بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المصرية بين الحكم العسكري وطموحات الجماهير

في يوم 30 يونيو خرج الملايين من الشعب المصري مطالبين بإسقاط محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في موجة ثورية هائلة؛ تسبب في اندلاعها معاناة الملايين طوال عام من حكم الإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع رجال نظام مبارك وخضعوا لمصالح السياسات الأمريكية من الاعتراف بمعاهدات السلام مع إسرائيل وتطبيق سياسات الليبرالية الجديدة واللجوء لقروض صندوق النقد الدولي، مما كان له الأثر في ازدياد إفقار أغلبية الشعب المصري وتراجع تحقيق مطالب الثورة.

لكن بالرغم من قوة الحركة الجماهيرية التي استطاعت أن تسقط جماعة بحجم الإخوان المسلمين إلا إنها تحمل بداخلها تناقضات خطيرة من عدم تنظيمها وطرحها لبديل جماهيري ثوري يسقط النظام بالفعل ليقدم البديل. هذا التناقض هو من الأسباب الرئيسية للإنقلاب العسكري على الإرادة الشعبية في 3 يوليو، وظهور السيسي حامي الثورة بل امتدت دعاية النظام لتظهر السيسي والمؤسسة العسكرية بأنهم صناع الثورة في ظل تهميش واضح لدور الحركة الجماهيرية.

أعطى التأييد الشعبي للسيسي الفرصة للسير بوضوح نحو عودة دولة مبارك بكل قوتها وترميم الشروخات التي أحدثتها الحركة الجماهيرية بداية من تعيين 17 محافظ جديد ذوي خلفية عسكرية، مرورا بلجنة دستور لاتمثل الثورة ومطالبها، لا في تركيبها ولا في توجهاتها بل تمثل الثورة المضادة، وبالطبع يتزامن ذلك مع صعود الثورة المضادة وعودة الداخلية لقمع أي تحرك شعبي تحت غطاء الحرب على الإرهاب ضد الإخوان الذي امتد ليشمل كل القوى السياسية المناهضة لحكم العسكر والتحركات الاجتماعية في المصانع، كما حدث في وبريات سمنود، ثم تشويه كل التحركات الاجتماعية والسياسية لتحويل الصراع بدلا من صراع بين ثورة وثورة مضادة إلى صراع ضد الإرهاب.
ما أثبتته الأيام الماضية أن الدولة العسكرية هي من تقوم بالإرهاب فهي من ارتكبت مجزرة أدت إلى سقوط 700 شهيد خلال ساعات، وهي من تقوم بموجة اعتقالات واستهداف النشطاء السياسيين واقتحام الجامعات وسقوط مزيد من الشهداء داخل الحرم الجامعي. بل وتجلى بوضوح هدف الدولة العسكرية في تصفية الثورة المصرية مستخدمة الغطاء الشعبي المؤيد للجيش والسيسي.

ولكن هل هذا التأييد مطلق؟ بالطبع لا، فتطور الثورة ليس بعملية تحدث بخطوات ثابتة، بل تأخذ تعرجات في غاية التعقيد خلال تطورها بالوعي الشعبي والخبرة الجماهيرية بما يقاس بحجم الأزمة وقدرة النظام الحاكم بمؤسساته وإعلامه على التأثير في وعي الجماهير، وفي بعض الأحيان قد يستطيع الحاكم خداع أغلبية الجماهير ويكسب دعمها للأفكار المحافظة حيث يتعرض الثوريين في ذلك الوقت لعزلة نسبية بسبب مواقفهم المبدئية لكنها في النهاية عزلة مرحلية، فالوعي لايرتد فجأة وبشكل متساوي بل حتى في ارتداده يوجد تناقضات.

لكن مع استمرار الأزمة الاجتماعية تزيد الفرص لتصاعد الحركة الجماهيرية مرة أخرى. فإن كان التأييد الشعبي للمؤسسة العسكرية مرتبط في أذهان أغلبية الشعب بمعنى الاستقرار، إلا أن مفهوم الاستقرار يختلف تفسيره من قطاع لآخر داخل الشعب، فمفهوم الاستقرار عند أغلبية الجماهير يعني حل الأزمات الاجتماعية كتشغيل العاطلين وفتح المصانع المغلقة وإطلاق الحريات، أما مفهوم الاستقرار بالنسبة إلى النظام الحاكم، بقيادة السيسي وكبار رجال الأعمال، فهو القضاء التام على الثورة المصرية وأي مكسب استطاعت تحقيقه مثل الحق في التظاهر أو الإضراب، وبالفعل فتحالف كبار رجال الأعمال الآن مع السيسي هو تحقيق الاستقرار لمصالحهم، فنجد وزير الصناعة يتقدم بطلب للحكومة لزيادة بند دعم الصادرات من الميزانية إلى 3 أضعاف ويقوم أصحاب 800 مصنع بإعلان نيتهم لغلق مصانعهم وتصفية أعمالهم، فهذا يجعل العمال في حالة الدفاع وبدلا من المطالبة بالتثبيت والحريات النقابية يتحول هدف الحركة العمالية إلى مقاومة التشريد من جانب، ومن جانب آخر يمثل الضغط على النظام الحاكم لسرعة إصدار الإجراءات التي تحافظ على مصالحهم والقضاء التام على الثورة هذا بالطبع بالاضافة إلى قرار الحد الأدنى للأجور وخضوع النظام لعدم تطبيقه على القطاع الخاص لرفض رجال الأعمال والحد الأقصى والذي سوف يطبق على فقط 8000 شخص في الدولة للمحافظة على مصالح كبار موظفي الدولة في الشرطة والجيش وغيرها والذي لو طبق بشكل حقيقي سوف يوفر على ميزانية الدولة 20 مليار جنية.

وهذا التناقض بين طموحات الجماهير وبين توجهات النظام سوف يعمل على ازدياد الشعور بالسخط الشعبي من قطاعات مؤيدة للسيسي وحكم العسكر، وهو ما يحدث الآن من بدايات لتصاعد حركة احتجاجية قوية على المستوى السياسي والاجتماعي من التحركات الطلابية الواسعة ضد عودة الداخلية واعتقال الطلاب وبمشاركة طلابية أوسع كثير من جماعة الإخوان المسلمين، ليصل الإضراب الطلابي إلى 100% في بعض الكليات وكسر فكرة أن المعارضين هم الطلاب الإخوان فقط، بالاضافة إلى إضراب الآلاف من عمال كريستال عصفور، وإضراب واعتصام الآلاف من عمال الحديد والصلب ومظاهرات عمالية في الشوارع تحاصر البورصة، ثم المشاركة الواسعة والازدياد الملحوظ في المسيرات ضد قانون التظاهر والمحاكمات العسكرية للمدنيين بل امتد الأمر إلى تظاهر جنود الأمن المركزي في المنيا اعتراضا على وفاة زميل لهم.

بالطبع كل هذه الأحداث لم تصل بالصراع إلى درجة الانفجار والغليان، فمازال هناك عدة خطوات للوصول إلى هذة النقطة، ولكنها تعطي بداية لتحركات واسعة ضد السلطة القائمة، وتطور التحركات الجماهيرية تزيد من ارتباك السلطة مما يعطي مساحات أكبر للتدخل الجماهيري، وبالطبع تصبح قدرة النظام لتجنب الأزمة عن طريق تقديم امتيازات حقيقية لأغلبية الجماهير قليلة جدا بسبب الأزمة الرأسمالية العالمية المستمرة، أما التصريحات حول تقليل سيل معونات الخليج، نتيجة الأزمة دفع النظام لطباعة 10مليار جنيه فهي إجراء مؤقت سيتسبب في ارتفاع ضخم في الأسعار، بالتوازي مع تصريحات محافظ البنك المركزي هشام رامز بانخفاض قيمة الاحتياطي الأجنبي خلال شهر نوفمبر، كل هذا يدفع النظام الحاكم إلى استخدام مزيد من القمع ولكن هذا القمع ليس دائما حل وبخاصة مع ثورة بعمق الثورة المصرية بل هذا القمع سوف يعمل على مزيد من السخط لدى الجماهير.

الحزب الثوري حياة أو موت
بالرغم من عمق وقوة وحجم الثورة المصرية المستمرة منذ 3 سنوات والتي استطاعت إسقاط رئيسين من رؤساء الجمهورية و5 وزارات، إلا إنها تحمل داخلها عائق مهم وهو ما يجعل الثورة حتي الآن غير ممثلة سياسيا وهو عدم وجود حزب ثوري قادر على أن يكون الممثل السياسي وأداة الحركة الجماهيرية للوصول إلى السلطة، والذي يعمل علي توحيد مختلف النضالات الجماهيرية المبعثرة، ونقل الخبرات الثورية بين مختلف القطاعات، وكسر الحاجز المصنوع من قبل النظام بين النضالات السياسية والاجتماعية في إطار تقديم بديل ثوري حقيقي معبر عن الثورة.

فرصة بناء حزب ثوري الآن يتكون من الطليعة الجماهيرية كبيرة، فمع الفرز السياسي الذي أحدثته الثورة المصرية خلال مراحلها والتي أدت إلى اهتزازات قوية داخل صفوف الكيانات الإصلاحية والانتهازية، والفصل بين القيادات المتحالفة مع العسكر وبين القواعد الساخطة علي انتهازية قياداتهم، مما يزيد فرصة توجه تلك القواعد إلى الكيانات الثورية الأكثر مبدئية ويزيد من الكتلة الثورية المتوجهة لكسب قطاعات من الجماهير المصابة بخيبة من سياسات النظام القائم، فمن المهم الوصول إلى هذه القطاعات الجماهيرية عن طريق طرح المبادرات والدعاية للأفكارالثورية والشرح الصبور لفضح كل سياسات النظام في الأحياء الشعبية والمصانع والعمال واختيار الشعارات وطبيعة المعركة القادرة على جذب أكبر عدد ممكن من الجماهير، وكسبهم لمشروع سياسي لبناء الحزب الثوري يعتبر مسألة حياة أو موت لانتصار الثورة المصرية.