بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاشتراكية الثورية الآن.. أو الفاشية للأبد

يبدو العنوان أعلاه شعاراتيا يصلح للكتابات الكلاسيكية أكثر منه محاولة للاشتباك مع ما تعيشه مصر والمنطقة هذه الأيام. يبدو دخيلا على موجات المد والجزر التي نشهدها ولا نكاد نفيق من واحدة حتى تضربنا الثانية. يبدو شاذا عن التفاصيل التي تضيفها كل لحظة على المشهد العام، وهي غارقة في الخصوصية والتعقيد. لكن، من قال أن حتى العبارات الكلاسيكية، التي استُخدمت في الأدب أو في الكتابات النظرية بعيدة عن أدق التفاصيل الآنية؟

الاشتراكية، كما يقول عنها فريدريك إنجلز في أحد كتاباته، هي منهج للتفكير، بينما الثورة هي التطبيق العملي لهذا المنهج ولما يفضي إليه. والفاشية، يمكن اختصارها بما نراه في أيامنا هذه.

بين سيئين
كل ما يدور حولنا في السنوات الأخيرة لا يفضي إلا لثنائيتين متناقضتين أحلاهما مر. عليك أن تختار بين أمريكا أو إيران. فتح أو حماس. قطر والكويت أو السعودية والإمارات. وفي مصر، الإخوان أو الحكم العسكري. وخاصة في مصر، أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن هذان الخياران اشتركا في المضمون المعادي للثورة والساعي لإجهاضها. استخدم الإخوان الغريزة الدينية للتلاعب بمشاعر الناس وتمرير مصالحهم الحقيقية في الخفاء والعلن، فكان من الطبيعي أن تكون كل مواقفهم السياسية تنضح بالطائفية بعد أن عزلتهم الجماهير بعد عام من حكمهم (راجع بيان الإخوان المسلمين في ذكرى أحداث الاتحادية وبيان الجماعة تعليقا على قرار الحكومة بتجميد أموال مؤسسات خيرية). على الجهة الأخرى، يستخدم الحكم العسكري نغمات الدولة والاستقرار والأمان لرعاية مصالحه ومصالح كبار الضباط ورموز رأسمالية نظام مبارك. وهنا ليس مستغربا أن تشيد الحكومة بعودة رجل الأعمال الهارب حسين سالم، وتؤكد أن مبادرته بالمصالحة “طيبة”. كلا النظامين، العسكري والإخواني، لم يرها إلا مصالحه الخاصة، متصرفا في حقوق الناس بدون رقيب ولا حسيب. كلا النظامين قررا أن يسلما قناة السويس للشركات متعددة الجنسية، ضاربين باقتصاد البلد وأمنها عرض الحائط. لكن الفارق في من يستفيد، شركات سعودية أم قطرية؟ لا أحد يعرف ما هو الفارق الحقيقي؟ ما سيتغير على الناس إن كان من يسرقهم شركات سعودية بدلا من شركات قطرية؟ ماذا سيفيد الناس بأن يكون من يتحكم في الاقتصاد القومي من خلال القروض والهبات والاستثمارات الخارجية سعوديا أو قطريا أو أيا كان؟ أليسوا في النهاية مسروقين ومنهوبين ومسيطر على إمكاناتهم الاقتصادية؟

وهنا يلجأ سمسار السرقة هذا، سواء الإخواني أو من يرتدي البدلة الميري لشعارات جوفاء فارغة من المضمون ليضمن سرقاته واستغلاله للناس. يقول “مصر أولا” لكل من يسعى لتحسين أحواله بالاحتجاج أو الاعتصام. ماذا تعني هذه الجملة؟ “مصر أولا”، ألا تعني المصريين أم الشوارع والكباري وأعمدة الكهرباء. “مصر أولا” أي تحسين أحوال المصريين أولا. وغير ذلك فهو مجرد شعارات لا معنى لها. ثم يقول أن الدولة تواجه الإرهاب الأسود، هكذا دون أن يعرف أحد ما هو الإرهاب وما هو الأسود. يقول ذلك ويسن قوانين لمنع التظاهر وليضرب بيده السوداء على كل من يعارضه أو يعارض سياساته، ويعتقل أطفال لأنهم رفعوا أربع أصابع في طابور مدرسي ويحاكم آخرين لأنهم رفعوا شعار “لا للدستور”!

ماذا بعد؟
الأمر ليس كما يصوروه لنا.. ليس إما أن نتحمل نهبنا باسم الدين أو نهبنا باسم الدولة القوية. هناك بالتأكيد خيارا آخر هو ألا نستغل وألا تنهب مواردنا وممتلكاتنا. وهو الأمر الذي يتطلب بالضرورة انتهاج طريق آخر من هذه اللحظة. لا نتيجة بدون سعي، ولا سعي بدون طريق واضح، والطريق لا معنى له بدون من يسير عليه.

حين كانت جماعة الإخوان المسلمين تمارس النضال برخصة من الأجهزة الأمنية والسياسية لنظام مبارك، والذي كان يسرق هذه البلد دون كلل.. كان التيار الاشتراكي الثوري يبشر بأن لا تغيير حقيقي في هذه الدولة إلا بالثورة. لكن أي ثورة؟ ولتصل لأي مجتمع؟ بالتأكيد ليس لمجتمع ظاهره العفة وأصله السرقة والنهب تحت أي اسم. وليس بثورة تستبعد العمال مثلا وتقول “أنهم يعطلون “عجلة الإنتاج” و”مطالبهم فئوية”.. فاقبلوا بثورتنا “الشيك” حتى لا تواجهوا بثورة الجياع”.. فإننا سنتصالح مع جزارين وزارة الداخلية ونهلل باعتقال الثوار الحقيقيين ونرحب بالدولة العميقة التي ستعيشنا في أمان ونعيم، وعفا الله عن ما مضى. سموها كذلك، ثورة الجياع، ويا لوقاحة من يسموا نفسهم بالثوار وأبناء الثورة، ويرددون كلمة “الجياع” وكأن “الثورة” لا علاقة لها بالجوع والبطالة وسكان العشوائيات وغيرهم. لماذا تسموا أي حدث بالثورة طالما لا زال هناك جياع أو مشردين بلا سكن؟

الثورة التي نريدها هي التي لا يجرؤ أحد بعدها على اتهام “الجوعى والمشردين” بهدم الدولة. الثورة التي نناضل من أجلها لا مكان فيها للدولة القائمة على نهب الناس وتقسيم الغنائم على الشركات العالمية وتقديم الرشاوى لبيروقراطية وعسكر يضمن استمرار عمليات النهب المنظمة تلك. بالطبع هي ليس مجرد “هدم الدولة” كما تشيع أجهزة الدولة الإعلامية عنّا، فقط لأنهم لا يجرؤون على القول أنهم يريدون دولة فاسدة بشكل واضح. ولتحقيق ذلك لابد من قطار يحمل كل هذه الجموع المستغلة. هو ببساطة الحزب القادر على سد الفراغ الناجم عن هدم عصابات النهب المنظمة المسماة بأسماء براقة وجميلة. هو الحزب الثوري القادر على استيعاب أصحاب المصلحة في الحفاظ على مقدرات وموارد هذا المجتمع.

لا يبدو أمامنا خيارات عديدة. إما قبول النهب واستغفالنا باسم الدين أو الدولة القوية.. وإما صنع قدرنا بأيدينا.