بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التغيير القادم.. كيف نصنعه؟

“الحملة المصرية ضد التوريث”.. “ائتلاف مصريين من أجل التغيير”.. “مصريون من أجل انتخابات حرة”.. “مصريون من أجل التغيير”، كلها حركات وتجمعات بدأت في الظهور من جديد في الأسابيع الأخيرة تتعلق كلها بقضايا الانتخابات البرلمانية والرئاسية والتوريث، وتشترك فيما بينها في أسماء الكثيرين من مؤسسيها، وإن كان أشهرها حتى هذه اللحظة هي الحملة المصرية ضد التوريث رغم انفجارها من الداخل بسبب قبول أيمن نور حضور مؤتمر عن الديمقراطية في الشرق الأوسط بدعوة معهد كارنيجي الأمريكي مما أدى إلى انسحاب العديد من القوي السياسية من الحركة أبرزها حركة كفاية، كل هذا يعيد إلى الأذهان مرة أخرى صورة الوضع القائم في أعوام صعود حركة التغيير من 2004 وحتى منتصف 2006، ليعود السؤال مرة أخرى حول هل ستنجح حركة التغيير هذه المرة فيما لم تنجح فيه منذ ثلاثة أعوام؟ إجابة هذا السؤال مرهونه بالأساس بالإجابة على سؤالين أخرين، هما أي تغيير نريده ولماذا نعادي التوريث أصلاً؟ وكيف يمكن تحقيق هذا التغيير؟

إن مشكلة التوريث ليست فقط في أن جمال مبارك سيرث السلطة عن والده في مسرحية هزلية اسمها انتخابات الرئاسة، فقد نفاجأ بأن جمال ليس هو المرشح القادم للحزب الوطني، وأن الحزب قد رشح غيره، ربما مبارك نفسه لفترة رئاسية سادسة وربما مدير المخابرات عمر سليمان وربما شخص أخر غير كل هؤلاء. المشكلة هنا في أن التوريث أيا كانت صورته، سواء كان لابن الرئيس أو لغيره سيعني استمرار النظام القائم دون أي تغيير في طبيعته أو سياساته، استمرار نظام يهيمن عليه رجال الأعمال ويدير البلاد لصالح أقلية من ساكنيها، نظام يدهس حياة الفقراء والكادحين، نظام يسمح بإنفاق المليارات سنوياً على بناء مدن الصفوة المغلقة على ساكنيها في الوقت الذي يسكن فيه سكان الدويقة – أو من بقي منهم على قيد الحياة – عدة أسر في شقة واحدة لا تتجاوز مساحتها أصلا الـ50 متر، نظام يسمح باستغلال العمال أبشع استغلال من قِبل المستثمرين الذين سلمتهم الدولة لهم دون حفظ حقوقهم، نظام تتدني في عهده كل الخدمات المقدمة للفقراء من تعليم وعلاج ومواصلات وغيرها من خدمات تتأهب الدولة الآن لخصصتها.

فالقضية هنا ليست في أن وراثة جمال مبارك أو غيره للسلطة ستعني كسراً للديموقراطية وإهداراً لها وفقط، بل إنها ستعني استمرار السلطة القمعية والنظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ينتج فقراً واستغلالاً كما هو دون تغيير، مواجهة التوريث هنا يجب أن تكون بهذا المضمون الذي يشمل تلك الرؤية الاجتماعية للقضية، وهذا هو الضامن الوحيد لكي تشارك الجماهير التي خرجت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية في أكبر حركة اجتماعية احتجاجية منذ الأربعينيات في معركة التغيير، فجمهور الحركة الاجتماعية والعمالية لن يروا في مناهضة التوريث قضية ذات شأن بالنسبة لهم إلا إذا تم الربط بينها وبين استمرار السياسات التي أدت إلي إفقارهم، فاستمرار الحزب الوطني ومرشحه أيا ما كان في السلطة يعني استمرار سياسات الليبرالية الجديدة من خصخصة ورفع للدعم عن الخدمات الاجتماعية وخلافه.

هذا هو التغيير المنشود وهذه الطريقة لتحقيقه، فالتغيير يجب أن يتم بواسطة الجماهير وبواسطة الحركة الضاغطة من أسفل ولصالحها، والإشكالية هنا ليست في إيجاد وجه يصلح للانتخابات الرئاسية والبحث عن حزب لينضم إلي هيئته العليا ويترشح في الانتخابات القادمة، فهذا لا يضمن أي شيء، ولن يعني إلا تكرار سيناريو انتخابات 2005، ولكن الإشكالية الحقيقية تكمن في خلق الحملات واللجان والجبهات اللازمة لدمج جماهير الحركة الاجتماعية في معركة التغيير وفق المضمون والرؤية الاجتماعية السابقة، الجهد الذي يبذله النشطاء والمهتمون بالعمل العام وبقضية التغيير في الوقت الحالي من أجل حشد جمهور لهذا المرشح أو ذاك – وكأن تلك هي القضية – الأحرى أن يتم بذله في خلق الأطر والمشاريع التي توحد فئات الحركة الاجتماعية المختلفة على مطلب التغيير.

إن معركة التغيير المطروحة هنا لا تنتهي في اليوم التالي لإعلان نتيجة الانتخابات، فرفض التوريث – بمعنى استمرار نظام الحكم الحالي بسياساته الاقتصادية والاجتماعية والقمعية– معركة تستمر لما بعد الانتخابات، فصندوق الانتخاب هنا لن يكون الحكم أو الفيصل، بل هو الشارع والمصنع والجامعة والنقابة، من هذه الزاوية يمكننا أن نفكر في التغيير القادم، وبهذه الطريقة يمكننا أن نصنعه.