بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإسلاميون والدولة ضد الأقباط

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تلجأ فيها العناصر الإسلامية المسلحة للقتل العشوائي للأقباط كما حدث في أسيوط مؤخرا حين فتح مسلحون النار على المارة في عزبة الأقباط بقرية العثمانية مركز البداري ليقتلوا ثمانية بينهم ستة من الأقباط وأثنين من المسلمين كانوا موجودين بالصدفة، حيث أنه من المعروف أن كل سكان العزبة من الأقباط.

والحادث الآخر هو ما حدث في قرية كفر دميان بالشرقية، حين احتشد الآلاف وحاولوا اقتحام الكنيسة ومنزل راعي الكنيسة، وحين فشلوا قاموا بحرق وتدمير منازل الأقباط فدمروا 41 منزلا. وكان السبب هو انتشار أخبار تدعي أن راعي الكنيسة يقوم بتوسعات داخلها.

ويعد حادث أسيوط نتيجة طبيعية للتكتيك الذي تتبعه جماعات الإسلام المسلح في حربها ضد الدولة، فتلك الجماعات توجه أسلحتها ضد المصالح الحكومية والشرطة، ولكن كما ذكرنا من قبل على صفحات هذه المجلة، فإن سياسيات “الإرهاب الفردي” لا يمكن أن تحقق نتائج إيجابية في مواجهة مؤسسة الدولة البرجوازية التي تمتلك جيوشا منظمة لحماية سلطتها، وأن سياسة المواجهة الفردية تعزل الجماهير عن الفعل السياسي والمشاركة في التغيير، وغالبا ما تؤدي إلى عزلة من يتبنون تلك السياسات وتسهل من مهمة الدولة في حصارهم والقضاء عليهم.

ونجد أن هذا هو ما حدث في المواجهة بين الجماعات الإسلامية وبين الدولة، فبالنظر في أرقام القتلى في سنوات المواجهة الثلاث نجد أنه خلال عام 93 بلغ عدد القتلى من الشرطة 84 في مقابل 59 من العناصر الإسلامية، وبعدها مال الميزان لصالح الأمن عام 94، ليصل عدد القتلى إلى 105 من الشرطة مقابل 135 من الإسلاميين، وفي عام 95 تأكد تفوق الشرطة حيث بلغت حصيلة المواجهة 97 فقط من رجال الشرطة في مقابل 187 قتيلا من صفوف الإسلاميين.

وهكذا فإن الجماعات الإسلامية عندما تواجَه بقوة الآلة القمعية للدولة فإنها توجه نيران أسلحتها نحو أهداف أسهل “عسكريا” وهذا ما يفسر ازدياد عدد القتلى من المواطنين خلال عام 95 حيث بلغ 91 قتيلا. وبالطبع يشكل الأقباط هدفا نموذجيا لجماعات الإسلام السياسي، فهي من ناحية تحرج الدولة التي ستتعرض لضغوط خارجية من أطراف عديدة تتهمها بعجزها عن حماية الأقليات، كما ستلاقي هذه العمليات صدى إعلاميا في الصحف الغربية مما قد يزيد الضغط على الموارد السياحية للدولة.

ومن ناحية أخرى فإن قتل الأقباط يحقق هدفا أيديولوجيا للجماعات، حيث يمكنها من الادعاء أنها مازالت قادرة على أن تحارب “الكفرة” وأنها تعمل على تحقيق العودة للإسلام “الصحيح” وخضوع غير المسلمين للدولة الإسلامية.

أما حادث كفر دميان بالشرقية فليس مؤامرة من تدبير الجماعات الإسلامية كما تدعي الدولة، ولكن نتيجة حتمية للسياسة البرجوازية السائدة التي تسعى دائما إلى تفتيت جبهة المقهورين حتى لا تتوحد في مواجهة تلك البرجوازية. هنا يصبح اختلاف الديانة مبررا للعداء، ويصبح الأقباط في مصر أقلية عليها الخضوع ومن وقت لآخر يمكن استخدامها ككبش فداء حين يحتدم الصراع الطبقي. هذه هي نفس الإيديولوجية التي تضع النساء في مواجهة الرجال، وهي السياسة التي تتبعها الدولة بوسائل عديدة رغم الكلمات المنمقة التي يتشدق بها رجالها حول الوحدة الوطنية.

والمقهورين قد ينقلبوا على إخوانهم المقهورين إذا اشتدت عليهم وطأة الأزمة والمعاناة، فالمسلم الفقير قد يجد بعض العزاء في أن يرى وضعه المتردي “أفضل” من مثيله المسيحي -ففي رأيه يرضى لكونه على الأقل في بلد إسلامي.

وبالنسبة للحكومة والدولة البرجوازية بشكل عام فهذا يناسبها تماما ولهذا، وبمنطق ما، سنجد أن سكان كفر دميان هبوا لتطبيق القانون “الرسمي” الذي تتمسك به الدولة القائمة، فقانون “الخط الهمايوني” الذي يحدد كيفية التعامل مع أقباط مصر، يحظر عليهم بناء أي كنائس جديدة، وتوسيع أو تجديد الكنائس القائمة أو حتى إجراء أي إصلاحات بها إلا بقرار جمهوري.

الخطورة الرئيسية في مثل هذه الانقسامات، المسلمون والأقباط في مصر، أو البيض والملونين في أوروبا وأمريكا، والسيخ والهندوس والمسلمين في الهند، وكلها تبنى على أساس غير الوضع الطبقي في أنها تفتت من وحدة الطبقة العاملة وتهدد قوتها، فمن ناحية تدفع العمال المنتمين للغالبية، مثل المسلمين في مصر، إلى قمع أقرانهم والتعالي عليهم واضطهادهم وبالتالي تفقد هذه الغالبية قدرتها على تحرير نفسها، فقدرة أي شخص على تحرير نفسه مرتبط بتحرره من قمع أو اضطهاد الآخرين، وهذا هو المنطق الذي دفع لينين لدعوة العمال الروس لتأييد إعطاء حق تقرير المصير للمستعمرات القيصرية، فقد أدرك أن قدرة العامل الروسي على التخلص من قمع البرجوازية متوقف على تخلص هذا العامل من قمعه لقرينه البولندي.

ومن ناحية أخرى، تدفع أولئك المنتمين للأقلية إلى التقوقع والانطواء تحت لواء ما يجمعهم، الدين أو اللون أو العنصر، ويفقدون تضامنهم مع رفاقهم العمال، ويرون الحل في تحالفهم مع أمثالهم المنتمين للبرجوازية -تحت زعامة الكنيسة مثلما في مصر- أو يرون أن الاضطهاد واقع لا مفر منه ولا سبيل للتغلب عليه.

وعلينا، كاشتراكيين ثوريين أن نقف في وجه أي محاولة لتفتيت وحدة الطبقة العاملة والمقهورين بشكل عام، علينا فضح أساليب وسياسات الحركات الإسلامية والتشهير بها بتوضيح أن مثل هذه الأساليب لا تحقق ولن تحقق شئ للطبقات المقهورة. وأن الإسلاميين في هذا الموقف يقفون في صف الدولة، العدو الرئيسي، التي لا تمانع كثيرا في أن تتوجه أسلحة الجماعات تجاه فقراء الأقباط، فهذا يعني ابتعادها عن مصالح تلك الدولة، وفي نفس الوقت تضمن للدولة أن السخط والغضب من العمال والمقهورين لن يوجه ضدها. وأخيرا يكون باستطاعتها استخدام مثل تلك الأحداث لتعميق القمع ضد الإسلاميين أنفسهم خاصة وضد كافة القوى المعارضة بشكل عام.

ومن ناحية أخرى علينا فهم ومواجهة الأسباب التي تدفع العمال أو المقهورين لاضطهاد أقرانهم المقهورين من طائفة أخرى، وفهم أن مواجهة هذه الاتجاهات لا يكون بترديد الشعارات الطنانة حول الوحدة الوطنية أو عن النسيج الواحد للأمة، وأن المواجهة الممكنة هي بتنظيم العمال من كل الطوائف والتقسيمات في نضال واحد ضد الاستغلال والاضطهاد معا، ومثلما يقف العمال صفا واحدة في مواجهة تعنت الإدارة واحتجاجا على تردى أحوالهم، فلا بد أن يناضل العمال المسلمون ضد قمع الأقباط مثلما أن يقف جميع الرجال مع حقوق نساء العاملات عندما يناضلن من أجلها.

وعلينا أخيرا أن نؤكد أن الطريق الوحيد للقضاء على كل أشكال القهر والاضطهاد سواء الاقتصادي أو الديني أو الجنسي أو العنصري هو طريق الثورة العمالية التي توحد نضال كل المضطهدين ضد الدولة البرجوازية والمجتمع الرأسمالي.