بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التوجه للجماهير هو مستقبل الحركة الوحيد

لم يعد كافيًا أن نتحدث عن التغيير.. بل أصبح من الضروري أن نحدد التغيير الذي نريد.. وأن يكون التغيير الذي نريده “ممكنًا”.. لم يعد كافيًا أن تتوحد “الحركة” على المطالب الديمقراطية، حيث اتضح أن حتى مفهوم الديمقراطية، أو فلنقل مفهوم النضال من أجل الديمقراطية ليس متفقًا عليه.. لم يعد مقبولاً أن يرفع شعار التغيير في حين أن المراد فعليًا هو الإصلاح.. والفرق هو رهاننا على ما يمكن تحقيقه في ظل هذا النظام..

في بداية ميلاد حركات التغيير المتعددة كان يبدو أن هناك إجماع على مطالب التغيير، وسعيًا للحفاظ على هذا المفهوم الموحد استبعدت القوى فعليًا من نضالها – حتى ولو لم تستبعد من خطابها – المطالب التي تتجاوز حدود الديموقراطية.. وقد كشفت الأحداث أن هذا الإجماع لم يكن حقيقيًا وهو ما انعكس في مواقف القوى طوال العام الماضي، وبدءًا من إعلان مبارك تعديل المادة 76 من الدستور.. جاءت الدعوة لهذا التعديل مفاجأة لمن لم يتوقع تلك الخطوة المراوغة من النظام ولطمة لكل من رفع صوته بأنه لا مجال لتعديل الدستور “الآن” من داخل وخارج النظام، ودليل جديد على أن الكلمة الأولى والأخيرة هي للديكتاتور الذي افتخر بأنه لم يستشر في هذا الأمر سوى قليل من الشخصيات..

تسببت تلك المراوغة في بلبلة الحركة، فهناك من رفض التعامل معها بجدية، وهناك من رأى فيها خطوة منقوصة لكنها للأمام، فجاء يوم الاستفتاء ليقدم إجابة واضحة على جدية الخطوة: عنف أمني فاجر وتحرشي بالمتظاهرين وتزوير مثبت في تقرير القضاة.. وتشكلت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية لتصبقح بموجب الدستور المعدل أعلى سلطة في البلاد.. كل تلك التداعيات كانت جديرة بأن تقدم الإجابة الواضحة على “جدية الخطوة” ومدى استهانتها بعقول المصريين وآمالهم في حياة خالية من الطوارئ والمعتقلات والتعذيب والفقر والمرض.. حياة خالية من مبارك ونظامه.. إجابة كان من المنطقي أن توحد الصفوف، قولاً وفعلاً، حول النضال من أجل سلب النظام شرعيته الوهمية.. حتى تأتي نتيجة الانتخابات، المعروفة مسبقًا، مفتقدة لأي مشاركة شعبية أو حتى نخبوية.. وبدا أن ذلك هو الموقف الذي ستتخذه المعارضة التي توافقت على أن الاستفتاء باطل وما يترتب عليه باطل.. وتزاحم شعار باطل مع شعار كفاية في المظاهرات، وكان الموقف المنطقي، في تصوري أيضًا، أن تعلن المعارضة عدم مشاركتها بأي شكل من الأشكال فيما ترى أنه باطل وأن تعزف عن إضفاء أي شرعية عليه…

لكن المنطق ليس بالضرورة ما يحكم الأمور، خاصة لو اعتبر الناس أن معركة الرئاسة خاسرة في كل الأحوال وأن معركة الانتخابات تلوح في الأفق وأن الحسابات لا بد وأن تختلف.. فكانت حركة التغيير ضحية لتلك الحسابات..

قليلون هم من لم يشاركوا حقيقة في الانتخابات الرئاسية.. فالأغلبية شاركت إما بالمراقبة أو التصويت لأي مرشح آخر غير مبارك أو الترشيح “كمنافس”.. فجاء ترشيح نعمان جمعة ومباركة التجمع المقاطع والناصري المقاطع لذلك الترشيح علامة استفهام كبيرة حول الدوافع والصفقات التي أدت لهذا الشق في وحدة الموقف.. وتلبست حركة الإخوان المسلمين فجأة روح الديمقراطية فاستبدل مبدأ السمع والطاعة بأن لكل عضو الحرية في أن ينتخب من يريد مع التشجيع على المشاركة والإصرار على عدم النص على رفض مبارك صراحة تحت دعوى عدم شخصنة المعركة!! ارتفعت الأصوات تعلن أن النظام غير شرعي ومع ذلك اشتبكت مع اللعبة غير الشرعية.. وبدلاً من أن ينخرط الجميع في تنظيم عصيان سياسي للآلاف القليلة التي شاركت في المظاهرات المطالبة بالديمقراطية.. بدلاً من أن يشهد يوم الانتخابات 20 مارس جديدة في ميدان التحرير تعلن بأن ما يحدث في اللجان لا شأن لنا به وأنه برمته من تأليف وإخراج وإنتاج الحزب الحاكم، انخرطت أعداد لا بأس بها في اللعبة بين من شاركوا في الانتخابات ليصوتوا لأي مرشح آخر غير مبارك، وبين من شاركوا في “مراقبة الانتخابات”.. لم يكن غريبًا في هذا الجو أن يتراجع موقف القضاة فيقررون المشاركة في المراقبة بعد أن ألهمت انتفاضتهم حركات التغيير التي فشلت للأسف في إلهامهم ودعمهم بشكل فعلي.. وفجأة أصبح الهم الأساسي هو فضح النظام الذي شبع وشبعنا من فضحه..

لست أدري هل هو من حسن حظ حركات التغيير أو من سوء حظها أن جاءت الانتخابات البرلمانية بعد الرئاسية مباشرة، فشغلت الناس وستستمر في شغلهم لفترة من الزمن.. إلى أن يأتي اليوم الذي نجد فيه أنفسنا بدون انتخابات بدون مراقبة بدون طعون بدون مرشحين ولا سرادقات أو مظاهرات انتخابية.. إلى أن يأتي اليوم الذي ستنخفض فيه سخونة الأحداث لنجد أنفسنا أمام ذات الوطن: مبارك ونظام مبارك وطوارئ وتعذيب واعتقالات ومزيد من الخصخصة والفقر والمرض والإحباط.

اليوم أتصور أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن تغيير دون هوية.. دون تحديد كافة تفاصيل هذا التغيير المنشود.. لا مجال لنضال ديمقراطي معزول عن النضال الطبقي والاجتماعي.. لا مجال لطمس الهوية من أجل التوافق وتأجيل بعض المطالب لحين تحقيق المطالب التي تحظى باتفاق الجميع.. ذلك أن تحقيق تلك المطالب المتوافق عليها لن يتم سوى بإزالة هذا النظام برمته.. فالمطالب الديمقراطية في بلادنا هي باختصار إزالة كل ما يستند عليه هذا النظام لاستمراره.. لا يمكن لهذا النظام أن يستمر دون حشود الأمن المركزي وترسانات مباحث أمن الدولة وأوامر الاعتقالات وآليات التعذيب التي تنال القاصي والداني من فقراء هذا البلد ورموز معارضته.. والنظام أكثر الأطراف إدراكًا لذلك وهو يدرك أن غياب أي من هذه الآليات سوف يعني القضاء عليه.. لا يوجد من سبيل سوى أن يكتسب هذا النضال بعده الطبقي والاجتماعي.. أن تتحول الطاقة الموجهة نحو فضح النظام أمام العالم إلى تنظيم الجماهير التي لا تحتاج إلى أدلة على ديكتاتوريته واستبداده..

التغيير الممكن الوحيد في تقديري هو انتزاع ذلك التغيير، وإذا اتفقنا، كما يبدو من الخطابات المختلفة، أن الديموقراطية لا تمنح وإنما تنتزع.. فإن الجيش المؤهل لانتزاعها لازال غائبًا عن الساحة.. وهو ليس غائبًا عنها بحكم سلبيته أو غياب وعيه بالقمع الواقع عليه أو قلة معرفته بالمصالح والفساد الذي يحكم البلاد.. فالجماهير أدرى بذلك من كل رموز المعارضة.. لكنه غائب لأنه لم يكن حتى الآن في مركز الاهتمام أو الانتباه من قبل تلك الحركات.. إن التوجه السياسي والتنظيمي للجماهير هو، في تقديري، المستقبل الوحيد المفتوح أمام الحركة التي ترفع شعار التغيير وتقصده.. تغيير يستهدف إعادة توزيع الثروة والسلطة السياسية لمصلحة الغالبية الكادحة من بنات وأبناء هذا الشعب.. تغيير قد يزيح في طريقه العديد من الأصوات المطالبة به حاليًا.