الأيام الأخيرة
النظام يقف في حقل رمال. هذا ما تثبته الأسابيع الأخيرة. فمن أزمة العبارة إلى أنفلونزا الطيور إلى أحداث الإسكندرية إلى تفجيرات دهب إلى المواجهة مع القضاة، ولا يبدو أن النظام تجاوز أياً منها. بل على العكس فإن الحقيقة هي أن كل رد فعل يقوم به النظام دفاعا عن نفسه وبقاء مبارك على قمته لحين إتمام نقل السلطة لنجله – وهو همه الأساسي الآن – يغوص بأقدامه أكثر فأكثر.
فأزمة العبارة فتحت ملف الفساد، بالذات بعد هروب ممدوح إسماعيل، ولم يغلق. بل على العكس فإن تردد الحكومة وتباطؤها وهروب الرجل ساهم في تزايد النقمة عليها وبدأت ملفات أخرى في الظهور. وأزمة أنفلونزا الطيور لاتزال مستمرة. أما تداعيات مسألة الأقباط فهي تتفاقم يوما بعد يوم وقصة الوحدة الوطنية الثابتة التي لا يخل بها سوى متخلف عقليا، أثارت الجميع على النظام وحكومته.
أما أزمة تفجيرات دهب فهي مثل واضح على هذا الوضع. فسواء كانت التفجيرات من عمل تنظيم إسلامي صغير تابع للقاعدة أم من عمل البدو، فهي نتاج للقمع والتهميش الذي مارسته الحكومة على سكان سيناء على مدى عقود، وتصاعد دراميا بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ. وأدخل النظام نفسه في مواجهة شاملة مع بدو سيناء تحت مظلة القبلية ورد الثأركانت أم تحت مظلة إسقاط النظام الكافر المتعاون مع الصهاينة. وبالتأكيد ساهمت ردود فعل النظام، الأمنية القمعية في أساسها في تعميق المواجهة والأزمة.
ولا تخرج أزمة القضاة عن هذا الاتجاه العام. فنظريا القضاء هو ركن من أركان حكم البرجوازية بما يمثله كسلطة للقانون البرجوازي. وهو أحد أساطير الحكم التقليدية كالجيش الوطني واستقلالية الدولة عن الطبقات. وبالتالي فإن الحفاظ على هذه الأسطورة (نزاهة القضاء وإستقلاليته) هو أحد الوسائل الرئيسية في أي مجتمع معاصر لتدعيم شرعية وجود الأنظمة الحاكمة وإقناع الجماهير بها. وهكذا فقد كان الدخول في مواجهة مع القضاء المصري منذ اللحظة الأولى تعبيرا عن أزمة حقيقية. لكن فشل النظام في نزع فتيل الأزمة على مدى ما يصل إلى عام، حولها إلى أزمة هيكلية وإلا فذكرونا أين حدث في العالم أن لجأ القضاة لأساليب الاعتصام والتظاهربل ويتعرضون للضرب والسحل وهم يفعلون ذلك على يد الشرطة.
وفي وسط هذا كله يخرج مبارك علينا فيما يسمى الاحتفال بعيد العمال وكأن لا شيء يحدث. نفس خطابات النفاق ونفس الهتافات التي لا يصدقها ولا يتماهى معها أحد. بل يكاد مبارك لا يتعرض لكل هذه الأزمات بكلمة وكأنها لا تحدث أو كأن عدم الحديث عنها سوف يجعلها تختفي.
تصرفات النظام قد لاتبدو عقلانية لكنها مفهومة تماما إذا رأيناها من زاوية نظام يدخل أيامه الأخيرة. فالسمات العامة لهذه الأيام هي أن يفقد النظام الطبقي قدرته على مرونة الحركة، ولا يستطيع أن يكيف نفسه لظروف جديدة تفرض نفسها عليه فرضا، وبالتالي يتعامل معها بنفس الأساليب التي تعود عليها غير مدرك أنه لم يعد هناك مجال للحكم بنفس هذه الطريقة التي تعود هو عليها والتي صارت غير مقبولة من المحكومين وغير قادرة على الخروج به من الأزمات التي يتعرض لها. ونظام مبارك متكلس بالفعل على مدى السنوات الأخيرة لكن هذا التكلس قد راكم أوضاعا محتقنة على كافة الجبهات. ويبدو أن وقت تفجر هذه الأوضاع في وجهه قد حان.





