بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العسكر والإخوان في مواجهة الشارع

هناك قوي سياسية/اجتماعية تري في الثورة المصرية خروج ضد وجوه بعينها داخل النظام السابق، وبالتالي فإعادة إنتاج النظام السابق بوجوه جديدة هو الإجابة علي مطالب الشارع. وهناك قوي سياسية/اجتماعية أخرى ترى أن الثورة المصرية أتت ضد سياسات النظام السابق وبالتالي نجاح الثورة يعتمد علي الإسقاط الكامل لهذا النظام بسياسات الإفقار التي اتبعها واستبدالها بنظام أكثر عدالة.

الثورة المضادة

أولاً، قوي الثورة المضادة بقيادة المجلس العسكري الذي يتحكم في 35% من الاقتصاد المصري ويحصل قيادتة علي مرتبات بالملايين شهريا، بجانب كتل متفاوتة من كبار الجهاز البيروقراطي والأمني للدولة المتضررين من إعادة النظر في هياكل الأجور والدخول في مصر. بالإضافة إلى كبارالرأسماليين في قطاع العقارات والصناعة والتجارة وهؤلاء مرتبطون بشراكات مع الرأسمالية العالمية والعديد من أفراد النظام السابق، وهذه الكتلة استفادت من الإدارة السابقة للنظام وتصارع الآن من أجل استعادة النظام السابق بنفس سياساته ومكاسبه الاقتصادية والاجتماعية.

ثانياً، القوي الإسلامية والتي شكلت قلب المعارضة البرلمانية في النظام السابق وتتزعمها جماعة الإخوان المسلمون، الجماعة هرمية التنظيم والمعتمدة علي نظام قيادي صارم يقوم علي السمع والطاعة، تخدم مصالح مجموعات من رجال أعمال في القطاعين التجاري والخدمي، كما تعبر كذلك عن أحلام الصعود الطبقي لدى الكثيرين من قطاعات الطبقه الوسطي.

لقد تلقى كبار الرأسماليين من قيادات الجماعة، وعلي رأسهم خيرت الشاطر، ضربة أمنية قوية وأجريت لهم محاكمات عسكرية في 2007 في محاولة من كبار رأسماليي نظام مبارك لإقصائهم من السوق.

هذان المعسكران قد يتصارعان علي بعض المكاسب ولكنهما في النهاية أبناء تركيبة طبقية واحدة تسعي لإعادة إنتاج النظام الرأسمالي الذي ساد في عصر مبارك مع إجراء بعض الإحلال والتجديد والاستبدال داخل الطبقة الحاكمة.

سبق أن رأينا في هذا السياق البيان الثاني للمجلس العسكري وهو يشدد فيه علي الاحترام الكامل لكل الاتفاقات والتعاهدات الدولية التي وقعتها الدولة المصرية، ذلك بالإضافة إلى رصيد ضخم من تصريحات عصام شرف حول أنه لا تراجع عن اقتصاد السوق الحر بل وزيادة دعم الصادرات ودعم الطاقة لرجال الأعمال في ميزانية 2011/2012 ورفع -بل مضاعفة- أجور ضباط الجيش والشرطة مع عدم المساس بأي من المؤسسات القديمة للدولة بقياداتها الوظيفية وإن تم تغيير العديد من القيادات السياسية كمنصب رئيس الوزراء بجانب الكثير من الوزراء، إلخ.

لا تختلف في الحقيقة تصريحات قيادات الإخوان المسلمين عن هذا السياق كثيراً، فقد تحدثوا عن سلامة سياسات مبارك الرأسمالية ونجاحها في تحقيق معدلات نمو عالية، ولكن مؤاخذتهم على التجربة كان يقتصر فقط على الدور الذي احتله الفساد فيها. نضيف على ذلك بالطبع تطمينات خيرت الشاطر المستمرة للعالم الرأسمالي الخارجي في تصريحات متتاليه حول أنه لا تراجع عن اقتصاد السوق الحر والاحترام الكامل لكافة المواثيق والاتفاقات الدوليه السياسية (كامب ديفيد) والاقتصادية (اتفاقية الغاز – الكويز).

وفي اجتماع غرفة الصناعات الذي ترأسه قيادات الحرية والعدالة ترسل قيادات الحزب تطمينات داخلية بعدم مهاجمة أي من رجال أعمال عصر مبارك والتزامهم الكامل بسياسات السوق الحر والخصخصة والاكتفاء بشبكات التكافل الاجتماعي لحل مشاكل الفقر. في حين لم تطالب قيادات الحزب بعودة الشركات المنهوبة للدولة ولم تطالب بحد أدني للأجور أو بفرض ضرائب تصاعدية أو حتى ضرائب عل الأرباح الرأسمالية، وإن طالبت ببعضها أثناء الدعاية الانتخابية مداعبةً لأصوات الجماهير ليس إلا. ولا يعني كل ذلك سوى الاستمرار في نفس السياسات السابقة للثورة.

وفي نفس السياق أعلنت جمعية (ابدأ) لرجال الأعمال، التي أنشأها رجل الأعمال الإخواني حسن يوسف مالك، عن بدء مزاولة نشاطها الاقتصادي بمؤتمر يوم 24 القادم‏‏ بحضور لفيف من كبار رجال الأعمال من كل مختلف التيارات والاتجاهات. والجدير بالذكر أيضاً أن خيرت الشاطر وحسن مالك يُعدان من أبرز رجال الأعمال في مصر، ويتوقع خبراء الاقتصاد أن عودة نشاطهما سيزيد من شركاتهم في السوق، كما سيساهم في جذب شركات واستثمار الإخوان التي كانت ملاحقة ومحظورة لعقود طويلة إلي الاقتصاد المصري بشكل رسمي.

العسكر والإسلاميون وأمريكا

هذه التركيبة الاجتماعية لمعسكري الثورة والثورة المضادة فرضت أكثر من مستوي للصراع السياسي والاجتماعي سواء بين أوساط الطبقة الحاكمة بجناحيها علي تحقيق أكبر قدر من المكاسب، أو علي مستوى صراعهما معاً ضد قوى تعميق الثورة الساعية إلى إعادة النظر في بنية النظام القائم وإعادة توزيع الثروة الاجتماعية.

أولاً، صراع داخل الطبقة الحاكمة بجناحيها المجلس العسكري وكبار الجهاز البيروقراطي للدولة وكبار رجال أعمال العهد السابق سواء في الوطني أو القوى الليبرالية (كالوفد والكتلة المصرية) في مواجهة الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين برجال أعمالهم الذين حوربوا وهُمشوا في فترة مبارك يحدوهم طموحهم الآن للمشاركه بقوة في الاقتصاد المصري ومزاحمة رجال الأعمال القائمين، وإن كانت تركيبتهم الداخلية المتناقضة طبقيا ما بين القيادة والقواعد تفرض عليهم تحقيق بعض المكاسب لبعض العضوية القاعدية الطامحة للمشاركة والصعود الطبقي.

كما يبرز الصراع علي نيل الرضا الغربي كبوابة عبور إلى السلطة في مصر؛ فنجد التطمينات المتواصلة للغرب بضمان مصالحهم في المنطقة من الطرفان ولكن علي ما يبدو أن الإخوان أثبتوا قدرتهم على تحريك الشارع والسيطرة عليه بعد أحداث محمد محمود، في لعبة الانتخابات البرلمانية، مما دفع الولايات المتحدة إلى الرهان علي الإخوان.

في هذا السياق، أتت تهديدات الكونجرس بقطع المعونات العسكرية المقدرة بـ1.3 مليار دولار للمجلس العسكري في حال عدم التزامه بتسليم السلطة، وهذا ما دفع المجلس العسكري مع أحداث محمد محمود، وموجة الاحتجاجات المصاحبة لها في شتى أرجاء مصر، والتي هددت النظام بشكل كبير، إلى الدفع في اتجاه الانتخابات البرلمانية والتأمين الكامل لها. ولكن في المقابل حاول المجلس العسكري، الذي يخشى علي مكتسباته كما يخشي المحاكمة والالتحاق بمبارك في طرة، تحويل هذا البرلمان إلى مسخ منزوع الصلاحيات بطرق عديدة أصبحت واضحة للجميع الآن.

يأتي أيضاً في نفس السياق مرسوم قانون التصالح مع المستثمر رقم 4 بتاريخ 3 يناير 2012. ورغم أن القانون في الحقيقة لم يقر حتي 20 يناير 2012، إلا أنه استمرار لسياسة محاباة رجال الأعمال؛ حيث ينص في مواده علي حق المستثمر في التصالح مع الحكومة المصرية علي أي درجة من درجات التقاضي علي أن يدفع المستثمر قيمة ما نهبه بسعر لحظة الشراء من الحكومة. كما أن هذا القانون يخص المستثمر وفقط، أما من ساعده في الفساد فلا تصالح معه ويعني القانون أن واحداً كأحمد عز اشترى الدخيلة بسعر السهم 86 ج من حقه التصالح ودفع القيمه لحظة الشراء، رغم أن سعر السهم الآن وصل إلى 650 ج.

وهنا يتجلي الصراع فنجد تأييد الكتلة المصرية والوفد له داخل البرلمان في المقابل نجد رفضاً من جانب الإخوان لهذا القانون الذي يقوي من صلاحية معسكر المجلس العسكري المتحالف مع نزلاء طرة وحلفائهم في البرلمان كما يضعهم في موقف حرج أمام قواعدهم في حال الموافقة عليه.

وكذلك محاولة المجلس العسكري إثبات وجوده داخليا وخارجيا عبر افتعال أزمة منظمات المجتمع المدني في محاولة لكسب الشارع لصفه بافتعال بطولة وهمية، وبجانب ذلك أيضا إيصال رسالة للأمريكان أن "نحن لا زلنا هنا ولا يصح تجاوزنا".

أعمدة الصراع الاجتماعي

ثانياً، هناك مستوى آخر من الصراع هو الأعنف والأكثر راديكالية مابين الطبقة الحاكمة بجناحيها المتصارعين على الغنائم، وبين التيار الهادف إلى تحقيق تغيير حقيقي وجذري في علاقات الإنتاج وتوزيع الثروة داخل هذا البلاد.

1- الطبقة العاملة التي تصاعدت موجة احتجاجاتها بشكل واضح في الفترة السابقة فاتحة الطريق أمام إضراب عام يتشكل من أسفل لأعلى، وعلى أثر ذلك تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات لحصار هذا التقدم العمالي منها مرسوم بقانون تجريم الاعتصامات والإضرابات، والذي كان أول المراسيم التي أصدرها المجلس العسكري وأيدتها جماعة الإخوان المسلمين بكل قوة عبر مهاجمة المرشد للاحتجاجات الاجتماعية ووصفها بـالدعوات الخبيثة واعتبارها ضمن حملات تشويه الثورة التي تسعى للضغط على حياة الناس ليضيقوا ذرعا بالحال والركود ويتمنون الخروج من الأزمة ولو بعودة الأنظمة البائدة.

كما يسعى الإخوان إلى تمريرمشروع قانون جديد عبر مجلس الشعب، أشد من سابقه وينص على أن "تقوم كل محافظة من محافظات مصر بتحديد مكان معروف للتظاهر". كما ينص المشروع علي إبلاغ الداخلية بميعاد ومكان الاعتصام قبله بـ 48 ساعة ومن يخالف ذلك يعطي الحق للأمن بفض الاعتصام باستخدام العنف في حدوده الدولية. أما فيما يخص الإضراب، فاشترط مشروع القانون "تظاهر ثلثي العاملين بالمنشأة ويبقى العاملين بالمنشأة، ويبقى الثلث الآخر يدير الإنتاج، وفي كل الأحوال لا يجوز تعطيل المنشأة أو الإضرار بالاقتصاد الوطني.

كما عمد تعطيل المجلس العسكري لقانون الحريات النقابية، والذي أقره عصام شرف، بل والتأجيل المتعمد للانتخابات النقابية علي كل المستويات، وعودة اتحاد حسين مجاور لقيادة اتحاد العمال العام مع تعيين بعض من رجال الإخوان كأعضاء بالاتحاد، وكانت أولى قراراته في ديسمبر الماضي هو قرار جمعية عمومية بتأجيل الانتخابات لستة أشهر أخرى. وحين تم الطعن على القرار أمام المحكمة، كان مرسوم القانون من المجلس العسكري مباشرة بتأجيل الانتخابات لستة أشهر أيضاً. وهكذا صار من الواضح تعمد إبعاد الطبقة العاملة عن صياغة الدستور القادم وكذلك نزع سلاح التنظيم المستقل عن طبقة عاملة تبدو بوادر استعدادها لخوض مرحلة الإضراب العام.

2- الحركة الطلابية: يحاول وزير التعليم العالي وطلاب الإخوان المسلمين إجهاض الحركة الطلابية في الجامعات، واغتيال طموح طلاب مصر في جامعه حرة مستقلة، وذلك بإصدار قرار نهائي بإجراء الانتخابات وفقاً للائحة القديمة لائحة 79 "لائحة أمن الدولة" وفتح باب الترشح، الأحد (18 مارس)، بدعم وتأييد كامل من طلاب الإخوان.

3- شباب الألتراس فقد وُجهت لهم ضربة قوية في أحداث بورسعيد في محاولة لكسر إرادتهم وتشويه صورتهم أمام الشارع، باعتبارهم مجموعات من البلطجية أو الشباب الطائش، وأيد ذلك تقرير البرلمان الذي ألقى باللوم الأكبر في أحداث بورسعيد علي ثقافة ألتراس أهلاوي ومصراوي.

النخبة الثورية من نشطاء وأعضاء منظمات مجتمع مدني المستمرة في مناهضة وفضح المجلس العسكري وممارساته القمعية وتحالفاته مع الإخوان والسلفيين وبدأت محاولات حصارها من اليوم الأول للثورة بعدة وسائل. الأولى بشكل قانوني حيث قانون تشكيل الأحزاب السياسية، الذي وضع عقبات تنظيمية وتمويلية ضخمة لم توجد حتي في عصر مبارك لشباب الثورة لإشهار أحزابهم، وكذلك إصراره على استمرار كافة مؤسسات الدولة القديمة واستمرار العمل بقانون ممارسة الحياة السياسية وتوسيع مساحة الدوائر في الانتخابات البرلمانية مما وضع عقبات ضخمة أمام المشاركة في الانتخابات البرلمانية والحيلولة دون دخول الثوار البرلمان.

الثانية إعلامياً، عبرمهاجمة الثوار في بعض القنوات بشكل مباشر كما في التلفزيون المصري والمحطات التابعة للمجلس العسكري والمخابرات الحربية أو تحويل الثوار إلى أصحاب وجهة نظرة في بعض القنوات الأخرى في مواجهة وجهة نظر المواطنين الشرفاء من مؤيدي المجلس العسكري وبقايا النظام السابق. بجانب تكميم أفواه من تبقي من الإعلاميين الشرفاء مثلما حدث لدينا عبد الرحمن في قناة دريم ثم التحرير وما حدث لمعتز مطر في قناة مودرن حرية والبلاغات ضد يسري فوده وريم ماجد، إلخ.

ثالثاً، الملاحقات القضائية المتتالية للنشطاء وأعضاء منظمات المجتمع المدني وآخرها ما يحدث لأحمد دومة والحكم بعام ضد أسماء محفوظ والبلاغ المقدم ضد مجموعة من السياسين ضمنهم علاء الاسواني وسامح نجيب والمحاكمات العسكرية التي وصلت إلى 12 ألف محاكم عسكرياً، معظمهم من المهمشين والنشطاء الغير معروفين إعلامياً.

وأخيراً أحداث حالة الانفلات الأمني والضائقة الاقتصادية التي تدفع الجماهير إلى الضيق بالثورة والثوار، ومحاولة استعادة شعارات الاستقرار والأمان والتي طالما رفعها النظام السابق وكانت مبرر لكل المماراسات القمعية التي قام بها من قبل.