بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لتسقط الحسابات

ليس هناك احتياجا حقيقيا لبداية هذه الكتابة بشرح وتفصيل المنطق السياسي والفكري الذي يشرح ويبرر أهمية مناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني، فلم نقابل بعد من يدافع عن الكيان «الاسرائيلي» الا قلة قليلة مخدوعة بما يسمى «الديمقراطية» الاسرائيلية، رغم أن المصطلحين لابد وبالتعريف لأن يقوم كل منهما بنفى الآخر: الديموقراطية / اسرائيل. هذه القلة- وبمنتهى حسن النوايا- ليست الا من الجيل الجديد الذي لم يكمل عامه الثلاثين بعد وقلة أخرى من المنتفعين الجدد! ويبدو لي هذا الرقم ذي مغزى كبير إذا أخذنا في الاعتبار أن معاهدة كامب ديفيد (التي أدعوكم لاعادة قراءتها) قد أصبحت حقيقة واقعة منذ حوالي ثلاثين عاما. ومنذ ذاك التاريخ المشئوم تشكلت جبهة معارضة شعبية- بدون الكثير من الحذلقة- تناهض التطبيع، فكانت هذه من أكبر المفارقات في التاريخ: معارضة معلنة وشعبية- تباركها الدولة- لمعاهدة قانونية أبرمتها الدولة. حتى أن الذهاب إلى اسرائيل كان يجلب على صاحبه الشك الأمني، ناهيك عن ما يسمى «البهدلة»، كما أنها رحلة يتم التعامل معها بوصفها مرضا معديا لابد من الابتعاد عن صاحبه، ومؤخرا تحولت احدى التهم الشائعة- للتحذير والعقاب والانتقام- في أوساط العمل السياسي والتنموي إلى الصاق مجريات الأمور باسرائيل تأثرا أو تمويلا أو حتى تشييد علاقات.

فما الذي حدث؟ ما الذي أدى إلى رمى برقع الحياء «في البحر»؟ وقعت أشكال التطبيع الاقتصادي سرا وقسرا وقهرا وغصبا، اتفاقيات لم تحتج الا إلى توقيعين: واحد من هنا وآخر من هناك؛ وعلى المتضرر أن «يلوث» الجدران بدماء رأسه المسكين؛ كويز ومبيدات وزراعات وخوخ اسرائيلي «كبير وزى الفل»؛ زيارات وزيارات لتهدئة الوضع في غزة (أو على الأقل هكذا قالوا لنا) رغم أنه في اليوم التالي لاحدى تلك الزيارات ماتت سيدة حامل على المعبر لأن السلطات المصرية رفضت فتح المعبر لكى لا يقوم الفلسطينيون «باحتلال» رفح والعريش، ولأنه لابد من احترام سيادة الدولة المصرية على حدودها، رغم أن طابا حتى الآن تتعامل بخط تليفون محلي مع اسرائيل! هل هو الخوف من ذاك الآخر الرهيب؟ هل هو تودد لأصدقاء الأصدقاء؟ هل هو تسليم بالأمر الواقع؟ هل سقطت القضية بالتقادم؟ هل استمرت آلياتنا محصورة في الصراخ الذي يؤلم الحنجرة وفقط؟ هل بليت البيانات؟ ربما هى كل تلك الأسباب لكن…لكن…ظل الفخر بمناهضة التطبيع شامخا ومعلنا وقويا في المجال الثقافي، تحديا لذلك البند في المعاهدة الذي ينص صراحة على أن: « يتفق الطرفان على إقامة علاقات ثقافية عادية بعد إتمام الانسحاب المرحلي. يتفق الطرفان على أن التبادل الثقافي في كافة الميادين أمر مرغوب فيه وعلى أن يدخلا في مفاوضات في أقرب وقت ممكن وفي موعد لا يتجاوز ستة أشهر بعد إتمام الانسحاب المرحلي بغية عقد اتفاق ثقافي.»

بهذا البند تحديدا- الذي وقع عليه السادات في 1979 (معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية وليس كامب ديفيد) كانت البوابة إلى التطبيع الثقافي الذي لم تتوان أوساط المثقفين (بالمعنى الواسع للكلمة) عن وصمه بأقذع التهم دون أى حسابات. فكانت كل المحاولات تتم سرا حتى يأس المسئولون من مجرد المحاولة وكانت العلامات الدائمة هى منع مشاركة اسرائيل في معرض الكتاب أو مهرجان السينما. ظل الأمر هكذا ولم نحسب حساب أشياء أخرى من قبيل الشوق والتوق والتحرق والموت كمدا من أجل الحصول على مناصب. ولكن المشكلة أن منصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو (وهو منصب غير مضمون في حد ذاته إذا تذكرنا صفر المونديال) لن يضيف لنا كأفراد أى شيء ولن ينتقص بالمثل فقدانه أى شىء، ولذلك علينا اذاحة الوهم الذي صدره الوزير عندما قال- في رد فعل على استدعائه في مجلس الشعب- «إذا كانوا مش عايزين مصر تاخد اليونسكو يقولوا صراحة». ابتزاز غير مقبول، ومحاولة لجعلنا جميعا أن نظهر كالأغبياء الذين لا يعرفون مصلحة «الوطن»!

يبدو هناك طرفان إذن في هذا الاشكال المستفز الذي ثار إثر اجراء وزير الثقافة حوار مع جريدة «يديعوت أحرونوت» (الجريدة الرسمية) التي يمكن تصنيفها أنها صهيونية بامتياز. الطرف الأول هو «نحن»، أيا كان معنى نحن في هذا السياق، وهو طرف يرفض شكلا ومضمونا ما قاله الوزير للصحيفة في سبيل الحصول على منصب اليونسكو. والطرف الثاني هو الوزير بكل ما قاله دون أى مراعاة للعديد من القنابل التي تنتظره،فهو أولا لم يراع الحركة الشعبية لمناهضة التطبيع، وثانيا لم يراع كونه سياسيا مفروضا عليه أن يفهم علاقات القوى المعقدة والمتشابكة، وثالثا لم يهتم مطلقا أن يبدو بمظهر السياسي المحنك الذي يفهم معنى آليات التفاوض السياسي. لم يهتم الوزير الا بشىء واحد: «انتخبوني..انتخبوني، وسأحقق لكم (أى اسرائيل) أحلامكم». ولأنه لا يمكن تصنيف حوار الوزير مع الصحيفة الاسرائيلية بوصفه خطابا سياسيا بأى حال من الأحوال فقد استدعى كل ما قاله كافة أشكال الهجوم، والاستفزاز لجموع المثقفين الرافضين أن يزج بهم في سباق حصول على المناصب.

إذا كان الوزير يريد أن يذهب لاسرائيل فليذهب، فالوزراء يذهبون لاسرائيل كل يوم، رحلة الوزير لن تؤثر الا على هؤلاء الذين يعملون معه والذين سيتعين عليهم أخذ مواقف دون أى مواربة، وهو الأمر الذي لا ينطوي على أى غضاضة، فهذا قانون طبيعي يحتم علينا الاختيار في لحظة بعينها (رفض البعض التوقيع على البيان الذي أصدره المثقفون لرفض ما قاله الوزير للصحيفة ولم أجد أية غضاضة في ذلك). لسنا هؤلاء المراهقون السياسيون الذين «يغضبوا» من وزير في الحكومة المصرية قام بزيارة اسرائيل. الأمر أبعد من ذلك: ليذهب الوزير المكان الذي يرغب فيه طالما أن ذلك سيصب في مصلحته بشكل مباشر (أرجو الا يقول لي قائل متحذلق أن كل ما يفعله هو من أجل مصر) لكن عليه الا يأخذ معه اسم المثقفين. هذه هى بالتحديد النقطة التي تدفعني إلى قمة الاستنفار، وهو ما يدعوني إلى توضيحها: عندما تم توقيع اتفاقية تصدير الغاز لم يحتج المشهد الا لثلاثة أشخاص. سامح فهمي من ناحية وايلي عازر من ناحية أخرى وبينهما أحمد نظيف يبارك التوقيع. فقط ثلاثة أشخاص تمكنوا من ممارسة تطبيع اقتصادي بأبخس الأثمان مع العدو الصهيوني، في حين أنه في تلك اللحظة بالتحديد كانت نفس الحكومة تتابع (أو لا تتابع) تساقط المصريين في طوابير الخبز تحت شمس حارقة وفقر مدقع ويأس كامل (أحاول تخيل أهل المتوفي في العزاء يشرحون أسباب الوفاة). هذه هى حكومتنا الرشيدة التي اعتدنا منها على ذلك الصلف واللامبالاة والقدرة الهائلة على التبرير. ورغم كل ذلك قامت الحملة الشعبية من أجل وقف تصدير الغاز لاسرائيل، وهو ما نتج عنه استجابة في مجلس الشعب. لكن الأمر في الثقافة يختلف تماما، بالطبع لن يكون مكتب اليونسكو في تل أبيب كما قال عبده خال الكاتب السعودي في برنامج «الحياة اليوم» على قناة الحياة، لكن كما قال أيضا أسامة أنور عكاشة في نفس البرنامج أن الثقافة تعني حياة بأكملها، تعني الزواج والطلاق والقراءة والمشاهدة والأكل والملبس والفكر. الوزير- بما قاله (راجع صحيفة الجمهورية في عددها الصادر بتاريخ الأحد 15 يونيو)- يجر معه بشكل عام شعب بأكمله وبشكل خاص كل المثقفين، وهو ما يرفضه الجميع بشدة. فلن نقبل أن يزج بنا في صراع محموم لا يمانع من التودد لعدو بمنتهى الصراحة والعلانية وبدون مواربة من أجل الحصول على صوت كيان محتل في انتخابات اليونسكو. هذا الخطاب المكيافيلي الذي يؤمن أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المناصب العالمية لابد وأن تضم الجميع، وأن العالم قد أصبح قرية صغيرة، وأن اسرائيل دولة كائنة فعليا، وأنها عضو في مجلس ما بمكان ما، وأن الحكمة تقتضي عدم التقليل من شأن اللوبي الصهيوني الذي أصبح بامكانه المنح والمنع، هذا الخطاب يخص الوزير والحكومة بمفردهما ولسنا مضطرين إلى قبوله. فبما أنه لم نستشار في مسألة التوقيع على المعاهدة الكامب ديفيدية لسنا مضطرين الآن إلى قبول خطاب يتوسل إلى العدو ويطمئنه بتحقيق كل أحلامه إذا «انتخبتوني»، الخطاب الذي لا يغفل أن «يهدد» العدو ويحذره من وقوع أزمة سياسية بين البلدين في حال تمت عرقلة انتخاب الوزير. الوزير الذي تعنتر فقال «أى كتاب اسرائيلي» سأحرقه، ثم عاد وقال للصحيفة «من كثرة الحاح النائب على قلت ذلك»، وأكد أن ذاك الكلام لم يدرج في المحضر الرسمي للجلسة، ثم عاد وقال أن ذلك الكلام وقع في الردهة بمجلس الشعب (كل ذلك في محاولة لاطفاء غضب آل صهيون)، وعندما بدأ الهجوم المحلي قال الوزير- ما كنت أنتظره- أن الصحيفة لم تكن دقيقة في نقل كلامه.

كل محاولات تسطيح الأمور لن تنجح، ومحاولات تصويرنا بمظهر السذج الذين ثاروا لأن الوزير سيذهب إلى اسرائيل غير مجدية، لأن الغضب لم يعلن نفسه بسبب استعداد الوزير للذهاب إلى الرحلة المقدسة (بعد قيام الدولة الفلسطينية طبعا)، بل الغضب وكل الغضب من الخطاب الذي صغرنا جميعا وقلل من شأننا دون أن يكون لنا ناقة أو جمل أو حتى قطة في صراع المناصب. كل ما لنا هو الرفض القاطع لأى شبهة تطبيع مع عدو بربري ولتسقط كل الحسابات.