بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الطريق إلى مصر التي نريدها

الأحداث التي شهدتها مصر في الشهور القليلة الماضية، على مختلف الأصعدة، كانت استمرارا لما سبقها. لكنه استمرارٌ يكشف أكثر وأكثر أن المرحلة التي نمر بها، في الأغلب، انتقالية بين عهدين من تاريخ البلد السياسي. إذ ربما يتفق معنا الكثيرون أن التطورات الجارية أمام أعيننا يوما وراء يوم تكشف أن الأشكال القديمة للحكم والسلطة ولضبط النظام الاجتماعي لم تعد قادرة كالسابق على إحكام قبضتها على المجتمع، وهو ما يعني أننا في الأغلب مقبلون على تغييرات مهمة قد تقتصر على الشكل السياسي، وقد تصل – وهذا ما نتمناه – إلى المضمون الاقتصادي والاجتماعي.

هناك، ظاهريا على الأقل، ثلاثة أطراف تتفاعل في مصر وينتج عن تفاعلها وضع الأزمة الذي نعيشه. الطرف الأول هو نظام الحكم الذي يحقق نجاحات اقتصادية من وجهة نظر مصالح تحالف الرأسماليين الاحتكاريين، ولكن الذي يزداد توترا وعصبية من الناحية السياسية، بقدر ما يزداد عزلة عن الجماهير وكل القوى الحية في المجتمع. الطرف الثاني هو المعارضة التي لم تخرج حتى تاريخه من وضعية الإحباط والشلل التي أصابتها من جرّاء هجوم السلطة على مكتسبات 2005، والتي تعاني بسبب هذا وغيره من عزلة عن الحركة الاجتماعية والمطلبية الصاعدة. وهناك أخيرا الحركة الجماهيرية، سواء العمالية أو الشعبية على وجه العموم، التي فتحت جبهة جديدة للمعارضة الاجتماعية ربما تغير من شكل الصراع السياسي في هذا البلد.

بقراءة أوضاع هذه الأطراف الثلاثة وتفاعلاتها، يمكن أن نصل لبعض النتائج حول احتمالات المستقبل.

حال المعارضة

تمثل نتائج انتخابات مجلس نقابة الصحفيين مؤشرا على التغير ليس فقط في مزاج الصحفيين، وإنما أيضا في مزاج النخبة السياسية المصرية بوجه عام، وذلك لأن النقابة كانت على مدار السنوات القليلة الماضية بؤرة رئيسية من بؤر الحراك السياسي في البلد. من هنا فإن تحليل هذه النتائج يعد مدخلا جيدا لفهم حالة “المعارضة السياسية الجديدة” في مصر، نقصد التيارات المعارضة التي برزت في خضم حركات التضامن مع الانتفاضة ومناهضة الحرب على العراق والدعوة إلى التغيير الديمقراطي.

إلى حد كبير لفظ الصحفيون المجلس السابق بأسمائه وشخوصه، ولكن أيضا بما كان يرمز إليه. يرجع هذا جزئيا إلى دور السلطة في تعبئة الصحفيين المحايدين من العاملين بالمؤسسات الصحفية القومية وراء “قائمة لجنة السياسات”، وهي قائمة ضمت وجوها مقبولة على غير عادة النظام. ولكن السبب الأهم في تقديرنا هو إحباط الجمعية العمومية للصحفيين من المعارضة ومجلسها.

هذا بالضبط هو حال كل النخبة السياسية المصرية إزاء قوى التغيير ككفاية والأحزاب المعارضة. فقد التف الكثيرون حول تلك القوى، خاصة الأكثر حيوية منها، خلال عام 2005. ثم ساندوها بشق الأنفس أثناء معركة القضاة الصعبة في منتصف 2006. ولكن بنهاية تلك المعركة انحسر التأييد لتلك الحركات والقوى، وانقلب إلى حنق وغيظ لأنها فشلت في وعودها وظهرت على حقيقتها (كذا) كـ”كيانات ورقية معزولة لا حول لها ولا قوة”.

هذا الإحباط لا يعني نهاية الغضب السياسي الذي ميز 2005، وإنما هو رد فعل على انسداد الطريق. فلما وجد من ناضلوا من أجل التغيير السياسي، ومن أملوا في هذا النضال خيرا، أن الطريق إلى النصر مسدود، بدأ مزاجهم يتحول ضد المعارضة. وهكذا أصبح الغضب مزدوجا: غضب من السلطة بسبب سياسات القمع والإفقار والخضوع للإمبريالية، وغضب من المعارضة لفشلها في مواجهة كل هذا.

وقد تجلى هذا الوضع في انتخابات نقابة الصحفيين. إذ حقق مثلا محمد عبد القدوس، المعارض الإخواني الذي يحظى بدعم وتأييد واسعين في أوساط الصحفيين، المركز الخامس في عدد الأصوات، وهو ما يمثل تراجعا كبيرا عما حققه في الانتخابات السابقة. والسبب أن نضالية عبد القدوس التي كانت تعد جرأة وتضحية وتجاوزا للخطوط الحمر في 2005، أصبحت اليوم من وجهة نظر البعض، أحيانا كثيرة بروح حانقة ومحبطة، نزقا وحماقة لا يمكن اغتفارهما.

كذلك الوضع بالنسبة لموقع النقيب. إذ فشل رجائي الميرغني، وهو رجل يحظى باحترام واسع في صفوف ما يطلق عليه تيار الاستقلال في النقابة، حتى في منافسة مكرم محمد أحمد منافسة مشرّفة، نظرا لأن الكثيرين ممن أعطوا جلال عارف أصواتهم في الانتخابات السابقة أملا في التغيير الذي يمثله، بدأوا يشعرون أن عليهم مراجعة مواقفهم، وأن الأفضل هو التصويت لنقيب حكومي معتدل “لأن هذا هو الأكثر واقعية”.

حسابات نظام الحكم

إذن فأحد أوجه المأزق السياسي في مصر هو فقدان البديل السياسي. ما يحدث اليوم مقارنة بـ2005 ليس استردادا من جانب نظام الحكم لشرعية فقدها، وليس حتى هزيمة للحركة الجماهيرية أو السياسية، وإنما هو تشتت وإحباط في الحركة بسبب الفراغ السياسي وعدم وجود البديل المقنع القادر على تعبئة العناصر المشتتة للحركة السياسية المناهضة للنظام.

يمكن التأكد من هذه الحقيقة بتحليل التطورات على جانب نظام الحكم. فالخطة التي يتبعها النظام تقوم في جوهرها على عنصر واحد شديد السذاجة، ولكنه منطقي بالنظر إلى طبيعة ومصالح أركان هذا النظام. هذا العنصر هو شراء الوقت.

فالتحالف الذي يحكم مصر اليوم، ورموزه جمال مبارك وأحمد عز، وصل في ضيق أفقه إلى حد أنه لم يعد يعبأ كثيرا بالمصالح الشاملة أو الاستراتيجية لعموم الطبقة الرأسمالية في مصر، بل انحصر معظم اهتمامه في تأمين مصالحه هو الضيقة والمؤقتة، وعلى رأسها التوريث، أي تأمين استمرار هيمنته على مقدرات البلاد.

جوهر السبب في عداء الجماهير لمن يحكمون مصر هو السياسات الليبرالية الجديدة. فقد أدت تلك السياسات، بالذات في السنوات الأخيرة، إلى نتائج كارثية على حياة الناس: ارتفاع هائل في الأسعار؛ سحب لمعظم المكتسبات الاجتماعية في مجالات الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها؛ عدم استقرار هائل في شروط الحياة وضمانات العمل؛ وأخيرا عنجهية وقمع من جانب طبقة أرستقراطية جديدة تعيش في أحيائها المعزولة بعيدا عن مدن الفقراء والمعدمين.

لكن الليبراليين الجدد من رجال لجنة السياسات جلودهم تخينة. فهم لا يعبأون بالغضب الجماهيري ولا يهتمون به طالما لم يصل إلى درجة التأثير على عروشهم. لكنهم أيضا يحسبون الحسبة بطريقة تتسم بغباء يحسدون عليه. فهم يعتقدون أن النجاحات الاقتصادية المتحققة، المتمثلة في ارتفاع معدل النمو إلى ما يقترب من 7% وارتفاع معدل نمو الصادرات إلى 20%، يمكنها أن تستمر، بل وتتزايد، وأن هذا سوف يؤدي في نهاية المطاف، ربما بعد خمسة سنوات مثلا، إلى تحسين الأحوال المعيشية للجماهير، ومن ثم إلى سحب البساط من تحت قوى المعارضة، لأن القضية الرئيسية التي تهم الجماهير هي ظروفها المعيشية، ولو تم حلها لما أصبح هناك مجال لأي معارضة جدية.

هكذا يرى رجال لجنة السياسات الأمور. وهم على هذا الأساس يعتقدون أن المطلوب حاليا هو من جانب أول الاستمرار في نفس السياسات الليبرالية الجديدة بأقصى سرعة ممكنة، ومن جانب ثاني شراء الوقت وتصفية أي خطر قد يواجهونه من القوى المعارضة أو من الحركة الجماهيرية، وذلك حتى يأتي الوقت الذي يتمكنون فيه من إعادة خلق قاعدة اجتماعية واسعة لنظامهم على أساس من نجاحهم الاقتصادي المبهر!

هذا هو ما يفسر طريقة تعامل رجال النظام الجدد مع كل من المعارضة السياسية والحركة الجماهيرية. فعلى صعيد التعامل مع المعارضة السياسية وصل رجال الحكم إلى توافق فيما بينهم، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، أنه من الأفضل في الوقت الحالي تعطيل عملية الانفتاح الديمقراطي لأن عواقبها ستكون وخيمة في الأجل القصير، حيث أن القاعدة الجماهيرية للقوى المؤيدة لسياسات السوق وللتعاون مع إسرائيل والتوافق مع الغرب ضعيفة وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. ومن ثم فإن المطلوب أثناء هذا “الوقت” هو القمع، خاصة للقوى الإسلامية وهي الأقدر على منافسة نظام الحكم.

وقد رأينا في هذا السياق المواجهة المريرة في معركة القضاة في 2006، ورأينا التعديلات الدستورية الواسعة في ربيع 2007، ورأينا المحاكمات العسكرية للإخوان، ورأينا أحكام قضائية بالجملة ضد صحفيين في قضايا نشر، ورأينا مواجهات بالبلطجية لمرشحي الإخوان وأنصارهم في الانتخابات الطلابية، وقمع سافر لأي تحرك سلمي في الشارع، واستمرار في التضييق على قوى المعارضة بوجه عام.

أما سياسة النظام إزاء الحركة الجماهيرية فهي أكثر مرونة، لأن النظام يعتقد أنها في وضعها الراهن لا تمثل خطرا على وجوده، ولكن المطلوب فقط عزلها عن المعارضة السياسية مع إدارتها بحنكة إلى حين يأتي وقت ابتلاعها كلية في النجاح الاقتصادي المبهر الذي سيوقف التدهور الراهن في الظروف المعيشية للفقراء ويؤدي، باتساع نطاقه واستدامته، إلى تحسين أوضاع شرائح متزايدة من الجماهير.

وفي هذه الأثناء، فإن رجال النظام يرتبون أوراقهم لتأبيد سلطتهم بالتوريث. ويتم تسويق التوريث للطبقة الحاكمة وللأجهزة الحساسة في الدولة وللأمريكان بوصفه الطريق الأمثل، أي الأكثر سلمية والأقل خطرا، لاستمرار المصالح الراهنة. فإذا كانت خلافة مبارك بالديمقراطية، كما كان البعض يفكر في 2005، قد أصبحت خطرا اتفق “الجميع” على تحاشيه، فلا مفر إذن من خلافته بالديكتاتورية، وهو ما يعني في حالتنا التوريث لابن مبارك الأصغر جمال. وهكذا اتحدت – على الأقل مؤقتا – مصالح جماعة مبارك بجماعة البيزنيس بالأمريكان.

الحركة الجماهيرية والمستقبل

لكن هناك مشكلتين في حسابات رجال الحكم: أولا التوقع بأن التطبيق الصارم لسياسات الليبرالية الجديدة سوف يؤدي في الأجل المتوسط إلى انتعاش اقتصادي مستدام، ومن ثم إلى تحسين الأحوال المعيشية لفقراء المصريين؛ وثانيا الاعتقاد أن التحسن في أحوال المصريين، إن حدث، سوف يؤدي إلى إيقاف الموجة الصاعدة للنضالات العمالية والاجتماعية و/أو سيقلص من فرص ارتباطها بالمعارضة أو تحولها إلى انتفاضة شعبية.

فلا يوجد أساس واقعي يدعو للاعتقاد أن الانتعاش الراهن في الاقتصاد المصري سيدوم طويلا. فأولا مصادر الانتعاش تتسم بالهشاشة والضعف كما سبق وأن شرحنا في عدد سابق من هذه المجلة (وائل جمال – العدد 16 – ربيع 2007). فلا الارتفاع الأسطوري الراهن في أسعار النفط والطاقة، ولا ما ينجم عن هذا من تصدير لفوائض الأموال الخليجية إلى الاقتصاد المصري، هما عنصران يمكن الاعتماد علي استمرارهما، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أزمة القطاع العقاري الأمريكي والأحاديث القوية عن كساد أمريكي قادم سيكون له أثره بالتأكيد على أسعار النفط العالمية. ثانيا لا يمكن اعتبار الانتعاش السياحي الراهن أساسا متينا لتوسع اقتصادي في مصر، وهي البلد المحاطة بالأزمات الطاحنة من كل جانب: في لبنان، فلسطين، العراق، السودان.. إلخ، خاصة وأنه لا تبدو في الأفق أي تسوية مرضية لتلك الأزمات، مما يرشح المنطقة بأسرها لدورات جديدة من الاهتزاز والانتفاض والصراع لا تبشر مطلقا باستدامة الانتعاش السياحي. ثالثا وأخيرا فإن منهج بيع الأصول (الأراضي والبنوك والشركات والخدمات) الذي تتبعه الحكومة الحالية لتعظيم إيراداتها هو منهج قاصر يشجع المضاربة ويرفع الأسعار ويخلق إحساسا وهميا وورقيا بالانتعاش ستعقبه في الأغلب أزمات مستطيرة من جراء التضخم الورقي في الاقتراض.

إذن فتوقع أن البرجوازية المصرية سوف تنجح في الأعوام القليلة القادمة في الخروج من عنق زجاجتها الذي زاد عمره على مئة عام هو توقع مضحك في عالم تضربه الأزمات ومنطقة تنتظرها الزلازل والانفجارات. لكن التوقع الأكثر طرافة هو أن هذا الخروج سيؤدي إلى تحسين نوعي في حياة وأحوال المصريين المعاصرين. فالحقيقة التي نعيشها على مدى أكثر من 15 عام من الليبرالية الجديدة الصريحة هي أن سياسات السوق ترفع أرباح الرأسماليين بالضبط على حساب إفقار الفقراء. فما الذي سوف يغير من هذه الحقيقة في السنوات القليلة القادمة؟ لا شيء البتة، بالذات في ظل الحكم السعيد لأحمد عز، هذا الرجل الذي يضمن دائما أن كل قرش إضافي يدخل جيوب المصريين سيتم نهبه بواسطة احتكاراته المعتمدة على تحالف غير مقدس مع رأس السلطة السياسية.

لكن حتى لو تحققت المعجزة وتحسنت أحوال المصريين المعيشية، فمن قال أن هذا التحسن سيسحب البساط من تحت الحركة المطلبية الناهضة؟ على العكس، من الممكن أن يؤدي التحسن الاقتصادي، في أحوال محددة، إلى تشجيع الحركات المطلبية الصاعدة على الاستمرار والتوسع، وذلك لأن وجود وفورات وفوائض يبطل حجج أصحاب الأعمال بـ”ضيق ذات اليد” ويعطي دافعا قويا للمناضلين في الحركة أن يطالبوا بنصيبهم من الكعكة المتوسعة للناتج. إن أثر تحقيق وفورات مالية على درجة ثقة نشطاء حركة جماهيرية بأنفسهم وقوتهم لهو أمر تكرر كثيرا في تاريخ النضالات العمالية والمطلبية في بلدان عديدة. من هنا فليس من الضروري أبدا أن تؤدي طفرة اقتصادية إلى موت الحركة، بل يمكنها أن تؤدي إلى تعميقها، خاصة وأن الطفرات الاقتصادية التي تتحقق في ظل سياسات الليبرالية الجديدة تكون مصحوبة بفجوات واسعة في توزيع الدخل تزيد من الاحتقان الطبقي والتوتر الاجتماعي.

إذن فهناك أسباب عديدة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الظروف القادمة ستؤدي في الأغلب إلى انتعاش الحركة الاجتماعية المطلبية، خاصة مع الانتصارات التي تحققها قطاعات مؤثرة في أوساط الجماهير، خاصة الطبقة العاملة. هذا بالضبط ما يجعلنا نعتبر أن سياسة شراء الوقت التي يتبعها نظام الحكم ستؤدي بالضبط إلى معكوس توقعاته. ذلك أن تلك السياسة بميلها إلى الاعتقاد أن الخطر الرئيسي يكمن في قوى المعارضة، بالأساس الإخوان المسلمين، وأنه من الممكن احتواء الحركة الجماهيرية فقط بعزلها وأحيانا شرائها مؤقتا، تسمح بتوسع الحركة المطلبية وانتشارها وبث روح القوة والثقة في أوساطها، وهو ما يرشحها لأن تنتقل إلى مستوى آخر أكثر تأثيرا على الأوضاع السياسية، خاصة وأنه ليس من المنتظر أن تغير السلطة من سياستها تلك في اتجاه قمع واسع للحركة الجماهيرية لأنها، ببساطة، أضعف حاليا من أن تفعل ذلك.

تجارب البلدان الأخرى يمكن أن تعلمنا شيئا ما في هذا الصدد. ففي بولندا 1980-1981 كانت البلد محكومة بسلطة ديكتاتورية تحطمت على صخرتها كل القوى المعارضة والتنظيمات الجماهيرية، وهو وضع شبيه، بل أصعب كثيرا، من الوضع المصري الحالي. لكن فجأة، وعلى خلفية مرارات متراكمة، انفجرت حركة عمالية هائلة وواسعة النطاق استطاع عدد من قادتها توحيدها في صورة نقابة “تضامن” العمالية التي أصبحت ليس فقط قيادة نقابية للطبقة العاملة، ولكن قيادة سياسية للطبقة العاملة والشعب البولندي بأسره، في مواجهة الديكتاتورية البولندية. صحيح أن الحركة واجهت عقبات وانحسرت بعد ذلك من دون تحقيق أهدافها. لكن النقطة المهمة هنا هي أنه في ظل فراغ سياسي واختفاء كلي لأي قوة سياسية منظمة للمعارضة نجحت حركة عمالية في بناء شبكة منظمة سرعان ما أخذت دورا سياسيا قوميا.

التجربة المهمة الأخرى هي إندونيسيا. إندونيسيا أيضا كانت ديكتاتورية كمصر وبولندا. لكن تجربتها اختلفت عن الأخيرة من حيث أن الحركة الجماهيرية بها لم تأخذ شكلا عماليا ولم تكن منظمة، بل كانت على صورة انتفاضات/انفجارات “مهمشين” غير منظمة تكررت مرتين أو ثلاثا في عامي الأزمة 1997-1998. والدور الذي لعبته تلك الانتفاضات لم يكن، بطبيعة الحال، قيادة الحركة الجماهيرية أو بناء أشكال شعبية منظمة، بل دك حصون السلطة المستبدة وإنهاكها بالقدر الذي سمح لكل من الحركة الطلابية والقيادات السياسية المعارضة بخوض معركة ناجحة ضد السلطة انتهت بإسقاط سوهارتو.

إذن فالحركة الجماهيرية الناهضة هي المفتاح إلى المستقبل، إلى مصر الجديدة التي نريدها. وسواء كان صعود الحركة، العمالية بالذات، سيؤدي إلى بناء تنظيمات قاعدية ذات أفق سياسي قادر على قيادة الشعب إلى التحرر، أو إلى دك حصون الاستبداد، ومن ثم إلى إعطاء قوى سياسية تقليدية الفرصة للتغيير، فإن الأمر الأكيد هو أن وجود تيار اشتراكي جذري في قلب تلك النضالات هو عامل جوهري لمنع استيلاء أنصار الرأسمالية أو المتهادنين معها على قيادة الحركة وتحويلهم دفتها، كما حدث للأسف في بولندا وإندونيسيا، إلى مصالح الطبقة التي يمثلونها. فنحن لا نريد أن يسرق الأعداء، سواء في صورة جناح يميني في نقابة أو حزب عمالي، أو في صورة حزب تقليدي وسطي أو يميني كالإخوان المسلمين أو غيرهم، كفاح الجماهير وتضحياتهم على المتاريس من أجل الخبز والحرية.