عشرات أو مئات النشطاء، على أقصى تقدير، في معزل عن الجماهير والفقراء، نرى اليوم الانتفاضة العظيمة ترفع نفس المطالب السياسية لكن إلى مرتبة أعلى، مشحونة بتحدي أكثر عمقاً وثقة جبارة في النفس بعد إسقاط الشعب التونسي للديكتاتور بن علي.

وحتى كتابة هذه السطور، سقط 8 شهداء، ومئات من الجرحى ومئات آخرين من المعتقلين الذين تم إطلاق سراح بعضهم بعد أن تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب في معسكرات الأمن المركزي. وبالرغم من كل ذلك أيضاً، يزيد إصرار وتصميم المصريين لاستكمال المظاهرات والمسيرات، ضاربين أروع الأمثلة في الوحدة والعزيمة والتحدي لإسقاط رأس النظام.

نعم، انطلق المصريون ويصنعون انتفاضتهم محددين عدوهم بدقة. وبعد أن نجح مبارك في تزوير الانتخابات في محاولة لضمان السيطرة على مجلس الشعب وإخلائه من المعارضين، يقولها المصريون بشكل علني “نريد إسقاط العرش”.

لقد عانى الشعب المصري طويلاً من هذا النظام.. ثلاثين عاماً من الفقر والجوع، ثلاثين عاماً من البلطجة وعنف الشرطة والاعتقالات وتزوير الانتخابات، ثلاثين عاماً من التحالف الوثيق من الصهيونية وخدمة مصالح لصوص الحرب الأمريكيين. واليوم ينتفض المصريون للإطاحة بكل ذلك. حالة تسييس جبارة بين أعداد هائلة من الجماهير، كسر لكل حواجز الخوف والانكسار الذي عكف النظام على بناءها منذ عقود.

تتعامل قوات الأمن بعنف شديد وشراسة بشعة، تتفرق المظاهرات وتتبعثر المسيرات، وتعود للتجمع مرة أخرى في دقائق وثوان. هذه الروح الثورية التي تخترق صدور ونفوس المصريين هي ما تزيد المحتجين إصراراً على الاستكمال.

كتف بكتف

الدعوة التي انتشرت على موقع الفيس بوك وبعض الصحف المستقلة، للتظاهر يوم 25 يناير، قد توافقت مع هوى المصريين والمزاج الاحتجاجي الذي ساد في الفترة الأخيرة. إلا أن من يصنع الأحداث الضخمة التي نراها اليوم، ليست دعوة الفيس بوك، لكن الجماهير العريضة الغاضبة. فتراكم الفقر والقهر هو الذي دفع المصريين للاحتجاج العام، كما أننا لا يمكن أن ننسى خمسة أعوام كاملة من النضال الاجتماعي والعمالي الذي خاضته تلك الجماهير في طول مصر وعرضها منذ إضراب عمال المحلة في ديسمبر 2006.

تغيرات رهيبة تتفاعل في نفوس المصريين اليوم، مئات الآلاف في نقاشات مستمرة أثناء المظاهرات حول كيفية مواجهة قوات الأمن. والملايين ينخرطون في مناقشات “سياسية”، في الشوارع ووسائل المواصلات، حول ما يمكن فعله. الفتنة الطائفية لم تعد هي الأخرى خيار يمكن استخدامه من قبل النظام؛ فالأقباط مع المسلمين في المظاهرات رغم اعتراض الكنيسة. كل أبواق الفتنة توقفت عن العواء، وإعلاميي النظام والإسلاميين المتطرفين صاروا مذعورين من الجماهير، خائفين من إطلاق نعراتهم الطائفية الهستيرية التي طالما أطقوها من قبل. النساء مع الرجال أيضاً أصبحوا يقفون كتف بكتف في نفس المظاهرات، يتحدون العرش وكلابه في اختفاء تام لحالات التحرش.

أصبحت كلمة “ثورة” متداولة على ألسنة الملايين بعد أن كانت رائجة في أوساط النخب المؤمنة بالثورة الجماهيرية والحلول الجذرية. تلك الكلمة هي التي توحد المصريين اليوم، بعد طول شتات بين رجل وامرأة، بين مسلم ومسيحي، بين مشجعي الأهلي ومشجعي الزمالك، إلخ.

كما أن تلك المظاهرات قد وجهت أقوى صفعة على وجه كل من سخروا من الشعب وسفهوا من قدراته. والكثيرون من أبناء النخبة السياسية الذين طالما كانوا يصفون الشعب المصري بالجهل والسلبية، كل هؤلاء أصبحوا الآن يكفرون عن ذنوبهم ويتوبون عما قالوا، ويعترفون علانية بأن الجماهير أصبحت قادرة.

أما الدكتور البرادعي، الليبرالي الدستوري، فلم نجده يتحدث في تلك الأيام العصيبة إلا حول التغيير السلمي وعدم اللجوء للعنف (!!). ونحن نتسائل كيف يرد الجماهير على هذا الكم الهائل من القمع والعنف الذي يتعرضون له. يبدو البرادعي إذن وكأنه يغني أغاني الأفراح في المآتم (!!).

وبدون شك، كانت انتفاضة تونس هي الشرارة التي أطلقت الثقة بين المصريين لتحطيم الأغلال. لم يكن ذلك في مصر فقط، ففي الجزائر تنطلق الجماهير في عدة مدن احتجاجاً على الفقر والبطالة، وكذلك هو الحال في العديد من العواصم العربية، مثل مسقط والخرطوم وعمان ونواكشوط. هذا هو تاريخ الثورات: ثورة تنفجر لتشعل ثورات أخرى.. سقوط مدوي لديكتاتور ليمهد الطريق لسقوط أقرانه في البلدان المجاورة.

إحراز النصر

إن الأيام السابقة ليست إلا جولة في معركة ضد نظام مبارك، والمعركة ليست ضد مبارك وعصابته الصغيرة فقط، بل ضد سياسات الاستبداد والطغيان التي تحمي سلطة رأس المال. وبما أن الديكتاتور يحمي حلفاءه.. إذن فلتكن المعركة ضد مبارك وحلفائه، فلتكن ضد رأس المال ورجال الأعمال.

ستستمر المسيرات والمظاهرات تعلو وتهبط، تشتعل وتخبو، تهاجم وتدافع، في حالة من الكر والفر التي أبرز فيها آلاف الشباب بطولات نادرة في مواجهة الرصاص الحي والمطاطي والقنابل والمدرعات والعساكر. لكن الضمانة الأساسية للانتصار وإحراز النصر، هي الإضرابات العمالية التي ستساند المظاهرات والمسيرات الشعبية.

سنهزم قوات الأمن في بعض المظاهرات، وسيستطيع هو تفريقنا في مظاهرات أخرى. هذا هو الكر والفر. إن يقف بيننا وبين إسقاط عرش مبارك، وما يحول دون تقدمنا هي هذه القوات. أما الحد الحاسم والضربة القاضية فهي في يد عمال المصانع في شبرا والمحلة والسويس وحلوان ونجع حمادي وفي المدن الصناعية الجديدة، إلخ. الإضرابات العمالية في المصانع هي التي ستشل النظام تماماً وستجعله يقف عاجزاً في مواجهة الجماهير. لايزال مئات الآلاف يذهبون إلى أعمالهم ويديرون عجلة الإنتاج، وإضراب عام ومفتوح لهؤلاء سيضع حداً للنظام وسيستطيع إسقاطه.

هكذا كان الحال في تونس، مظاهرات ومواجهات عنيفة مع قوات الأمن. أيام طويلة من قتال الشوارع، لكن الإضراب العام المفتوح هو الذي سدد الضربة القاضية في وجه بن علي. وهكذا في مصر، مظاهرات الشوارع ستلوي ذراع النظام، والإضرابات العامة المفتوحة للعمال ستسدد الضربة القاضية لتحطيم رأس النظام.