بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التنظيمات الجماهيرية وأوهام الاستقلالية

أفاقت النخبة المصرية الحاكمة بعد ثورة يناير لتجد مؤسساتها مكشوفة دون أي غطاء سياسي قادر على تمرير قراراتها. وفي مواجهة وعي جماهيري تشكل طوال العشر سنوات السابقة على الثورة سواء على المستوى السياسي (مظاهرات دعم الانتفاضة الفلسطينية ومناهضة غزو العراق وكفاية وحركة التغيير الديمقراطي) أو على المستوى الاجتماعي (نهوض النضال الاجتماعي وانتفاضة المحلة في 6 و7 إبريل 2008) رافض للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المنحازة لرجال الأعمال ومشروع توريث خلف شقوقا عميقا سواء مابين النخب المعرضة والنظام الحاكم (كفاية والجمعية الوطنية) وداخل النظام الحاكم نفسه كموقف المؤسسة العسكرية وبعض رموز الحزب الوطني المحسوبة علي الحرس القديم الرافضة للتوريث لينفجر كل ذلك في وجه نظام مبارك وترسانته القمعية.
 
قبل الثورة تراوحت المعارضة ما بين معارضة مدجنة ترتبط مصالحها بالنظام الحاكم (كالوفد والتجمع وغيرها من القوى التي اتبعت سياسة الأسقف المنخفضة ومؤسسة الرئاسة كخط أحمر) تحت دعوى الاستقرار أو الخوف من الإسلاميين. كما كانت هناك المعارضة الإصلاحية التي تخاطب وتفاوض النظام وتسعى في أقصى الأحوال إلى توجيه النصائح له محذرةً إياه من ثورة جماهيرية عارمة قد تطيح بأركان الدولة ذاتها، كالبيان التي أصدرته جماعة الإخوان قبيل أحداث يناير (عشر نصائح حتى لا تقوم ثورة في مصر).

وعلى الجانب الآخر، كانت هناك أقلية راديكالية مسيّسة تفتقد للوزن الجماهيري في الشارع. ولكن وسط هذه التيارات السياسية بدأت نخبة جديدة في التشكل متفاعلة مع الحركة الجماهيرية الصاعدة. هذه النخبة كفرت بالنظام ككل كما كفرت بإمكانية إصلاحه وبدأت في تبني مطالب أكثر جذرية لاقت قبول وسط جماهير شعبية ناقمة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلد والفساد الذي وصل للركب، بتعبير أحد قيادات الحزب الوطني في حينها، ووجدت هذه النخبة الجديدة في أدوات التواصل الاجتماعي من الفيس بوك وتويتر أدوات لتنفيس هذا الكبت في البداية، ثم أحد أدوات الإعداد والحشد والتنظيم لثورة يناير بعد ذلك.

وهم الاستقلالية

تخشى الأنظمة السلطوية العمل المنظم وتدرك مدى قدرته على إحداث تغيير، لذا تسعى لضرب أية محاولة لتأسيس أشكال تنظيمية مناهضة له تسعى لاستبداله، فتسعى عبر برلمانها إلى تمرير القوانين للتضييق على إمكانية تشكيل هذه التنظيمات سواء الأحزاب، كلجنة الأحزاب التي كان أعضائها من الحزب الوطني قبل الثورة، أو القوانين التي تخلق العقبات المالية والإجرائية والتنظيمية أمام تشكيل الأحزاب، كقانون المجلس العسكري بعد الثورة، ومحاولة تفريغ الأحزاب من مضمونها الطبقي تمهيداً لعزلها عن الشارع وإعادتها الي حظيرة النخبة بمنع تكوين الأحزاب على أساس طبقي ومنع التعددية النقابية وإعطاء القضاء صلاحية حل النقابات ومجالس إدارتها، وليس مجالس إداراتها فقط كما تنص مسودة الدستور الجديد.

وكذلك تسعى الأنظمة السلطوية عبر أدواتها الإعلامية الحكومية والخاصة إلى تشويه النخب أو خلق وعي زائف لدى الجماهير يرسخ لفكرة الاستقلالية والحيادية والبعد عن أي فصيل سياسي. وهذا الوهم الذي قد يبدو سليماً في ظاهره ينهار أمام أي مؤشر موضوعي؛ فالثورة المصرية لم تقم إلى حين وجد الشباب بعضهم على فضاء الشبكات الاجتماعية متجاوزين قيود النظام على الأرض وترهل التنظيمات القديمة وانخراطها في محاولات إصلاحه.

وكما نجحت الثورة عبر هذه الوسائل في الحشد وإحداث تغيير في وجوه النظام، كان لغياب الانعكاس الحقيقي لهذه المجموعات الافتراضية على أرض الواقع، وكذا غياب البرنامج الواضح الذي يعكس المطالب الحقيقية للثورة بشكل تفصيلي وآليات واضحة، الأثر الأكبر في فشل الثوار في الوصول إلى السلطة ونجاح العسكر والإخوان (أكبر التنظيمات وأكثرهم قوة بعد الثورة) في الاستيلاء والشراكة في السلطة وإعادة الغطاء إلى مؤسسات الدولة التي انكشفت عظامها بعد الثورة.

والآن يعود نفس الخطاب المباركي القديم الذي يحاول النيل من النخبة المعارضة (الجديدة بالذات) ومحاولة التشكيك في تنظيماتها التي تشكلت بعد الثورة، تارة بكونهم بلطجية يحرقون المنشآت أو فوضويين يهدفون إلى هدم الدولة – دولتهم بالطبع – أو تابعون لمشروع أمريكي صهيوني شيعي يهدف إلى إسقاط الشرعية واقتحام الاتحادية وخطف مرسي!. وفي المقابل تعزيز فكرة الفردية والاستقلالية من جديد والتشكيك في إمكانية إيجاد تنظيمات جماهيرية حقيقية.
 
وهنا يكمن المرتكز الذي تبني عليه الدولة الجديدة أيديولوجيتها السلطوية؛ وهي إخلاء الساحة أمامها ككيان وحيد منظم ومحاولاتها إعادة إنتاج معارضة مبارك المدجنة أو المؤدبة وفقاً لتعريف السلطة الجديدة وتفريغها من أي مضمون اجتماعي، وكذا التضييق على التعددية النقابية والحزبية التي تأخذ أبعاداً أكثر اجتماعية.

أهمية الانتظام في الأحزاب والنقابات

وكما استعرضنا في هذا المقال، تحاول الدولة العارية الآن القضاء على حالة السيولة التي خلقتها الثورة المصرية وإعادة الأحزاب إلى الحظيرة السياسية التي خرجت منها بفعل النخبة الثورية الجديدة، سواء بفرض شروط مجحفة على تشكيل الأحزاب أو النقابات أو حقوق التظاهر أو العمل الجماهيري، والإبقاء على الأحزاب التي شاركت نظام مبارك ماقبل الثورة وتشويه رموز العمل الوطني عبر وسائل إعلامهم. والأهم من ذلك صرف المعركة عن كل ما هو اجتماعي في محاولة لتحويل الجماهير إلى موقف المشاهد، وبالتالي تعزيز فكرة أن الكل أصحاب أجندات، وأحياناً ترضى السلطة أن توصم بنفس الصفة وبالتالي تعزيز أوهام الاستقلاية لدى الجماهير الغير مسيسة تمهيداً لفصلهم عن العمل السياسي بالكامل.

لذلك تقع الكثير من المهام علي الكتل السياسية والثورية التي تدخل المعركة مع السلطة الآن. أولاً: تبني مواقف جذرية تجاه المطالب الاجتماعية والتي أطلقتها الثورة من عقالها ليتحول مطلب كرفع موازنة الصحة أو الحد الأدني للأجور وربطه بالأسعار مطلب جماهيري.

ثانياً: مواجهة الهجمة الإعلامية الشرسة عبر تطوير أدوات التواصل الجماهيري وخلق أدوات جديدة ومبتكرة تصل إلى عموم المصريين وتنبه إلى أهمية الانتظام في الكيانات الجماهيرية وممارسة العمل السياسي والنقابي بشكل أكثر فاعلية.

ثالثاً: السعي لخلق جبهة ثورية حقيقية تتبنى حد أدنى من المطالب التي استقرت في الوجدان الجمعي للشارع، وعدم التعالي على المعارك الجماهيرية أياً كانت برلمانية أو ثورية.