التعذيب مستمر حتى تطهير الأجهزة الأمنية
على الرغم من أن التعذيب الممنهج الذي تبنته الشرطة في عهد مبارك كان أحد الأسباب الرئيسية المفجرة للثورة، وأن مطلب الكرامة الإنسانية للمواطن المصري كان أحد الأهداف الرئيسية للثورة مع الحرية والعدالة الاجتماعية، إلا أن بعد تسعة أشهر من الثورة يمكننا القول أن التعذيب مازال هو المنهج وأن الكثير من كرامة المصريين مازال مهدراً ليس فقط على يد رجال الداخلية ولكن أيضاً رجال الجيش.
فإذا كنا جميعاً نتذكر قبل الثورة فيديوهات التعذيب التي تناقلها المصريون بعد تسريبها للعديد من المواقع الإلكترونية، وأشهرها تعذيب عماد الكبير وهتك عرضه، وكذلك صور أيقونة الثورة خالد سعيد بعد قتله وتعذيبه على يد إثنين من جلادي الشرطة، وصورة سيد بلال الذي تسبب التعذيب في موته بعد محاولة ضباط أمن الدولة إلصاق تهمة تفجير كنيسة القديسين به، فإننا كذلك لن ننسى جرائم التعذيب المستمرة بعد الثورة والتي رصدتها المراكز الحقوقية للمئات من المواطنين إما على يد الجيش من ضرب وسحل وهتك عرض وكشوف عذرية سواء في ميدان التحرير أو أمام السفارة الإسرائيلية أو في السجن الحربي، أو على يد بلطجية الداخلية المستمرين في نفس أساليب عهد الإستبداد، بداية من الفيديو الشهير لمدير أمن البحيرة اللواء مجدي أبو قمر عقب سقوط مبارك بأيام والذي يرفع من الروح المعنوية لجنوده وضباطه بتأكيده أن الشرطة هم أسياد البلد ويطالبهم بضرب المواطنين بـ"الجزمة"، مروراً بالإعتداء على أهالي الشهداء عند مسرح البالون وسب وضرب المتظاهرين يومي 28 و 29 يونيو والمشهد الشهير للضابط الراقص بالسيف وكذلك الفيديو الذي انتشر مؤخراً لمشاركة عناصر من الجيش والشرطة يتناوبون التعذيب والضرب والصعق بالكهرباء لاثنين من المواطنين المتهمين بحيازة سلاح. وأخيراً، ضحية سجن طرة، عصام عطا، الذي يتهم أهله وزملاؤه ضباط السجن بتعذيبه حتى الموت لتهريبه شريحة محمول. في نفس التوقيت تقريباً: ضحية الشيخ زايد معتز، ذلك الشاب الذي أطلق عليه ضابطين النار وقاموا –حسب الشهود- بخلع لوحات سيارته المعدنية للإيهام بكونها مسروقة.
إلى هذا الحد هانت حياة وكرامة المصريين، ولم لا تهون وعلى رأس السلطة مجلس عسكري كذوب أصرّ لشهور طويلة على تكذيب شهادات وفيديوهات التعذيب الذي يلاقيه المصريون من العسكر إلى أن اضطر نتيجة سطوع الحقيقة والضغوط الدولية إلى الاعتراف بها مؤكداً "اهتمام سيادة المشير شخصياً بالتحقيقات". ولم لا تهون وقاتلي خالد سعيد يتم الحكم عليهم بسبع سنوات فقط، وكبير الأطباء الشرعيين الذي زوّر نتيجة التشريح حر طليق. أما اللواء أبو قمر والمتهم بقتل المتظاهرين فتم نقله لموقع آخر بعد ترقيته ومازال ينعم بالحرية مثل باقي السادة الضباط وأمناء الشرطة المتهمين بقتل شهداء الثورة. ومن جانب السيد منصور العيسوي فمازال ينفي وجود القناصة، بينما ينشغل باسترضاء رجال الشرطة.
وبالرغم من السجل الملوّث والحافل بالانتهاكات بعد الثورة من قبل الشرطة العسكرية والداخلية، إلا أننا لم نسمع عن نتيجة تحقيق واحد أدى إلى عقاب مرتكبي أي من تلك الانتهاكات حتى يكونوا عبرة لزملائهم.
وليس عجيباً أن أغلب من رصدت المراكز الحقوقية تعرضهم للانتهاكات والتعذيب هم من فقراء هذا الوطن الذين يدفعون ثمن فقرهم ظلماً مرتين؛ مرة نتيجة غياب العدالة الاجتماعية ومرة نتيجة غياب الكرامة الإنسانية، ولكن العجيب هو عدم إيمان البعض بأن التعذيب مرفوض بأي صورة حتى لو كان لتاجر مخدرات أو لبلطجي يحوز سلاحاً بلا ترخيص، وهذا بالمناسبة ما تنص علية الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والتي وقعت عليها مصر.
إن غياب الإرادة السياسية لإرساء حقوق الإنسان والتطهير الحقيقي للداخلية وحماية كرامة المواطن هي السبب الرئيسي لاستمرار التعذيب. وليست تجربة جورجيا الشهيرة لمواجهة فساد الشرطة بعد الثورة ببعيدة؛ فلقد تم فصل ثمانية عشر ألف شرطي فاسد في يوم واحد، وتم بناء أقسام ذات جدران زجاجية للشرطة وتتواجد بها عناصر حقوقية للرقابة على تنفيذ حقوق الإنسان، وتم تعيين شباب واعٍ بحقوق الإنسان في جهاز الشرطة مع عمل حملة لتوعية المواطنين بحقوقهم.
إذن فالتطهير ممكن والتجارب عديدة في ذلك، لكن يبدو أن الأمر لا يتوقف فقط على الإرادة السياسية لإرساء الحقوق أو تطهير الأجهزة الأمنية، فأحد الوسائل التي تستخدمها الطبقة الحاكمة – عن عمد – لإحكام قبضتها على الأمور وإجهاض أي تغييرات جذرية قد تحققها الثورة، هو إرهاب الثوار أنفسهم في محاولة لإثنائهم عن طريقهم، إما بالقمع المباشر أو بالتعذيب الوحشي الذي يصير منهجياً وليس مجرد سلوك مكروه من هذا الضابط أو ذاك.
ولم يشتهر نظام مبارك بإرهاب الشعب وتعذيب معارضيه فقط، بل أيضاً بتعاونه في تعذيب بعض سجناء أمريكا في جوانتانامو، والذين كانت الطائرات تحملهم إلى مصر ليتم تعذيبهم بهدف انتزاع الاعترافات منهم في عهد السيد عمر سليمان. واليوم يوفر المجلس العسكري وحكومته كل الحماية لاستمرار الاستبداد الذي يضمن استمرار النسخة الجديدة من نظام مبارك واستمرار تحكم نفس الطبقة المسيطرة على مجريات الأمور، وذلك في ظل الصمت الرهيب عن التعذيب بعد الثورة من جانب تجار الدين وأغلب الأحزاب الليبرالية المنشغلة بالهرولة في سباق تقسيم كعكة السلطة.
إن كسر ذراع الاستبداد الأمنية وتقويض سطوتها شرط أساسي لتلك الثورة حتى تستمر وتنجح في استرداد مصر من العصابة الحاكمة المتمثلة في تحالف ديكتاتورية العسكر ورأس المال، ولن تنجح أي محاولة لتطهير الأجهزة الأمنية مالم تحقق المطالب التالية كبداية:
1. إقالة وزير الداخلية منصور العيسوي.
2. إلغاء جهاز الأمن الوطني.
3. محاكمة كل المتورطين في وقائع القتل والتعذيب الأخيرة من رجال الشرطة والجيش.
4. وقف كل مديرى الأمن والضباط المتهمين بقتل الثوار وتعذيب المواطنين عن العمل لحين انتهاء محاكماتهم.
5. عزل جميع الضباط والأفراد الصادرة ضدهم أحكام سابقة في قضايا تعذيب ومنعهم من العمل بوزارة الداخلية.
6. إخضاع جميع أقسام الشرطة والأجهزة الأمنية لإشراف قضائي مباشر ودائم لضمان حقوق المواطنين وحرياتهم.
7. اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل الضباط الممتنعين عن العمل بعد الثورة ووقف رواتبهم.
8. السماح لكافة المنظمات الحقوقية المصرية بتنظيم زيارات مفاجئة لأقسام الشرطة ومقار الاحتجاز للتأكد من عدم وجود أي انتهاكات بها، خلال ساعتين من إخطار النيابة العامة برغبتها في الزيارة.
9. إعادة هيكلة وزارة الداخلية وضمان الطابع المدني لعملها، واتخاذ الإجراءات العملية بأسرع وقت لإلحاق خريجي كليات الحقوق بها كضباط بعد عقد دورات تدريبية عاجلة لهم.





