بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإصلاح الوطني في مصر رهن بقيام ائتلاف وطني جامع مناهض للنظام الراهن

تمهيـد:

قطعًا لن يسمح نظام الحكم الراهن طواعية، بإفساح الساحة المجتمعية وإتاحة الشرط الابتدائي لبدء مسيرة الإصلاح السياسي العميق، من خلال قيام مجتمع مدني قوي وفعال – بالمعنى الواسع الذي يشمل وسائل الإعلام والأحزاب – يقود مسيرة الإصلاح، ونقصد الاحترام البات للحريات المفتاح للرأي والتعبير والتنظيم، خاصة الأخيرة.

والسبب واضح وبسيط فالخسارة الحتمية في نصيب الثلل المتنفذة في هيكل القوة المختل الراهن من القوة (بوجهيها السلطة السياسية والثروة) نتيجة لإعادة توزيع القوة لمصلحة الشعب عامة وإقامة نسق حكم مؤسسي صالح – وهما محورا الأساس لأي إصلاح عميق يتوخى التحول نحو مجتمع الحرية والحكم الصالح. هذه الخسارة من الجسامة بمكان بحيث ستسعى الثلل المتنفذة حاليًا إلى تفاديها إن أمكن أو تأجيلها إلى أبعد مدى زمني ممكن. وليست هذه الخسارة إلا تعبيرًا عن الظلم الفادح الذي يوقعه هيكل القوة الراهن على الشعب عامة، بحرمانه من نصيبه العادل من القوة، والغبن الأكيد المضمر في استئثار القلة المتنفذة بالنصيب الأكبر من القوة في المجتمع على قلة عددها وضعف مساهمتها في إنتاج مقومات القوة والرفاه في المجتمع.

والخشية أن عمد الحكم الاستبدادي الراهن ستسعى إلى تشديد قبضة القهر بحجة الأمن والاستقرار تعلة وغطاء لمحاولتهم الاستمرار في الاستئثار بالقوة ظنًا منهم أنها ستدوم ما اشتدوا في قهر الناس والمقاومة المتصاعدة، ناسين أو متناسين الحكمة العربية القديمة “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك” وجاهلين بدروس التاريخ القديم والمعاصر. وهذا شأن الطواغيت دائمًا بمنون النفوس بإحكامهم القبضة، حتى تميد الأرض من تحت أقدامهم بلا راد لها.

والخوف، كل الخوف، أن هذا التوجه المكابر يعني، في حليلنا إقحام البلد في دوامة العنف المدمر التي يطلقها بديل “الخراب الآتي) لمستقبل المصر. مأساة هذه الثلل المهيمنة في أنظمة الحكم الاستبدادية الراهنة أنه محكوم عليها لا مناص. ومأساة الأوطان أن تظل هذه الثلل سادرة في غيها، قابضة على نصيبها الظالم من القوة ولو انتهى الأمر بخراب مقيم.

فقدر الطغاة كان دومًا التشبث بالعروش إلى أن يُقضوا عليها وإن أدى ذلك على القضاء على الأخضر واليابس. وهنا تكمن مأساة الأوطان الواقعة تحت حكم الطواغيت، وتتبلور المهمة الوطنية الأولى للنخب الوطنية في منع هذا البديل الكارثي بالسبل السلمية كافة.

على النقيض، إن تفادي المآسي التي يمكن أن تحل بالوطن وفق هذا البديل الكارثي يقع على عاتق النخب الوطنية المخلصة والمناصرة للحرية، وستفلح فيه أكيدًا إن نجحت في إقامة ائتلاف مناهض للاستبداد، إنهاء لحالة التمترس والتناحر – التي تغذيها أنظمة القهر بين فصائل المعارضة الوطنية إضعافًا لهذه الفصائل وإجهاضًا لقدرتها على التغيير. عندها يمكن لائتلاف الحرية هذا أن يدير مرحلة نضال افتتاحية تمهد لبدء مسيرة الإصلاح في العمق، مبدعًا أثنائه تقاليده النضالية الخاصة.

فحوي هذا المشهد المفتتح لمسيرة الإصلاح الوطني، التصعيد المطرد، بجميع الوسائل السلمية، لوتائر العصيان السياسي والمدني، وصولاً إلى العصيان المدني الشامل، كوسائل للضغط على نسق الحكم الراهن حتى لا يجد سبيلاً إلى التسليم بعدم مقاومة حركة الإصلاح. ويندرج تحت هذا المشهد على وجه الخصوص المطالبة، المثابرة والمتصاعدة، بانسحاب شخصيات معينة تعد من عمد نسق الحكم الاستبدادي، من الساحة العامة. ويمكن أن يزيد احتمال ذلك الانسحاب بعقد محاكمات شعبية لعمد نظم الحكم الحالية المتورطين في التنكيل بالشعب والفساد.

ولكن المستقبل الذي ستخبره الأمة في السنين القادمة سيتوقف في المقام الأول، على أفعال القوى الحية في المجتمع منذ الآن. ودعوتنا هي ألا تتوانى القوى المجتمعية العربية المناصرة للحرية عن دورها التاريخي في قيادة مسيرة الأمة صوب مجتمع الحرية والحكم الصالح.

والاستنهاض موجه، على الخصوص، لفئة المثقفين التي لم ترق حتى الآن المكانة “انتليجنسيا” تحريرية، في تأرجحها بين السلطة والشعب، وتفضيل كثير منها للقطب الأول وقوعًا بين فكي الترهيب والترغيب، بحيث تقاعست عن امتشاق دورها التحرري كضمير للأمة وطليعة لنضالها من أجل الحرية. وستزداد فرص مسيرة الحرية والحكم الصالح بإقامة تحالفات قوية بين جميع القوى الوطنية المناهضة للاستبداد في مواجهة طاغوت الاستبداد وخدامه زبانية القهر وأساطين الفساد، بجميع أشكاله.

إذ عندي أن مسيرة الحرية في الوطن العربي لا يجب أن توكل إلى شريحة اجتماعية معينة دون غيرها. على العكس، أرى أن كل شريحة اجتماعية تضم عناصر فاعلة، خاصة في شريحة الشباب، وأخرى خاملة، في منظور الحس الوطني والرغبة في النضال من أجل الحرية، والقدرة على تجشم مشاقه وتحميل تكاليفه. ومن ثم فإن الإمكان التحرري الأكبر يسكن في نظري تحالفًا ينشأ رأسيًا في منظور التقسيم الاجتماعي، بين العناصر الفاعلة في الشرائح الاجتماعية كافة. ويمكن أن يقوم الاستخدام الكفء لتقانات المعلومات والاتصال الحديث بدور الرابط عبر التقسيمات الرأسية للبنية الاجتماعية في أشكال من التنظيم الشبكي غير القاصر على الأشكال الهرمية التراتبية التقليدية. وفي حركة “كفاية” مثلاً في مصر مثال في تقديري على هذا التحالف عبر الطبقي، خاصة بين الشباب، واستغلال تقانات المعلومات والاتصال كليهما، إذا أفلحت في تفادي الوقوع في فخ الفوضى.

البديل المرغوب لنظام الاستبداد والفساد الراهن:

يتمحور البديل المرغوب حول إقامة نظام حكم جمهوري برلماني يقوم على المؤسسات التي تمثل الشعب بالكامل، عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتتميز بالشفافية وتخضع للمساءلة، تحت سيادة قانون حام للحرية يقوم عليه قضاء مستقل قطعًا. ويتم التوصل إلى مثل نسق الحكم هذا عبر عملية تفاوض سلمية تستهدف إعادة توزيع القوة (السلطة / الثروة) لمصلحة عامة الناس وبناء نسق حكم مؤسسي صالح.

ولن تكون مسيرة الإصلاح الوطني يسيرة بسبب صعوبة الوضع الابتدائي الموصوف أعلاه، وبسبب إصرار الحكم الاستبدادي الراهن، على ما تدل الشواهد، على التمسك بمقاليد القوة (السلطة والثروة) وإن كان الثمن خراب البلاد وعذاب العباد.

وهنا يتعين أن يكون واضحًا أن الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرًا ليست إلا معركة واحدة في حرب القوى الوطنية المكافحة من أجل الحرية مع نظام الاستبداد والفساد القائم، مما يستدعي أن تتكاتف القوى الوطنية المعارضة لهذا النظام في برنامج للإصلاح الوطني تتصاعد وتائره حتى يوم ينهار، وهو منهار لا محالة ما اجتمعت الفصائل الوطنية كافة، مجتمعة، على مقاومته بشتى الوسائل وصولاً إلى العصيان المدني الشامل.

ويظل أحد الأركان الركينة لبرنامج الإصلاح الوطني ضمان الاستقلال التام للقضاء وتمكينه من الإشراف المباشر بالكامل على جميع الانتخابات. ويكمله إنهاء العمل بقوانين الطوارئ والإفراج عن المعتقلين السياسيين وسجناء الضمير كافة، ووضع برنامج للإصلاح الدستوري المؤسس لضمان حرية الوطن والمواطن، وإقامة نظام حكم صالح تكون السيادة فيه للشعب، على أساس ضمان حقوق المواطنة للجميع غير منقوصة.

ملامح برنامج عمل لائتلاف وطني جامع للإصلاح الوطني:

ينقسم برنامج العمل المقترح للتحالف إلى شقين متضافرين يتناغمان في برنامج متكامل للإصلاح الوطني يحبذ أن تتبناه منظومة جامعة للقوى الوطنية المعارضة لنظام الحكم الراهن:

الأول عاجل وقصير الأجل نسبيًا، وينصب على نشاط المعارضة الوطنية لنظام حكم الاستبداد والفساد ما بقي متمسكًا بالحكم بهدف زعزعة أركانه، وصولاً إلى تقويضها، بالتآزر مع تصاعد وتائره العمل على الشق الثاني.

والثاني بنيوي وطويل الأجل نسبيًا ويستهدف العمل على إزاحة نظام حكم الاستبداد والفساد الراهن وإقامة نظام حكم صالح بديل يقوم على إصلاح دستوري واسع وعميق وإقامة بنية مؤسسية لنسق من الحكم الممثل لعموم الناس والخاضع للمساءلة الفعالة من قبلهم، بحيث تستقر السيادة كاملة للشعب، في ظل سيادة قانون يحمي الحرية، ويطبق على الجميع على حد سواء، ويسهر على نفاذه قضاء مستقل حقًا.