بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أليكس كالينيكوس: اليسار يحتاج إلى أحزاب جديدة للنضال ضد الإمبريالية والليبرالية الجديدة

أليكس كالينيكوس أحد قيادات حزب العمال الاشتراكي وحزب ريسبكت في بريطانيا، وأحد الوجوه البارزة في اليسار الثوري الأوروبي وحركة مناهضة العولمة والحرب. في هذا الحوار يطرح كالينيكوس رؤيته حول ضرورة أحزاب اليسار العريضة، وحول استراتيجيات اليسار الثوري، في المرحلة الراهنة للصراع الطبقي عالميا.

من خلال خبراتك كمناضل اشتراكي ثوري على مدى ما يزيد على ثلاثين عاما، ما رأيك في تطور الظروف التي واجهها اليسار في العقود الأخيرة؟

في السبعينيات عندما كان اليسار في موقع الهجوم، وعندما كانت هناك نضالات عمالية كبرى، وعندما كانت القوى الثورية موجودة في العديد من البلدان، كان هناك جدل حول “الاستراتيجية” بين الثوريين، لأن السياسات الثورية مثّلت احتياجا ماديا لإنجاح النضالات العمالية. ولكن في الثمانينيات، ومع هزيمة الحركة، أصبحت الأسئلة الاستراتيجية عديمة الدلالة، لأنه لم تكن هناك طريقة يرتبط بها اليسار الثوري بأي شيء له قيمة. فقط كنا نحاول البقاء.

لقد تغير الموقف الآن. حدث هذا أولا بسبب الموجة الراديكالية الجديدة. ولكن أيضا بسبب المعضلات الملموسة. فلدينا الآن حكومات لليسار الاشتراكي في أمريكا اللاتينية. فما الذي يجب على الثوريين فعله تجاه هذه الحكومات؟ ولدينا حالات، مثل البرازيل، انضمت فيها قوى ذات تراث ثوري إلى هذه الحكومات. وهكذا.

وما هي الإجابات التي يقدمها اليسار اليوم على “الأسئلة الاستراتيجية” المطروحة؟

بالنسبة لأوضاع اليسار العالمي اليوم يمكننا القول إن ما يحدث هو عملية استقطاب. فهناك من نسميهم في أوروبا “الاستقلاليين” مثل جورج جالاواي، وشعارهم “واجه العالم دون تمزيقه”، بمعنى أنهم يرون أننا نستطيع أن نتخلص من الرأسمالية دون مواجهة الدولة الرأسمالية. وهناك موقف التيار الإصلاحي التقليدي الذي يسعى إلى تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، مثل توني بلير. وبعد ذلك لدينا الثوريين الذين يتخذون مواقفا راديكالية.

وما هو انعكاس هذه الظروف والتيارات الجديدة على ظاهرة تكوين أحزاب جديدة لليسار في بلدان العالم المختلفة؟

بالنسبة لأحزاب اليسار الجديدة، علينا أن نفكر في الظروف التي يخلقها النضال في الدول المختلفة. فحزب “ريسبكت” في بريطانيا نشأ في سياق حركة مناهضة الحرب. ذلك أن القوى السياسية المختلفة التي لم تعمل سويا من قبل بدأت العمل المشترك في سياق تلك الحركة. ثم واجهتها أزمة. ففي اجتماع وراء اجتماع كنا نجدهم يقولون “نعم نحن ضد الحرب، ولكن بلير ما زال في السلطة، فلمن سنصوت في الانتخابات القادمة؟” هذه هي الحالة التي أدت إلى نشوء “ريسبكت”. كان “ريسبكت” حلا لسؤال طرحه تطور الحركة بسبب قوتها، وكذلك بسبب فشلها في وقف الحرب وإسقاط بلير.

هذه ظروف بريطانية خاصة. ولكن من الممكن تعميم الظاهرة. فهناك نوع من التفاعل يحدث بين الصراع ضد الليبرالية الجديدة وأزمة الأحزاب الإصلاحية القديمة. يمكننا أن نرى هذا بشكل واضح في ألمانيا التي كان لديها أقوى حزب اشتراكي ديمقراطي. صمد هذا الحزب أمام حربين عالميتين وأمام هتلر وعاش خلال الحرب الباردة، ولكنه انقسم حول البرنامج الليبرالي الجديد لشرودر. من هنا بدأت توجد الآن قوة جديدة على يسار حزب شرودر تعمل على أن تكون بديلا انتخابيا له.

ولكن هناك عوامل ذاتية يجب أن توضع في الاعتبار، مثل الإرادة السياسية لليسار الثوري. أعتقد أنه في حالة بريطانيا، وبدون أن نقول أن “حزب العمال الاشتراكي البريطاني” بلا أخطاء، نستطيع القول أننا تحركنا بشكل صحيح للاستفادة من الفرصة التي أوجدتها حركة مناهضة الحرب. لم يكن من الممكن أن نفعل هذا بدون أشخاص مثل جالاواي وبعض المسلمين التقدميين وشخصيات يسارية أخرى. ولكن دورنا كان هاما.

أما إذا نظرت إلى الوضع في فرنسا فهناك اختلافات هامة. فبالرغم من الحاجة إلى جبهة موحدة لليسار، إلا أن المشكلة هي أن المنظمة الثورية الرئيسية، “عصبة الشيوعيين الثوريين”، بالرغم من تأكيدها أن الظروف ناضجة الآن لتكوين جبهة متحدة لليسار، تتسم بدرجة عالية من الحرص والتردد.

ولكن هذا التردد له ثمنه. فالموقف لن يكون مثاليا أبدا. لذلك يتحتم على الثوريين، بجانب بالتحليل الموضوعي للظرف، أن يدركوا أن لتدخلهم تأثير في تغيير الواقع الموضوعي.

وهل معنى ظهور حزب كحزب ريسبكت في بريطانيا انتهاء الحاجة إلى جبهة “أوقفوا الحرب” التي أفرزته؟

تحالف “أوقفوا الحرب” البريطاني المناهض للحرب، شديد الأهمية. فهو أوسع من حزب “ريسبكت”. وهو يحظى بدعم النقابات العمالية، وله مؤيدين من الجناح اليساري لحزب العمال. لذلك فمن المهم الحفاظ عليه كجبهة متحدة واسعة يمكن للشخص الرافض للحرب دعمه بغض النظر عن حزبه السياسي. إذا لم يستمر التحالف فحتى “ريسبكت” ستعاني، لأن “ريسبكت” تكونت من داخله. وكما يقول جورج جالاواي: “التحالف هو المصدر الرئيسي للراديكالية المعاصرة في بريطانيا.”

ما الذي يمكننا تعلمه من التجارب المبهرة للنضال الجماهيري في أمريكا اللاتينية؟

تجربة أمريكا اللاتينية هامة جدا. هجمات الليبرالية الجديدة كانت في كل مكان، ولكن في أمريكا اللاتينية كان هامش البقاء بالنسبة للجماهير أضيق بكثير. ولذا، فبالرغم من وحشية هجمات الليبرالية في أمريكا اللاتينية، وبالرغم من الضعف الذي أصاب تراث المقاومة في القارة في الثمانينات والتسعينات، إلا أن هناك سلسلة من الأشياء بدأت في إعطاء الناس الثقة.

فتولى شافيز السلطة في فنزويلا واعتماده على الحشد الشعبي في البقاء فيها أعطى مؤشرا للثقة. ثم أن اختياره أن يتحدي الولايات المتحدة ترك في الناس أثرا مضمونه أننا نستطيع هزيمة الإمبريالية. من ناحية أخرى، نجد في بوليفيا نضالا شديد التقدم، وخاصة الهبة الشعبية في 2005، تلك الهبة التي وضعت مسألة السلطة السياسية على جدول الأعمال بطريقة لم نرها منذ السبعينات.

لكننا نلاحظ أن نضالات أمريكا اللاتينية المبهرة لم تؤد إلى القضاء على الرأسمالية.. حكومات اليسار التي صعدت للسلطة في بعض بلدان تلك القارة حكومات إصلاحية وليست ثورية بالرغم من الهبات الثورية للجماهير.. فما معنى هذا؟

من المهم أن ندرك أن الإصلاحية هي شيء يظهر بشكل طبيعي عندما تحدث صراعات كبرى. لأنه عندما يحدث صراع كبير فإن الجماهير تقاتل للمرة الأولى. وعندما تقاتل للمرة الأولى فأنت لا تفترض تلقائيا أن طريقة تغيير الأشياء تتم من خلال الثورة. الشيء الطبيعي الذي تفترضه الجماهير هو أننا نستطيع أن نجعل الأشياء أفضل من خلال حل وسط. أما الوعي الثوري، فهو عملية تحدث مع الوقت. ودور الثوريين أن يكونوا جزءا من النضال، يكافحون جنبا إلى جنب مع الجماهير، ولكن في نفس الوقت يجادلون معهم حول الاستراتيجية، وحول الحاجة إلى دفع الحركة قدما.

ما رأيك في مسألة علاقة اليسار بالإسلاميين التي تثير جدلا كبيرا؟

العلاقة مع الإسلاميين أمر مهم. أعتقد أن ما يفعله “الاشتراكيون الثوريون” في مصر صحيح تماما. ففي بريطانيا مثلا يمثل الإسلاميون جزءا هاما من تحالف “أوقفوا الحرب” ومن “ريسبكت”. وقد تمت مهاجمتنا في “حزب العمال الاشتراكي” لأننا فعلنا ذلك. وبالقطع ففي السياق البريطاني يعتبر هذا الهجوم غريبا. فالقطاع الأفقر من السكان هم المسلمون. وهم معرضون للهجمات العنصرية. وبما أن جوهر عمل الثوريين هو أن يقفوا إلى جانب المقهورين، فإن مسألة النضال جنبا إلى جنب في بعض المسائل مع إسلاميين هي مسألة شديدة الوضوح.

ولكن في حالة مصر فإن الأمر أكثر تعقيدا. يبدو لي أن الإخوان المسلمون يلعبون في كثير من الحالات الدور الذي تلعبه الأحزاب الإصلاحية في أوروبا. فهم يعبرون عن غضب الجماهير ضد الدولة، ولكنهم لا يريدون الإطاحة بالنظام، ويقومون بمساومات مع الدولة. إنهم ببساطة ليسوا معادين للرأسمالية.

عندما تواجه تكوين سياسي متناقض بهذا الشكل، يمكنك أن تقرر أن تبقى بعيدا عنه مكتفيا بالترديد إنه ديني ورجعي ويدعم رأس المال. وهذا تحليل غريب. فلم يحدث أبدا أن قام قسم من الطبقة الحاكمة بشكل منهجي بسجن وتعذيب قسم آخر من الطبقة الحاكمة، كما يفعل النظام المصري مع الإخوان.

الأمر الأهم هو أن هذا التحليل معناه أنك ترى أن الملتفين حول الإخوان هم أشخاص لن تستطيع كثوري أن تكسب أقسام منهم إلى مشروع الاشتراكية. هذا خطأ. الحقيقة هي على العكس. وأنا أعتقد أن العمل مع الإخوان المسلمين هو بالتأكيد صحيح. وذلك لأن العمل جنبا إلى جنب يؤدي إلى بناء الثقة مما يسمح بالدخول في نقاش سياسي مع كثيرين ممن يرون (خطأ) أن الإخوان قوى نضالية مستقيمة ستواصل المعركة إلى النهاية.

الحقيقة أن النقاش حول طبيعة الإخوان المسلمين يذكرني بالمقولة الآتية للينين: “يعتقد البعض أن كثير من الناس سيقفون على أحد الجوانب ويقولون نريد الاشتراكية، بينما ستقف مجموعة أخرى على الجانب الآخر وتقول نريد الرأسمالية، وأن تلك ستكون هي الثورة. من يفكرون هكذا لن يروا الثورة أبدا. إن الثورة عملية معقدة تأخذ فيها الجماهير وقتا في التخلص من الأفكار القديمة والتحرك نحو الافكار الجديدة.”

بالعودة إلى تجارب الأحزاب اليسارية الجديدة في أوروبا وأماكن أخرى.. ما هو في رأيك مستقبل تلك الأحزاب؟ وما هي طبيعة علاقتها بالأحزاب الإصلاحية؟

هناك شيء يجب أن نضعه في اعتبارنا فيما يتعلق بالإصلاحية، وهو أنها قديمة وقوية تاريخيا، ولكنها تتعرض لعملية تحلل أفقدتها جزء كبير من قاعدتها العمالية. في مثل هذا الظرف يكون هناك أمران مطروحان على أجندة أعمال اليسار الثوري. الأول هو تكوين تشكيلات سياسية على يسار الأحزاب الإصلاحية القديمة، والثاني هو القيام بنضالات مشتركة مع الإصلاحيين أنفسهم.

بالنسبة لتكوين أحزاب على يسار الإصلاحيين، فإن هذه التكوينات يمكنها بالفعل أن تطرح تحديات على الإصلاحيين. تكوينات مثل “ريسبكت” أو “الكتلة اليسارية” في البرتغال يمكنها أن تمثل تحديات حقيقية، رغم أنها ليست منظمات ثورية، وذلك لأن الأحزاب الإصلاحية التقليدية تحركت كثيرا إلى اليمين.

كثير من الشخصيات القيادية في التشكيلات الجديدة يريدون العودة إلى الأيام السالفة للأحزاب الإصلاحية. جورج جالاواي مثلا يقول دائما: “إنني أفضل حزب العمال القديم.” ولكنهم مهمون جدا لأن لهم تأثير كبير في جذب أقسام من الطبقة العاملة بعيدا عن الأحزاب الإصلاحية القديمة.

من جانب آخر، هناك إمكاية حقيقية لتكوين ائتلافات بين الثوريين والأحزاب الجديدة والإصلاحيين. علينا ألا ننسى أن الأحزاب الإصلاحية القديمة لديها قواعد في أوساط الطبقة العاملة. ولذا، فبالرغم من أنه من المغري أن نكون انفصاليين تجاه تلك الأحزاب، إلا أن هذا خطأ لأنه يؤدي إلى خسارة قواعدها.

في ضوء هذا الطرح الذي يركز على أهمية الأحزاب اليسارية العريضة.. هل لازالت هناك أهمية لاستمرار اليسار الثوري في بناء التنظيمات الثورية؟

لابد من إحداث توازن بين بناء الحزب الثوري وبناء تحالف اليسار العريض وبناء العمل الجبهوي الواسع. بالنسبة لنا الدائرة الأكبر هي تحالف “أوقفوا الحرب” (الجبهة المتحدة الواسعة)، والدائرة التالية هي “ريسبكت” وهي أضيق (حيث لا تشمل حزب العمال)، ثم تأتي الدائرة الأصغر وهي “حزب العمال الاشتراكي البريطاني (أي المنظمة الثورية). ومن المهم جدا أن نبني الثلاثة جميعهم. أنا لا أعني أن أهمية تلك الدوائر تتماثل تماما. ولكن الفكرة هي أننا إذا لم نبني الحركة الأوسع سنكون بعيدين عن نضالات الناس اليومية، وإذا لم نبني تحالف اليسار العريض ستتضائل قدرتنا على التأثير على الحركة، وإذا لم نبني التيار الثوري المنظم سنصبح بدون أي دعم حقيقي لسياساتنا. وسبب أهمية بناء تيار ثوري داخل تحالفات اليسار العريضة وداخل الحركة يأتي ليس حبا في التنظيم بشكل مجرد، ولكن لأن هناك مسائل استراتيجية تحتاج إلى التنظيم الثوري للدفاع عنها في الحركة الواسعة. فـ”ريسبكت” ليس لديها موقف من الإصلاح أو الثورة، ولكن نحن لدينا موقف نرى أن له أهميته في تقرير مستقبل نضالاتنا اليوم وغدا.