بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحافة وأزمة النظام المصري

فوجئ النظام المصري بحالة التذمر والاحتجاج التي إنفجرت ضد صدور تعديلات لقانون الصحافة التي تهدف إلى زيادة العقوبات على الصحفيين وإلغاء منع حبسهم احتياطيا. فقد تجمع حوالي ألف صحفي بمبنى النقابة ليعبروا عن رفضهم للتعديلات، وقرروا الاعتصام وعقدت الجمعية العمومية للصحفيين يوم 10 يونيو واحتجبت صحف المعارضة عن الصدور لمدة يوم اعتراضا على القانون.

وقد أثارت الطريقة التي صدرت بها التعديلات حماس وغضب عدد كبير من الصحفيين الذين تكلموا في مْؤتمرهم الاحتجاجي في اول يونيو ووصفوا القانون بأنه لقيط يقيد حرية الصحافة ويحمى الفساد وأعلنوا ضرورة تصعيد المواجهة حتى يتم التراجع عن القانون.

وكان نائب رئيس النقابة قد طالب مبارك خلال الاحتفال بعيد الإعلاميين بعدم التصديق على القانون بعد أن مدح عهده الذي تميز بالحرية والديمقراطية، ولكن كان رد مبارك بالرفض لأنه “لا يبيع ترمس”.

وصدور التعديلات الأخيرة على قانون الصحافة لا يأتي بمعزل عن الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعانى منها الطبقة الرأسمالية المصرية الحاكمة. كما أن هذه التعديلات هي استمرار للعدوان على حرية الصحافة الذي لم يتوقف رغم تشدق النظام بشعارات الديمقراطية والحرية. فالحرية والديمقراطية التي لا يريدون منها سوى الاسم تعني الحق في تشكيل الأحزاب بدون قيد أو شرط وأن تكون لدى كافة فئات المجتمع القدرة على إنشاء منظمات تعبر عنها بدون رقابة أو هيمنة من الدولة. إن الحرية والديمقراطية تعنى من وجهة النظر البرجوازية – حرية الصحافة. ولكن النظام الحاكم لا يستطيع أن يواجه أزماته المتعددة بدون أن يضمن سيطرته على من يحملهم أعباء أزماته، لذلك نحن نرى أن صدور التعديلات الأخيرة يأتي في إطار استعداد النظام الحاكم للقيام بأكبر هجمة على حقوق الطبقة العاملة وقطاعات واسعة من المستغلين في مصر، فالنظام يعانى من أزمة اقتصادية طاحنة خاصة بعد اقتراب العمل باتفاقية الجات لتحرير التجارة التي ستضع الرأسمالية المصرية في مأزق خطير، لأن الرأسمالية المصرية لن تقو على المنافسة مع السوق العالمي إلا من خلال تقليص الأجور وفصل آلاف العمال وتكثيف معدلات الاستغلال. وذلك يفسر لنا لماذا يصر النظام على العمل بقانون الطوارئ وزيادة حدة القمع لأي تحرك عمالي كما حدث في كفر الدوار في أكتوبر الماضي.

لقد تمكنت الدولة عبر ترسانة القوانين المقيدة للحرية من إحكام قبضتها على النقابات العمالية وجعلتها أجهزة إدارية تابعة لها لتنفيذ سياساتها وقهر العمال، كذلك استطاعت الدولة أن تقيد النقابات المهنية (المهندسين – الأطباء – المحامين – التجاريين) بقانون 100 وتعديلاته التي تهدف لإحكام سيطرة النقابيين الحكوميين على هذه النقابات لتضمن عدم معارضة هذه النقابات لسياسات النظام. واتضحت انتهازية قطاعات واسعة من اليسار المصري بقيادة حزب التجمع ونوابه في تأييد هذا القانون بدعوى مواجهة تنامي نفوذ جماعة الأخوان المسلمين في النقابات المهنية وأملا في الحصول على بعض المقاعد في مجالس إدارات هذه النقابات. ولم يبقى أمام النظام سوى إخماد بعض الأصوات التي قد تعارض سياسات الدولة في الصحف فجاءت التعديلات الأخيرة على قانون الصحافة ونقابة الصحفيين لتؤكد حرص الدولة على إحكام قبضتها على الصحافة والمضي قدما في تنفيذ سياساتها المتعارضة مع مصالح العمال وكل المستغَلين. وتبنى النظام في ذات الوقت سياسة قمعية متصاعدة ضد كل معارضيه، فنجح تقريبا في إبادة الحركة الإسلامية المسلحة (بتشجيع وتهليل قطاعات من اليسار)، وقام بالاستيلاء الفعلي على نقابة المهندسين، واعتقال كوادر نقابة الأطباء، وشل حركة الإخوان المسلمين واعتقال قيادتها. وكذلك العنف البالغ والمبالغ فيه ضد كافة حركات الاحتجاج مهما كانت محدودة مثل احتجاج المحامين في قضية “عبد الحارث مدني”، ومظاهرات الطلبة ضد مذبحة الحرم الإبراهيمي في فبراير 94، وأحداث اعتصام وإضراب كفر الدوار في أكتوبر 94 وأخيرا أحداث الاحتجاج على اشتراك إسرائيل في المعرض الصناعي في مارس 95. وبدا أن تصاعد سياسات النظام القمعية سيسير دون عوائق تذكر وان هذه السياسات اكثر نجاحا من غيرها في توطيد استقراره وإحكام سيطرته.

وكان من الضروري قمع الأصوات الشاذة التي تظهر في صحف خاصة والنظام مقبل على تحديات ضخمة لاستكمال عملية الخصخصة وتكثيف استغلال العمال وتشريد الآلاف منهم. وكذلك البدء في تنفيذ قانون الإيجارات الزراعية وطرد المستأجرين من أرضهم. وأخيرا قانون الإسكان وما سيصاحبه من تهديد للملايين من السكان. ولكن استكمال فرض سياسات القمع اصطدم بقطاعات من الصحفيين، معظمهم من الشبان، يعانون من ظروف معيشية سيئة، ومن ظروف عمل أسوأ لا تحتمل التهديد بالسجن أو بالغرامة.

وفات على النظام أن هؤلاء الصحفيين أنفسهم كانوا قد خاضوا معركة ضارية في انتخابات النقابة قبل اقل من شهرين وانهم نجحوا في إسقاط العديد من مرشحي الحكومة وكادوا أن يسقطوا النقيب الحالي. ورغم سيطرة الحكم على قيادات الصحافة إلا إن الضغط من الصحفيين على تلك القيادات كان أكبر من قدرتهم على استيعابه، وكان تصديهم لقيادة الحركة ومسايرتهم لها محاولة لكي يتمكنوا من كبح جماحها والسيطرة عليها. وكانت أحداث الجمعية العمومية والحضور الساحق لأعضاء النقابة ونجاح التيار الرافض للتراجع وفشل كل محاولات المهادنة والتنازل وأخيرا القرار الذي اتخذه الحاضرون بالإضراب يوم 24 يونيو وباحتجاب كافة الصحف ذلك اليوم، كانت تلك الأحداث دليلا على إن العناصر المهادنة قد فشلت في السيطرة على جموع الصحفيين أو خداعهم.

ولكن علينا جميعا الحذر من المبالغة في الاحتفال، فالمعركة لازالت في أولها، والنظام لديه الكثير ليخسره لو تراجع، وهزيمة النظام أمام الصحفيين ستعني صعوبة متزايدة في القمع المخطط للقطاعات الأخرى. ومبارك ذاته أعلن اكثر من مرة دعمه وتأييده الكامل للقانون ولم ينجح كعادته في تصوير نفسه كعنصر مستقل ومحايد وفوق الصراع الدائر. وبالتالي فهزيمة القانون هي هزيمة شخصية له وسيفعل ما بوسعه لكي لا يحدث هذا.

وهناك خطورة من الاعتقاد الزائف بوجود وحدة مزعومة داخل حركة الصحفيين، فليس هناك مصالح مشتركة بين الصحفي الصغير وبين رئيس التحرير مثلا. فالأول يريد أهمية إسقاط القانون بكافة السبل، بما فيها الإضراب، والثاني يريد السيطرة على الحركة، بكافة السبل، بما فيها مجاراة غضب واحتجاج الصحفيين ومحاولة دفع الحركة باتجاه المهادنة والتنازل للحكومة. وسيحاول هؤلاء الوصول لحل وسط وتقديم هذا الحل لجموع الصحفيين على انه نصر تاريخي.

إن الصحفيين يقفون الآن على حافة مرحلة حرجة، وعليهم الانتباه واليقظة الكاملة، عليهم الضغط المستمر على القيادات الصحفية والصحفيين الكبار لمنعهم من الالتفاف حول جموع الصحفيين ومهادنة النظام، وبالتالي لايمكن بأي حال التخلي عن الإضراب المخطط ليوم 24 يونيو، ويجب الإصرار على الإضراب لمدد أطول لو استمر العمل بالقانون.

وفي الوقت ذاته يجب إن يعي الصحفيون إن قانون الصحافة مرتبط بترسانة القوانين القمعية المقيدة للحريات التي في حوزة النظام وان افضل طريق للإسقاط الحقيقي للقانون لن تكون إلا بمهاجمة وإسقاط كافة تلك القوانين، وان تخلي النظام عن هذا القانون وحده يترك السيف مسلطا على رقاب الصحفيين وان النظام سينتهز فرصة أخرى، يستعد لها بشكل افضل، لإصدار قانون آخر اكثر قمعا.

وأخيرا يجب إن يتعلم الصحفيون من دروس العامين الماضيين في كيفية تعامل الحكم مع النقابات المهنية وكيف استطاع حصار المهنيين وقت احتجاجهم حتى فتر هذا الاحتجاج وانهار، وانه، النظام، قادر على تحمل الدعاية السيئة من جراء هذه الاحتجاجات ولكنه في النهاية ينجح في تنفيذ غرضه الرئيسي في إحكام السيطرة والقمع. الطريق الوحيد لكسر هذا الحصار هو في استغلال تخبط النظام الحالي، والذي لن يدوم طويلا، وجذب تأييد وتضامن قطاعات أوسع واكثر تأثيرا من الاعداد المحدودة للصحفيين، ويالتحديد يجب كسب تأييد الطبقة العاملة، فينبغي على الصحفيين كسب تأييد ومشاركة عمال الصحافة والطباعة والتوزيع ودعوتهم للإضراب في يوم 24يونيو، والأيام الأخرى لو استمر القانون. وكذلك دعوة باقي قطاعات الطبقة العاملة للتأييد والتضامن. فنضال العمال هو القادر على مواجهةالحكم وايخافه، هو القادر على إسقاط القوانين وتحقيق المكاسب سواء للعمال أنفسهم أو للمجتمع ككل.