بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصحفيون في مواجهة الحبس

واصل الديكتاتور مبارك بنجاح ساحق مسلسل حبس الصحفيين والهجوم على الصحافة الذى بدأه العام الماضى بحبس 6 صحفيين لأول مرة فى قضايا نشر منذ 50 عاما. وكذا إغلاق جرائد الدستور وصوت الأمة والديمقراطية وتغيير هيئة تحرير جريدة العربى الأسبوعى بعد أن تخطت الحدود المسموح بها فى إطار الديكور الديمقراطى وهاجمت الذات الملكية المصونة والحاشية المالكة، وان اختلفنا مع مضمون دعايتها، وقالت بعلو الصوت “لا لمبارك “. وفى الشهر الماضى فقط، وبالتحديد يوم 14 أغسطس، وبعد محاكمه صوريه استمرت 45 يوما فقط أصدرت محكمة الجنح، استنادا إلى قوانين فاشية تجيز حبس الصحفيين فى قضايا نشر، حكما بحبس كل من مجدى حسين، صلاح بديوى، عصام حنفى (رسام كاريكاتير)- الصحفيين بجريدة الشعب لمدة عامين وتغريم كل واحد منهم بالإضافة إلى عادل حسين مبلغ 20 ألف جنيه بتهمة سب وقذف يوسف والي الأمين العام للحزب الوطنى ووزير الزراعة ونائب رئيس مجلس الوزراء ومهندس عمليات التطبيع مع العدو الصهيونى والذى قاد بشراسة منقطعة النظير تنفيذ قانون طرد المستأجرين.

ويعد الحكم هو أقصى عقوبة موجودة بالقانون هذا فضلا على أن القاضى- العادل جدا- أكد فى حيثيات حكمه انه لم يكن ليقبل من المتهمين إثبات صحة الوقائع التى نسبوها إلى يوسف والى -بل ويتعين إدانتهم حتى ولو كانوا يستطيعون إثبات صحة الاتهامات التى نسبوها إليه !! وتقول عبارة أخرى فى نفس الحيثيات “المتهمون ملأوا خزائن أقلامهم بالغل السود بدلا من الحبر الأسود، ثم سكبوا فى أوراقهم أحقادا عمياء للتشهير بالمجنى عليه..” الذى هو طبعا معالي الوزير، ليكتب القاضي بذلك للمرة الألف شهادة وفاة لكل مزاعم الحكومة والمعارضة معا عن استقلالية القضاء. ويثبت أيضا أن ما تشيعه البرجوازية عن استقلالية السلطات الثلاثة الشهيرة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) ليست سوى أكذوبة وان خيوط اللعبة كلها فى يد مبارك. أكثر من هذا فقد رفض النائب العام أن يوقف تنفيذ الحكم لحين البت فى النقض كما فعل النائب السابق بتعليمات عليا مع الصحفى مصطفى بكرى صاحب العلاقات المتميزة مع السلطة، ليثبت أن القانون يعرف زينب وليس غريبا عليها. وبهذا يجب على اكثر من 100 صحفى لهم قضايا معروضة على النيابات والمحاكم أن يتوقعوا فى أية لحظه أحكاما بالحبس. هذا وقد استند مؤيدو النظام فى دعايتهم لتبرير الحكم على ضرورة تنفيذ أحكام القانون واحترام استقلال القضاء وان الصحفيين ليسوا على رأسهم ريشة! وقد استهدف النظام من هذا الحكم تحقيق أهداف عدة:

أولا: قمع كل الأصوات التى ترتفع فى مواجهة سياساته (الخصخصة وتشريد العمال وقمع الحريات) وهو القمع الذى زادت وتيرته خلال الثلاث سنوات الماضية حيث تم استدعاء ما يقرب من 230 صحفيا للتحقيق معهم فى قضايا نشر أمام جهات التحقيق (نيابة أمن الدولة، المكتب الفنى للنائب العام، النيابات الجزئية) فى 195 قضيه. وفي حين تم حفظ 15 قضيه والتصالح في 5 قضايا، فقد أحيل للقضاء نحو 175 قضية، أكثر من هذا فقد تم إغلاق الشهر الماضى اكثر من 128 صحيفة إقليميه بدعوى أنها تصدر بدون تصريح. هذا وقد وضعت منظمة صحفيون بلا حدود مصر من بين أسوأ 10 دول فى العالم من حيث انتهاك نظامها لحرية الصحافة.

والواضح أن النظام يواصل بذلك استهداف كل من يعارض سياساته حتى ولو لم يكن يهاجم النظام الاجتماعي الاقتصادي، معارضة جذرية، وحتى ولو حاول هؤلاء المعارضين الذين ينطلقون فى الغالب من أرضية برجوازية صغيرة مغازلة مبارك بل وتعمدوا فى انتهازية صريحة كما فعلت جريدة الشعب اعتباره خارج الموضوع وليس له ادنى علاقة بممارسات والى فى مجال الزراعة أو التطبيع، أو التحدث عن ضرورة لم الشمل في وقت تجتاز فيها ما يسمى بمفاوضات التسوية لحظه صعبه كما كتب محمد سيد أحمد في جريدة الأهالي، فالمطلوب تكميم الأفواه حفاظا على الاستقرار الذي سيؤدي كما يأمل النظام إلى جذب الاستثمارات.

ثانيا: تنشيط التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظل الاحتفاء الرسمى غير المسبوق بانتصار باراك رئيس وزراء إسرائيل الجديد، حيث يعد والي واحدا من أبرز رموز التطبيع فى الحكم.

ثالثا: تعميق الانقسام داخل حزب العمل بين جناحى عادل حسين- المتشدد فى اللغة والمهادن من حيث المضمون – وبين إبراهيم شكرى الذي أبدى أكثر من مرة، علانية، استياؤه من ديماجوجية آل حسين واستخدامهم ألفاظا زاعقة على غرار أحمد حسين مؤسس حركة مصر الفتاة.

وقد بدأ شكرى بالفعل فى العمل من اجل إصدار جريدة جديدة “الجماهير” لتكون أكثر تعبيرا عن آرائه وطريقته في معارضة النظام. ويذكر فى هذا السياق أن قائمة إبراهيم شكري في الانتخابات الأخيرة بالحزب لم ينجح منها عدد يذكر فى حين اكتسحت قائمة عادل حسين الانتخابات.

هذا وعلى صعيد آخر تعد هذه المعركة هي أول اختبار حقيقى لمجلس نقابة الصحفيين، الذى يضم صقور المعارضة (الناصرية والإسلامية واليسارية)، انظر الاشتراكية الثورية العدد الماضى، حيث جاءت بعد 3 شهور فقط من نجاحه. فماذا فعل مجلس نقابة الصحفيين إزاء هذا التطور الخطير، خاصة وان من بين المحبوسين مجدى احمد حسين عضو المجلس ومقرر لجنة الحريات؟ بداية نود أن نذكر أن الصحفيين يدفعون حاليا ثمن خيانة قيادات المعارضة النقابية لحركتهم إبان أزمة القانون 93. ففي حين كان مطلب إلغاء الحبس على رأس مطالب الصحفيين، استطاعت هذه القيادات بالتحالف مع نافع رجل الدولة من إقناعهم بأنهم حققوا انتصارا كبيرا بإجبار الدولة على التراجع عن قرار الحبس الاحتياطى في قضايا النشر وانه آن الأوان لكى يعود الجنود إلى ثكناتهم، وكان الصوت الوحيد الذى ارتفع للتنبيه هو صوت اليسار الراديكالى بالإضافة إلى المحامي اليساري أحمد نبيل الهلالي الذي انسحب من لجنة إعداد القانون عندما علم بموافقة النقابة على هذا المخطط. وهو المخطط الذي أتاح لنظام مبارك اللجوء إلى استخدام هذه المواد العقابية والذي تم تشديدها بصدور القانون 96.

ومن جهة أخرى فقد تصدر مطلب إلغاء الحبس في قضايا النشر مطلب كل الصحفيين المرشحين للانتخابات بما فيها برنامج إبراهيم نافع نقيب الصحفيين مما يجعل التصدى لهذه القضية أمرا ملحا لان الناخبين لم ينسوا بعد وعود المرشحين، غير أن كل هذا ذهب أدراج الرياح وظهر للصحفيين قبل صدور الحكم أن النقابة مجلسا ونقيبا تعاملت مع القضية المحجوزة للحكم إما بتجاهل تام أو باستخفاف شديد يكفي أن ندوات لجنة الحريات التي ناقشت قضية الحبس لم يحضرها أعضاء المجلس وكان مجدي أحمد حسين نفسه يتعمد عدم إعطاء فرصة الكلام للمعارضين لموقف المجلس المتخاذل والذين يسعون لاتخاذ مواقف مستقلة عنه، وساد اعتقاد بأن نافع الشهير بنقيب الجسور الحسنة مع الحكومة سيستطيع التوصل إلى تسويه ما أو أن الحكم سيتأجل إلى ما بعد الاستفتاء، إلا أن مبارك اخرج لسانه للجميع ووضع أعضاء المجلس في موقف لا يحسدون عليه.

وسادت حاله من السخط أوساط الصحفيين بينما اختفى أعضاء المجلس 4 أيام كاملة وكأن تاريخ الجلسة لم يكن أحد يعرفه ولم ينقذ الأمر إلا عقد اجتماع سريع للجنة الحريات، وعلى الفور انقسمت القاعة إلى تيارين الأول يقوده عادل حسين وصلاح عيسى، وهو نفس الموقف الذى تبناه فيما بعد كافة أعضاء المجلس، ويدعو إلى تهدئة الأمور وعدم التصعيد الفورى واعتبار مبارك حكم بين الصحفيين وأجهزة الدولة ومطالبته بإرجاء تنفيذ الحكم والاهم عدم تجاوز موقف إبراهيم نافع النقيب الحكومى القادر على حشد الجمعية العمومية بتعليمات صريحة لصحفييه بالحضور!، واعتبار أن عمر المعركة طويل وسيمتد للخريف، تحت وهم أنهم قادرون في هذه اللحظة على إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر، والثانى تبنته عناصر اليسار الراديكالي بالنقابة بالإضافة إلى بعض العناصر المستقلة واعتبرت أن الحكم كان متوقعا فى إطار سياسات النظام المعادية للحريات على طول الخط وانه يجب استغلال فترة الاستفتاء في أن يعلو صوت الصحفيين بقولة لا لمبارك ولسياساته وأن على أعضاء المجلس أن يثبتوا انهم لم يفوزوا فى الانتخابات عبر تحالفهم مع نافع ولكن عبر تأييد جموع الصحفيين لبرامجهم وأن يقوموا بالتالى بحشد الصحفيين في جمعيه عمومية طارئة.

ومن جهة أخرى شهدت النقابة حملة جمع توقيعات من أجل عقد جمعية عمومية طارئة (200 صحفى). وفى وسط هذه الأجواء اجتمع مجلس نقابة الصحفيين وأصدر بيانا باهتا، ظهر فيه بوضوح الحرص على إرضاء النقيب الحكومي، جاء فيه إدانة للحبس في جرائم النشر (دون التعرض للحكم باعتبار أنه حكم قضائي لا يجوز التعليق عليه!)، وموافقة مبدئية على عقد جمعية عمومية طارئة دون تحديد موعدها! وأخيرا تنظيم اعتصام احتجاجي لمدة ساعتين، مع استمرار جهود النقيب في محاولة تأجيل تنفيذ الحكم لحين النقض. غير أن حتى هذا التحرك الاحتجاجى لم يتحرك أقطاب المعارضة لإنجاحه ولم يقم أحد منهم كما كانوا يفعلون أثناء الانتخابات بالمرور على المؤسسات لحث الصحفيين على الحضور. وكان المقصود هو احتواء غضبة الصحفيين وعدم إزعاج النظام باعتصام قوى، تحت دعاوى من قبيل أن المجلس مستهدف من قبل الدولة وان هناك نية لحلة وبالتالى لابد من التهدئة أو إتاحة الفرصة للنقيب لإجراء الاتصالات اللازمة! وبالرغم من هذا فقد احتشد يوم 20 أغسطس الماضى، أكثر من 300 صحفي بمقر نقابة الصحفيين، ونظموا اعتصاما استمر لمدة 6 ساعات.

وردد المعتصمون الهتافات المعادية للاستبداد وللتطبيع وللنظام الحاكم وخلص المعتصمون إلى ضرورة تصعيد النضال من اجل الإفراج عن المحبوسين وإلغاء عقوبة الحبس فى قضايا النشر، على أن تشمل آليات التصعيد بدء اعتصام مفتوح وضرورة عقد جمعيه عمومية طارئة ومخاطبة رئيس الجمهورية .وشهد المؤتمر هجوما حادا على النظام وعلى مجلس النقابة وتعرضت هيبة فرسان الإصلاحية بالمجلس إلى النقد الحاد ولقى الاتجاه الداعي إلى ضرورة التصعيد الفورى، حتى لا تفتر همة الصحفيين للحركة ويصابوا بالإحباط، تأييد معظم الحاضرين غير أن عدم تبلور هذا الاتجاه ووجود فريق منظم من الصحفيين خلفة أعطى الفرصة لأقطاب المعارضة أن يسيطروا على القاعة وأن يؤجلوا الاعتصام المفتوح إلى حين عقد اجتماع مجلس النقابة بزعامة نافع الذي لم يقرر بالطبع الدعوة للاعتصام واكتفى بإرسال مناشدة لمبارك يرجوه فى هذه الأيام المباركة إن يرحم الصحفيين المحبوسين! وهو الأمر الذى يؤكد أن الخلل الهيكلي بنقابة الصحفيين، تضم رؤساء مجالس إدارات تعينهم الدولة إلى جانب المحررين، يجعل من إمكانية اتخاذ موقف راديكالى إزاء هذا الحدث كالإضراب كما حدث فى إيران العام الماضى أمرا مستحيلا.

ويكفى فى هذا السياق الإشارة إلى الحرب الضروس التي نشبت بين جريدتى الأخبار والأهرام لمجرد أن نافع بصفته نقيبا للصحفيين تجرأ وشكل لجنة تسويه نقابية للتفاوض مع إبراهيم سعده رئيس مجلس إدارة الأخبار من أجل إعادة 5 صحفيين قرر سعده فصلهم تعسفيا بعد قيامهم بكشف عمليات فساد متورط بها، الأكثر من هذا أن سعده كتب بعد صدور الحكم على صحفيى الشعب مؤيدا للحكم لمجرد أن جريدة الشعب تضامنت، بالنشر، عن الفساد داخل الأخبار، كما اصدر تعليمات مشددة لجميع المحررين بالجريدة بعدم الاشتراك في أي فعاليات نقابية ضد الحبس وإلا فالويل لهم.

إن معركة الحبس كشفت إلى أي مدى الآثار الكارثية لكل من : هيمنة رؤساء مجالس الإدارات على مقادير الأمور بالنقابة، وحدود إصلاحية وانتهازية فرسان المعارضة وكذا الانحطاط فى مفهوم الديمقراطية لأحزاب المعارضة ويكفى أن جريدتى الوفد والأهالى تجاهلتا تقريبا الإشارة لمعركة الحبس لحسابات حزبية ضيقة، وأخيرا ضعف اليسار الراديكالى داخل النقابة . وهو الأمر الذى سيعيق إلى حد كبير تصاعد حقيقى للاحتجاجات، وسيجعل الأمر مرهونا بحسابات النظام فى اللحظة الراهنة، فالمؤكد أن إرغام السلطات على إطلاق سراح الصحفيين الثلاثة لن يتم بالمناشدات أو باللعب على حجر نافع بل بالتوجه الجاد إلى أصحاب المصلحة فى إلغاء العقوبات السالبة للحريات فى مجال النشر وتوسيع رقعة المعركة لتضم أولا الصحفيين غير المقيدين بالنقابة وثانيا كل القوى الحية فى المجتمع وفى مقدمتها نشطاء نقابة المحامين الذين يشتبكون منذ فترة مع النظام، ويبقى على اليسار الراديكالي بالنقابة ممارسة أوسع تشهير ممكن بمبارك ونظامه وعقد محاكمة علنية لهذا النظام فى أيام الاستفتاء وكذا العمل المشترك مع نشطاء فصائل المعارضة بالنقابة من اجل الإفراج عن الصحفيين مع ممارسة فضح لمواقف أقطاب المعارضة بالمجلس وإظهار للكافة حدود معارضتهم حتى لا يخدعوا الأقلية النشطة بالنقابة طويلا، فقط بانتزاع المبادرة والدعاية المستقلة من الممكن إحداث اكبر تأثير ممكن فى سير المعركة وإجبار العناصر المعارضة بالمجلس والتى تخشى على صورتها أن تتخذ مواقف راديكالية.