بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة الاشتراكية لازالت ممكنة

2010_11_26_Workers_1

نشر المقال في جريدة «العامل الاشتراكي»، بقلم سادي روبنسون، 2 نوفمبر 2010..

يدرك الملايين من الناس أن هناك خلل عميق في هذا العالم. لقد سئم البشر من الفقر وعدم المساواة والحروب والعنصرية، ويريدون عالماً يُدار بشكل مختلف. لكن في نفس الوقت يعتقد الكثيرون أن الإطاحة بالرأسمالية شيء مستحيل. في حين أن الثورة الاشتراكية، حيث يتحكم العمال بشكل جماعي في أدوات الإنتاج ويخططون بشكل ديمقراطي لإشباع إحتياجات الجميع، لا تزال ممكنة.

إن الثورات تحدث في أوقات الأزمات الاجتماعية العميقة. لقد وصف الثوري الروسي فلاديمير لينين الحالات الثورية بأنها تلك الفترات التي تكون فيها الطبقة الحاكمة غير راضية ولا ترغب في العيش بالطريقة القديمة، كما أن الطبقات الدنيا هي أيضاً غير راضية ولم تعد قادرة على العيش بالطريقة القديمة.

تلك الأزمات هي جزء متأصل في الرأسمالية، حيث استغلال العمال والمنافسة بين رجال الأعمال وبين الدول على الأرباح، وهذا يعني أن هناك ثورات قادمة في المستقبل طالما استمرت الرأسمالية.

لكن هناك عدد من الحجج الرئيسية التي تدعي إستحالة قيام الثورة الاشتراكية. فما هي إذن تلك الحجج؟

1- الثورة الاشتراكية ليست ممكنة لأن العمال ليس لديهم القوة للقيام بها.

بعض السياسيين يصورون الطبقة العاملة بشكل كاريكاتوري وكأنها تتكون فقط من عمال المناجم والتعدين والموانئ. وبما أن تلك المجموعات من العمال صغيرة وقليلة العدد، إذن فإن الطبقة العاملة هي أيضاً صغيرة وقليلة العدد.

لكن طبيعة الطبقة العاملة قد تغيرت كثيراً؛ فالعمال في مراكز الإتصالات على سبيل المثال هم أكثر عدداً من عمال المناجم. إلا أن تقسيم المجتمع إلى طبقات لا يزال كما هو، والأغلبية الساحقة من البشر هم من العمال؛ حيث يُجبرون على بيع قوة عملهم من أجل أن يبقوا على قيد الحياة. كما أن الاستغلال لا يزال هو الآخر يمثل القلب النابض للرأسمالية.

أما الطبقات الحاكمة فلا تزال تروّج لأن استيلاء العمال على السلطة هي مجرد فكرة بالية، وأن الصراع الطبقي هو مفهوم ميت لم يعد موجوداً، بينما في الحقيقة لولا عمل العمال لما قام للمجتمع قائمة. وعادةً نجد مُلاك ورؤساء العمل يدّعون أنهم هم صانعي الثروة، لكن أي إضراب عمالي يصدمهم بالحقيقة.

كما أن من يحكمون العالم يخبروننا أننا ضعفاء، معدومي القوة، ببساطة لأنهم خائفون من قوتنا. وقوة العمال في أنهم يتحكمون في الإنتاج، وبالتالي في الأرباح التي هي عصب النظام الرأسمالي.

هذا هو السبب الذي دفع كارل ماركس لأن يصف الرأسمالية بأنها تخلق “حفاري قبورها” قاصداً الطبقة العاملة، حيث تمتلك الإمكانيات التي تؤهلها لتغيير المجتمع.

إن النضال الطبقي في ظل الرأسمالية يعني الكثير من المعارك التي تحدث عبر العالم، “تارة بشكل ظاهر وتارة أخرى بشكل مستتر”، على حد تعبير ماركس. وهذا ما يحدث أمام أعيننا الآن: الملايين من العمال والطلاب في فرنسا نظموا مسيرات وإضرابات. نضالات العمال تهز أرجاء اليونان. وفي الصين عاد النضال العمالي من جديد بعد طول فترة ركود. أما في بريطانيا، لم نشهد بعد نضالات بتلك الضخامة لكن نضالية عمال المطافي في إضراباتهم هذا الشهر تعطي إشارة واضحة لما يمكن أن يحدث في المستقبل.

2- العمال لا يهتمون بالسياسة لذا لن يصنعون ثورة.

كل شيء حولنا يسعى لإقناعنا بأن تغيير المجتمع شيء مستحيل. كل شيء، من التعليم إلى الإعلام، يخبرنا بأن السياسة والاقتصاد هم شئون خاصة بالخبراء ويجب أن تُترك لهم، وهذه هي الطريقة التي تسير عليها المجتمعات. هذا ما جعل ماركس يؤكد أن الأفكار السائدة، في ظل الرأسمالية، هي أفكار الطبقة الحاكمة.

كما أن كل الأفكار السخيفة حول أن البشر –بشكل طبيعي وغريزي- أنانيين أو جشعين، أو أن العنصرية والتفرقة بين البشر على أساس الجنس أواللون، وكل الأفكار الرجعية الأخرى، هي أفكار منتشرة ومقبولة وأحياناً تكون شديدة الترسيخ بشكل يثير الدهشة لدى الكثير من العمال.

هذه الأفكار يجب أن يتم تجاوزها. لكن الثورات لا تحدث لأن أغلبية من الناس استطاعوا فجأة تغيير أفكارهم، بل يمكن للأفكار أن تتغير على نطاق واسع فقط خلال عملية النضال الجماهيري نفسها.

تتغير الأفكار عندما يبدأ الناس في النضال من أجل حقوقهم، وحينها يبدأون في إدراك كا يمكنهم فعله، وإدراك أنهم جميعاً، سود وبيض، رجال ونساء، لديهم حقوق ومصالح مشتركة ضد ملاك العمل والرأسماليين. حينها تبدأ الانقسامات بين الناس في التلاشي. العمال الفرنسيون على سبيل المثال، رفعوا أثناء نضالهم في الآونة الأخيرة شعارات قوية ضد العنصرية، مثل “لا تطردوا العمال الإيطاليين.. إطردوا ساركوزي”.

الناس العاديين غالباً ما يرفضون العنصرية والتفرقة بين الرجال والنساء، إنهم يعارضون الخصخصة ويؤيدون الإضرابات حتى لو هاجمتها وسائل الإعلام وشوّهت صورتها.

وفي الحقيقة، يمتلك الناس دائماً في ظل الرأسمالية أفكاراً تتميز بقدر كبير من التناقض؛ حيث يتشبعون بالأفكار السائدة في المجتمع. لكن في نفس الوقت يتشكل جزء كبير من وعيهم من خلال الخبرة والتجربة التي يخوضونها في حياتهم، تلك الخبرة التي تتناقض مع الأيديولوجيا السائدة.

ولوقت طويل يهتم الناس فقط بشئون حياتهم الخاصة، وهذا لا يعني أنهم بعيدين عن السياسة. ففي الأوقات الثورية، حتى أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم سياسيين، يتحولوا في تلك الأوقات ويهتموا بالشأن العام ويساهمون في صياغة الأحداث بشكل فعلي. ذلك التحول يتم بشكل سريع. سريع جداً.

3- الدولة قوية جداً ويمكنها قمع أي محاولة للثورة.

من الطبيعي أن تستخدم الطبقة الحاكمة سلطتها بعنف وألا تتحلى بأي درجة من الرحمة إذا تم تهديد وضعها المتميز. أما الدولة فهي ليست جهاز محايد بالطبع. لقد وصفها لينين بـ “جهاز القهر الذي تستخدمه طبقة لإحكام سلطتها على طبقة أخرى” وتستخدم في ذلك “رجال مسلحين دائمين خاصين بها” للحفاظ على الأوضاع كما هي وللإبقاء على العمال في أماكن عملهم دون تمرد.

على سبيل المثال، في شيلي 1973، ساند جهاز المخابرات المركزية الأمريكية إنقلاب عسكري للطبقة الحاكمة على سلفادور الليندي الذي كان الشعب قد انتخبه ديمقراطياً لتنفيذ وعوده بإصلاح المجتمع.

في 1917، تحالفت الطبقات الحاكمة في العالم مع أنصار الثورة المضادة في روسيا من أجل تحطيم الثورة. يُذكر أن الجنرال كورنيلوف، قائد الجيش القيصري وأحد قادة الثورة المضادة، قد أعلن أن مهمته تتلخص في “الحفاظ على روسيا، حتى لو اضطررنا لإطلاق الناس على نصف الروس.. حتى لو اضطررنا لإراقة دم ثلاثة أرباع الشعب”. وعلى الرغم من كل هذا الإصرار على هزيمة الثورة، فشلت الرجعية.

لكن على أي حال، تحتاج الثورة، من أجل هزيمة الطبقة الحاكمة ودولتها، لأن تكون أغلبية الطبقة العاملة في صفها. كما أن على الثورة أن تكون جاهزة لاستخدام القوة لمنع الطبقة الحاكمة من الارتداد على الثورة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة الحاجة إلى قدر ضخم من العنف؛ حيث أنه كلما كبرت الحركة الثورية واتسعت، كان حجم القوة والعنف الضروريين لإحراز النصر أقل، وكلما كانت تلك الحركات الثورية أقوى وأوسع كلما استطاعت كسر هيمنة أفكار الطبقة الحاكمة وسيطرة تلك الطبقة على الاقتصاد، وتستطيع أيضاً إنهاء احتكار الطبقة الحاكمة للقوة العسكرية، حيث يكسب الجنود الثقة في أنفسهم في إمكانية التمرد والانضمام للثورة.

على سبيل المثال، عندما أنشأ الثوار الفرنسيين كوميونة باريس في 1871، استطاعت النساء العاملات إقناع الجنود بتسليم السلاح للأهالي من أجل المقاومة وإحراز النصر للثورة. وفي روسيا، تمرد الجنود وانضموا للثورة وقاموا بالقبض على ضباطهم الذين طالما مارسوا القهر عليهم.

وفي بريطانيا في 1919، كانت الطبقة الحاكمة مذعورة إذ أنها لم تكن تستطيع الاعتماد على الجيش لكسر الإضرابات الجماهيرية. كان الجنود أنفسهم مضربين رافعين الرايات الحمراء عالياً. وعندما جاءت الأوامر بإرسال مشاة يوركشاير إلى روسيا لمحاربة الثورة هناك، تمرد الجنود وبدلاً من تنفيذ الأوامر، عمدوا إلى إنشاء سوفييت.

4- التاريخ مليء بالثورات الفاشلة.. إذن فالثورة لن تحل شيئاً.

الثورة إذن ممكنة وليست مستحيلة. لكن هذا لا يعني أنها سهلة على الإطلاق؛ فهناك عدد من العوامل المهمة والضرورية لانتصار الثورة، مثل قوة وتماسك القيادة الثورية ووجود حزب ثوري قوي لديه جذور في أوساط العمال ويحظى بثقتهم، إلخ.

في أعقاب الثورة الروسية 1917، اندلعت موجة ضخمة من الثورات عبر أغلب بلدان أوروبا. لكن غياب أحزاب ثورية قوية ولديها الخبرة والجذور الكافية في أوساط الجماهير، قد ترك الساحة خالية للإصلاحيين كي يقودوا النضال الثوري. وما حدث أن أولئك الإصلاحيين قد دمروا الفرصة الثورية نهائياً.

في 1919، قال رئيس الوزراء البريطاني، لويد جورج، لقادة النقابات الإصلاحيين “نحن تحت رحمتكم”. لكن لم يكن يوجد حزب ثوري يقود الحراك العمالي الواسع، فيما استطاع قادة النقابات احتواء النضال وتخفيضه.

في البرتغال 1974، شهدت الثورة اندماج الملايين في النشاط السياسي. وقد وصف الاشتراكي الثوري فرناندو روساس ذلك الوضع لجريدة العامل الاشتراكي عام 2005 كالتالي: “كان لدينا إحساس بأن كل شيء ممكن. كل امرأة عاملة عادية كان لديها إحساس وثقة بالقدرة على حكم مدن بأكملها”.

لكن مرة أخرى ظهرت مشكلة القيادة؛ حيث كان الحزب الشيوعي يرغب في تشكيل سلطة من أعلى بدلاً من بناء سلطة عمالية من أسفل لبناء مجتمع جديد. بينما كان الحزب الاشتراكي مسنوداً على الغرب وقد لعب دوراً سلبياً في استيعاب النضالات.

في الأوقات الثورية، لا تبقى الأشياء ثابتة، فإما أن يتقدم العمال للأمام ويستولون على السلطة، أو أن الطبقات العليا تحكم سيطرتها وتدفع الأمور للخلف. عبر سان جوست أثناء الثورة الفرنسية الكبرى عن ذلك عندما قال أن.. “من يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم”.

الدرس الذي يقدمه لنا التاريخ ليس أن الثورات لا يمكنها الانتصار، لكن أن العمال الذين يثورون بالتأكيد يحتاجون أن يتوحدوا تحت لواء حزب ثوري لضمان النصر.

والثورة الاشتراكية ليست حدث عابر ولا نضال يوم واحد (على الرغم من أن هناك فترات قصيرة تكون مفصلية قد تحوّل مجرى النضال)، لكنها عملية يستطيع فيها العمال إصابة أهداف معينة، مثل إسقاط حاكم أو رئيس وزراء، وبمجرد الانتصار فإنهم يتقدمون نحو النضال من أجل الاستيلاء على السلطة بشكل جماعي.

5- الثورة الروسية فشلت في النهاية، حتى برغم وجود حزب اشتراكي ثوري قوي.

من الضروري أن نذكر أن الثورة الروسية في بداياتها كانت ناجحة جداً، وكان العامل الحاسم في انتصار تلك الثورة هو الدور الذي لعبه الحزب البلشفي؛ حيث استطاع الحزب أن يقود العمال خلال الانتفاضة. ولعدة سنوات كان يوجد بوادر لما يمكن أن تكون عليه الاشتراكية.

كان العمال يديرون المجتمع من خلال مجالس منتخبة تسمى “سوفيتات”. كانت تلك المجالس ديمقراطية ويمكن استدعاء النواب الأعضاء فيها ومحاسبتهم. كل العمال كانوا يشاركون في النقاش حول كيفية إدارة المجتمع.

كل الأفكار القديمة البالية، مثل معاداة السامية والتفرقة على أساس الجنس، تم إلقائها والتخلي عنها. حصلت النساء على حقوق استغرقت سنين ليتم اكتسابها في البلدان الرأسمالية. كل ذلك في ظل قتال 14 جيش من أوروبا ضد الثورة الروسية.

السبب الحقيقي وراء انحدار الثورة الروسية بعد ذلك هو أن الثورات في كل مكان آخر لم تنجح. في حين أن قادة الثورة كانوا دائماً يجادلون بأن شرارة الثورة لابد لها أن تنتشر وتنتصر في البلدان الأخرى. لكن لسوء الحظ لم تنتصر ثورات موازية في أي مكان آخر، فيما صعدت طبقة بيروقراطية لرأسمالية الدولة إلى السلطة في روسيا.

أثبتت روسيا أن الاشتراكية ممكنة، كما أن التحركات الثورية الضخمة طوال القرن العشرين والواحد والعشرين –بما يشمل ألمانيا وإيران والمكسيك والصين وإسبانيا وبوليفيا وفينزويلا والأرجنتين والبرازيل- قد أثبتت أن فرصة التغيير الثوري لا تزال قائمة.

أما الحاجة للاشتراكية فهي تزداد إلحاحاً مع مرور الأيام، ويجب أن نستكمل المعركة من أجل الإصلاحات في كل وقت وفي كل مكان. إن النضال من أجل الإصلاحات الجزئية يُكسب العمال الثقة في أنفسهم لمزيد من النضال. لكن لا يمكن بأي حال أن يُلغى الاستغلال ذاته، الذي هو القلب المغذي للرأسمالية.. فقط الثورة الاشتراكية تستطيع القيام بذلك.