بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الشعب يريد إسقاط النظام

خرجت جموع الشعب المصري يوم 25 يناير تهتف “الشعب يريد إسقاط النظام”. كانت ضخامة الحشود وجذرية الهتاف دليلاً قاطعاً على المعاناة التي عاشها الشعب في ظل نظام لم ينتج سوى فساد واستبداد وبطالة وفقر ونقص في الخدمات وتدني في الأجور.

لكننى أظن أن من هتفوا معاً بسقوط النظام، كان لدى كل منهم صورة ذهنية مختلفة عن معنى كلمة نظام. فبعد الظهور الأول للديكتاتور المخلوع وتقديم أول التنازلات، ظهرت أصوات تدعو إلى إنهاء الاعتصام والعودة إلى البيوت. أذكر أن أحد الصحفيين الكبار هتف على أحد الفضائيات “خلاص يا جماعة هو ده اللي إحنا عاوزينه” قاصداً ما يريده هو بعد تجدد أمله في قبول الطعن المقدم في دائرته الانتخابية.

ومع صمود الثوار في ميدان التحرير، توالت التنازلات ببطء من نظام متغطرس. ومع كل تنازل يتصور البعض أن النظام قد سقط، أو أنه حصل على ما يريد، أو قد يحصل عليه مراهناً على نجاح مبارك وعصابته في تجاوز محنتهم. وقد يفسر هذا تدافع القوى السياسية وأحزاب الكرتون إلى مائدة المفاوضات مع نائب الديكتاتور والأمل يراود البعض في مقاعد برلمانية مجانية، أو وزارة البيئة أو رئاسة تحرير الأهرام، أو مساحة أكبر من المشاركة لا المغالبة.

لكن سرعان ما اكتشف الجميع أن الأمر خرج من بين أيديهم، وأن الوساطة السياسية لن تفيد بعد أن فشلت تنازلات الديكتاتور المخلوع، وآلة قمعه، ومحاولاته البائسة في اكتساب تعاطف الناس في اقناع الجماهير بالعودة إلى البيوت.

معادلة دامية

أصبحت المعادلة واضحة. طرفها الأول هو الأسد العجوز الذي لا يريد أن يبرح العرين خوفاً من مستقبل غامض، واعتماداً على حلفاءه في الداخل والخارج: الولايات المتحدة، وإن أظهرت الغضب فهي لن تجد عميلاً بذات الإخلاص والكفاءة، واسرائيل لن تفرط بسهولة في كنزها الاستراتيجي، والسعودية لا تود أن ترى مصر ثورية تغير موازين المنطقة مرة أخرى. والرأسمالية العالمية تريد الحفاظ على استثماراتها فى مصر التى مثلت جنة اللبيرالية الجديدة فى الشرق الأوسط.

هذا بالاضافة إلى الرأسمالية المصرية التى عاشت عصرها الذهبى فى ظل مبارك، مما جعلها مستعدة للدفاع عنه بأموالها وصحفها وقنواتها الفضائية ومفكريها، وحتى بالطوب والسراميك الذى ألقى على المعتصمين فى التحرير. كما أن قيادات الدولة الإدارية وقيادات أجهزة القمع الجسدي والفكري يخشون كشف المستور وفتح باب المحاسبة على الفساد الذى استمر لعقود طويلة.

وهناك قطاع كبير من الشرائح العليا للطبقة المتوسطة المصرية، الذين لم يستفيدوا بشكل مباشر من النظام، ولكنهم استفادوا من طبيعته، وهم الأكثر قبولاً وترويجاً لفكرة الاستقرار كذريعة للإبقاء على مبارك. أما الطرف الآخر من المعادلة فهو شعب مصر: عشرات الآلاف الشباب الذين وجدوا كل الطرق إلى المستقبل مغلقة، فنظموا أنفسهم في الفضاء الالكتروني، ثم هبطوا على الأرض ليفجروا ثورة لا مثيل لها فى تاريخ البشر، وإلى جوارهم الملايين من ضحايا النظام من العاطلين والباحثين عن أجر عادل وسكن آدمي وخدمات حقيقية. أدركوا جميعاً أنه لا يمكن الحياة في ظل هذا النظام أكثر من ذلك. والنظام بالنسبة لمعظمهم هو تلك الآلة التى تنتج أوضاعهم البائسة، وهذه الآلة ترتبط بوجود مبارك. هذه الحشود لم تتراجع أمام جنود الأمن المركزي، ولا جيوش البلطجية، ولا رصاص القناصة.. ولا أكاذيب ماسبيرو.

ورغم أن مبارك مجرد مدير للنظام السياسي والاقتصادي فى مصر، وارتباطاته العالمية، إلا أنه تحول أثناء الثورة في عيون الجميع إلى رمز، إن خُلع من منصبه سيُخلع الجميع ويسقط النظام.

ما العمل؟

لم يبقى لمبارك وحلفه سوى أن يلعبوا على الوقت، علّ الحشود تصاب بالتعب أو اليأس. لكن الوقت لعب ضدهم حيث اتسعت دائرة الرفض وامتدت إلى المصانع، وهددت بوقف عجلة الانتاج وانهيار القاعدة الاقتصادية للنظام. وعند هذه اللحظة تأكد كل من يدعم مبارك أن الطوفان قادم، وأن الحشود الغاضبة لن ترضى بأقل من مبارك، فكان عليهم أن يضحوا به حتى لا يسقط النظام. وهى ليست المرة الأولى التي يضحي فيها نظام برأسه حتى يستمر.

و بدا واضحاً أن الجيش هو الوحيد القادر على إدارة المرحلة الانتقالية بعد مبارك نظراً لأنه الموسسة الوحيدة المتماسكة، بل والباقية من مؤسسات الدولة، كما أن الجيش يحظى باحترام شعبي كبير منذ حرب أكتوبر، كما أنه كان بعيداً عن السياسة طوال الوقت، هذا بالإضافة إلى موقفه المحايد أثناء الثورة، وعدم استخدامه للقوة ضد المتظاهرين. ومن ناحية أخرى لم يكن للثورة قيادة موحدة تستطيع إدارة المرحلة الانتقالية.

الخروج من الأزمة

ورث المجلس العسكري حكومة شفيق، ثم استبدلها بحكومة شرف بسبب الضغط الشعبي. لكن حكومة الثورة احتفظت بعدد كبير من رجال النظام السابق، بل وسياساته أيضاً؛ بداية بالتأكيد على التمسك بسياسات الليبرالية الجديدة إلى الذهاب إلى صندوق النقد الدولى، ورفض الضرائب التصاعدية، حتى قانون تجريم التظاهرات والاعتصامات والإضرابات.

ولكي يعبر النظام الفترة الانتقالية بأمان، كان على المجلس العسكري وحكومة شرف، الإسراع في المسار الديمقراطي، رغم إلحاح السياسيين، وثوار الميدان على مد الفترة الإنتقالية والتروى في الإجراءات حتى تظهر كيانات حزبية جديدة قادرة على خوض الانتخابات القادمة.

وعلى الجانب الآخر، هناك إصرار على تأجيل التعامل مع الملف الإجتماعى بل وتجريم المطالبات الإجتماعية. وأصبحت هناك جملة واحدة يرددها قادة المجلس العسكرى، وأعضاء الحكومة، والإعلام “المطالب الفئوية عادلة، لكن هذا ليس وقتها، لأنها تعطل عجلة الإنتاج”. يكتفون بهذه الجملة دون تحديد سبب البطء في التعامل معها، أو تحديد موعد لحلها.

لماذا الإسراع في المسار الديمقراطي، والإبطاء في المسار الإجتماعي (على عكس رغبة الناس في الحالتين؟)
إن الإسراع في إعادة بناء النظام السياسي الذي هدمته الثورة سوف ينتج مزيجاً من رجال الأعمال والإخوان، وبقايا الحزب الوطني المنحل، لتتشكل منهم الحكومة والمجالس النيابية، وهذا المزيج ليس لديه أية خلافات جوهرية مع سياسات النظام القديم.

أما البطء في التعامل مع المسار الإجتماعي وتلبية مطالب الجماهير، فإنه يهدف إلى حماية قاعدة النظام الإقتصادية ااتى لم تتأثر في طبيعتها، رغم الخسائر التي لحقت بها في الشهور الأخيرة. حيث أن الاستجابة للاحتجاجات الإجتماعية لا يعني فقظ خلع رجال مبارك من مواقعهم على رأس المؤسسات الإنتاجية والتعليمية وغيرها، ولكن أيضاً تأسيس علاقات عمل جديدة بداية من البحث عن عمل، وتحسين شروط العمل، والحصول على أجر عادل. وإن تم هذا فسوف تخسر الرأسمالية المصرية حصة كبيرة من صافي الربح لتجد نفسها في مأزق كبير يهددها بالسقوط.

لكن واقع المرحلة الانتقالية يطرح علينا مفارقة عجيبة : مبارك وحاشيته في السجن بينما الرأسمالية حرة طليقة، تعيد إنتاج النظام من جديد، برجال آخرين.

من ينتصر؟

لقد نجح هذا السيناريو من قبل عدة مرات، آخرها في إندونيسيا. لكن احتمال نجاحه في مصر ليس كبيراً لعدد من الأسباب. أولاً: أن الرأسمالية العالمية في أسوأ حالاتها بسبب عواقب الأزمة الاقتصادية العالمية ولن تستطيع التدخل بفاعلية لإنقاذ الرأسمالية المصرية.

ثانياً: سيجد مفكرو الرأسمالية صعوبة شديدة في إقناع الجماهير بذات الاسطوانة المشروخة عن معدلات التنمية، وإشادة صندوق النقد بأداء الاقتصاد المصرى، وأن مصر نمر على النيل، وأن خروج مصر من أزمتها هو بالهروب إلى الأمام عن طريق بيع ما تبقى من القطاع العام، وتقديم كل الدعم لرجال الأعمال والمستثمرين الذين يساهمون في تشغيل الشباب، إلخ.

ثالثاً: لن تستطيع الرأسمالية استعادة أوضاع ما قبل الثورة حتى إن لم يسقط النظام بشكل كامل، لأن ما قامت به الرأسمالية من نهب في ظل حماية مبارك أضعف الدولة بشكل سيجعلها غير قادرة على تلبية مطالب الجماهير ولا تقديم المزيد من الهبات لرجال الأعمال.

رابعاً: لم تضع الثورة العمال والموظفين وغيرهم من المهمشين فى دائرة الصراع فقط، بل طورت هذا الصراع ودفعته إلى الأمام، فبعد أن كانت المطالبات تقتصر على تحسين الأجور المتغيرة (حوافز و كادر خاص، إلخ) أصبحت تنادى بحد أدنى للأجور، أي أن المطالب المتناثرة سوف تتوحد وتحشد خلفها ملايين العمال والموظفين.

خامساً: أن أدوات القمع والسيطرة التي تمتلكها الدولة وكانت توظفها في خدمة الرأسمالية فقدت سطوتها، مما يجعل المطالب الاجتماعية موضع تفاوض، بدلاً من التجاهل القديم. ويشير إلي إمكانية تأسيس عقد اجتماعي جديد.

خلاصة القول ، لقد أطاحت ثورة 25 يناير بالنظام السياسي، والمنظومة الفكرية للرأسمالية، كما وضعت قاعدتها الاقتصادية في موضع حرج، مما يجعل الفترة المقبلة مسرحاً لصراع بين إرادتين. الأولى تحاول إرجاع عجلة الزمن إلى الخلف، وإعادة إنتاج النظام السابق من جديد. والثانية تسعى لبناء نظام جديد يوفر الحياة الكريمة للملايين من أبناء هذا الشعب. لكن هذا النظام الجديد لن يتحقق من تلقاء نفسه، ولن يبنى في يوم وليلة. إن إنجاز هذا النظام الجديد مرتبط بإرادة هذه الملايين، و قدرتها على التنظيم واستعدادها للنضال.