بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليت التاريخ لا يعيد نفسه!

اعتدنا كثيرا في الكتابات اليسارية استعارة تعليق ماركس الشهير على هيجل “إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة.” لكن دعونا اليوم نقول إن التاريخ لا يُعيد نفسه بالضرورة، آملين ألا يفعل ذلك، وألا تفاجئنا وتصدمنا ومضة برق خاطفة لانتفاضة عفوية كالتي انطلقت في يناير 1977، ولم تجد من يدفعها لإسقاط نظام كان مؤهلا ساعتها بالفعل للسقوط.

الحركة المطلبية المتصاعدة في مصر منذ مطلع هذا العام، والتي تزداد اتساعا كل يوم، تخبرنا أننا نعيش مرحلة مد في الصراع الطبقي، وتخبرنا أيضا أنه لو تواصل تصاعدها واتساعها، فإن 2008 سيشهد غالبا احتمالات مفتوحة. فقد ينجح النظام في خطة التوريث، وبالتالي في تشديد قبضته لتحطيم الحركة، وقد تنجح الحركة في التسيس والتوحد والتحول إلى صدام سياسي واسع، بالإضافة إلى طيف آخر من الاحتمالات بينهما. أما المؤسف فيما يجري أن قوى المعارضة الجذرية، التي التفت بمختلف تلاوينها منذ عامين حول حركات التغيير، لازالت تعيش حالة الارتباك التي أصابتها بعد انتهاء معركة القضاة وتمرير التعديلات الدستورية. لازال الجميع يقفون على حافة سؤال: ما العمل الآن؟ والمؤكد أن هذا الحال لو استمر فسوف يُعيد التاريخ نفسه رغم أنف وحسرة الجميع!

البحث عن إجابة على سؤال “ما العمل؟” تستدعي النظر في مجمل التجربة التي وصلت بنا إلى اللحظة التي نعيشها، كما تستدعي العمل على استنتاج المهام المطلوبة، واقعيا وبالفعل، كي تستكمل التجربة مسارها في اتجاه لا يعيد إنتاج النهاية الدرامية لنضالات السبعينات، وتستدعي أخيرا البحث عن الأدوات الممكنة، التي أفرزتها التجربة عمليا، وتطويرها بما يساعد على الوصول للهدف.

التجذير وتحطيم الثقب الأسود

شهدت التسعينات تراجع واسع في الصراع الطبقي. فباستثناء إضراب كفر الدوار عام 1994 ومعركة الفلاحين عام 1997 لم تكن هناك نضالات جماهيرية ذات شأن، اللهم إلا الصدام المسلح بين النظام وحركات الإسلام الجهادي، الذي عكس يأس الجهاديين من إمكانية التغيير بالجماهير.

كان وراء تراجع التسعينات عدة عوامل. الأول فشل موجة إضرابات النصف الثاني من الثمانينات في تحقيق مكاسب على المدى الطويل، رغم نجاحها قصير المدى، مما أدى إلى إحباط واسع؛ والثاني تحلل اليسار وانحسار شعبيته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مما خلق فراغا في الساحة السياسية في مساحة كان يحتلها اليسار في السبعينات لعبت دورا في إذكاء نضالات الجماهير؛ والثالث صعود الحركات الإسلامية المسلحة، الذي دفع – بسبب الطبيعة النخبوية لتلك الحركات – إلى عزوف الجماهير عن النضال؛ والأخير، الأكثر أهمية، هو انطلاق قطار الخصخصة بثبات منذ منتصف التسعينات في سياق شعور عام بعدم جدوى النضال الجماعي لوقفه، مما دعا إلى الاندفاع بحثا عن النجاة في الحلول الفردية.

المهم في الأمر أن تلك العوامل وغيرها غذت بعضها بعضا. فإحباط الجماهير كان يُشعر الطبقة الحاكمة بالثقة في قدرتها على دفع قطار الخصخصة، وذلك بدوره أدى إلى مزيد من الإحباط واليأس من فرص النضال الجماعي. والفراغ الذي تركه اليسار ساعد على صعود الحركات الجهادية، الذي أدى بدوره لمزيد من تحلل اليسار. وعلى جانب آخر ساعد تراجع النضال الجماهيري على تحلل اليسار، الذي بات يشك في جدوى النضال الجماعي وتوقف بالتالي عن المبادرة به، وهكذا. باختصار تراجُع التسعينات نتج عن دائرة مغلقة من الأسباب والنتائج صنعت ثقبا أسود ابتلع كل الغضب والميول النضالية، ولم يخرج منه سوى اليأس والرهبة، اللهم باستثناء شرارات محدودة لم تقدر ساعتها على كسر الدائرة الشريرة.

ما حدث في خريف 2000 مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية وخروج مئات الآلاف من الطلاب المصريين في مظاهرات للتضامن معها، أدى لكسر الدائرة. بالطبع لم يختف الثقب الأسود دفعة واحدة، وإنما لعبت العوامل المختلفة دورها في كر خيوطه الواحد تلو الآخر على امتداد السنوات التالية. شهد 2001 حملات جمع التبرعات للانتفاضة، وخلاله خرجت لأول مرة مظاهرات للأقباط ضد ما يعانونه من اضطهاد. كما انفجرت على مدى يومين مظاهرات للعاطلين في 16 مدينة. وقبل نهاية العام اندلعت انتفاضة في بورسعيد. وفي إبريل 2002 انطلقت موجة ثانية من مظاهرات التضامن مع الانتفاضة بعد اجتياح الضفة. وهكذا بدأت مرحلة من التجذير السياسي في مصر كسرت دائرة التراجع المغلقة.

والحقيقة أن عام 2000 كان كبيسا على نظام مبارك. إذ بدأ بانهيار سعر الجنيه نتيجة لتداعي الاقتصاد منذ 1998، وتلا ذلك انهيار مشروع أوسلو وانطلاق الانتفاضة ومعها حركة التضامن الواسعة، وانتهى بصعود المحافظين الجدد إلى الإدارة الأمريكية، الذين حمّلوا مبارك مسئولية انتشار “الإرهاب” بسبب استبداد نظامه وفساده، مما عرّضه لضغوط شديدة من جانبهم. لعبت أزمة النظام المركبة هذه دورها، من ناحية في عودة السياسة كي تصبح مادة للحياة اليومية وسط عامة المصريين، ومن ناحية أخرى في التناحر داخل صفوف الطبقة الحاكمة ذاتها بسبب اختلاف الرؤى حول طرق الخروج منها مما أدى لظهور جناحين متصارعين في السلطة.

جاء التجذير السياسي قريب الشبه بما حدث في نهاية الستينات بعد الهزيمة، عندما انطلقت مظاهرات عفوية واسعة في مارس 1968 كسرت الصمت، أعقبها انتعاش في الجو السياسي وظهور العديد من الحلقات السياسية وسط الطلاب والمثقفين. الانتعاش جاء هذه المرة في شكل اللجان الشعبية التي بدأت باللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة، ومن بعدها توالت اللجان الجبهوية على غرارها، والتي نجحت في إعادة تجميع المناضلين الذين ابتعدوا عن النشاط السياسي لسنوات، وفتحت الباب أمام أعداد واسعة من الشباب الجدد الراغبين في النضال.

هذا الشكل من اللجان الذي أفرزته التجربة اتسم بطابع جبهوي فضفاض ضم مناضلين من التنظيمات السياسية للتيارات المختلفة جنبا إلى جنب مع المستقلين والشباب الجدد، وارتبط وجودها بتنسيق مهام النضال العملية حول مطلب واحد أو أكثر متفق عليه، كما ارتبط نجاحها بديمقراطيتها المنفتحة. فالقرارات تتخذ بالتوافق ولا تخضع لجانها الفرعية أو النوعية لأي هرمية تنظيمية، وإنما تتحرك بمبادراتها الخاصة في إطار التوافق العام. نجحت اللجان الشعبية في تحريك الماء الراكد، وأعادت الحيوية لتيارات المعارضة الجذرية، وخلقت همزة الوصل مع حالة التسيس العامة في الشارع.

ومع دق طبول الحرب على العراق في نهاية 2002 خرجت المبادرة بتنظيم سلسلة مظاهرات مناهضة للحرب، لعبت دورا – رغم محدوديتها – في التعبئة الشعبية ضد الحرب، ونجحت في خلق استنفار تجاوز حدود الأقلية السياسية النشطة وانتهى بحشود واسعة تقدر بعشرات الآلاف من الجماهير احتلت ميدان التحرير ووسط القاهرة يومي 20 و21 مارس 2003 مع بدء الحرب. وقد تجاوز ما حدث يومها حدود رفض الحرب فأطلق شرارة معركة التغيير في مصر، عندما بدأ المتظاهرون غير المسيسين في إحراق صور مبارك والهتاف بسقوطه.

حركة التغيير محصلة مؤثرات مختلفة

إذن لم تنطلق معركة التغيير الديمقراطي في نهاية 2004 من فراغ، وإنما كانت محصلة لكل ما حدث قبلها. بل أن الشكل الذي خرجت عليه “كفاية” مثلا كان استمرارا لنهج النضال عبر اللجان الشعبية. ولم يقتصر السياق الذي ظهرت فيه معركة التغيير على نهوض الحركة في مصر، فالوضع الإقليمي والدولي كانا عنصرين رئيسيين في دفعها وتحديد مساراتها.

لقد اتخذت السياسة الليبرالية الجديدة، التي ولدت في مطلع الثمانينات على يدي ريجان وتاتشر، خطوة عالمية واسعة بعد حرب العراق الأولى وانهيار الاتحاد السوفييتي، وانتقلت بتفاوت في معدل شدتها وسرعتها إلى مختلف أرجاء العالم. وفي مصر بدأت بخطوات حثيثة مع “الإصلاح” المالي في نهاية الثمانينات، ثم انطلق قطارها في التسعينات بثبات لكن بتؤدة احتراسا من ردود الفعل في ظل اقتصاد به عيوب هيكلية. والمؤكد أن واحدا من أهم الضغوط التي مارسها المحافظون الجدد في أمريكا على نظام مبارك هي الاندفاع بالقطار للوصول إلى منتهاه سريعا، وهو ما رضخ له النظام بصعود جناح جمال مبارك وتشكيل حكومة رجال الأعمال برئاسة نظيف.

ولقد أفرزت التحولات الليبرالية الجديدة في النهاية حركة مقاومة عالمية انطلقت بعنفوان في سياتل 1999، ومرت بعدها بمنعطفات ذات شأن في بورتو أليجري وجنوة وفلورنسا وغيرها، ثم تحولت إلى حركة عالمية غير مسبوقة في مواجهة الحرب. والحقيقة أن التجذير السياسي في مصر هو بمعنى ما امتداد للحالة العالمية التي بدأت في سياتل، بل يمكن الجزم أن الإطار الجبهوي الذي أفرزته الحركة في مصر (اللجان الشعبية) هو تحوير مصري لأشكال التنسيق التي نظمت المنتديات العالمية الواسعة في سياق حركة مناهضة العولمة والحرب.

جاء تصعيد المحافظين الجدد بإعلانهم الحرب على “الإرهاب” والهجوم على الانتفاضة وشن حروب استعمارية على أفغانستان والعراق، لينقل مركز المقاومة العالمية في اتجاه مناهضة الحرب، وليحول الشرق الأوسط إلى بؤرة الصراع العالمي، حيث تدور الحرب ما بين جيوش الإمبريالية وبين المقاومة، وهكذا امتدت الجسور لتربط ما بين الحركة العالمية وبين حركة المقاومة في المنطقة في مواجهة عدو واحد هو الإمبريالية العسكرية والاقتصادية.

ولم تكن حركة التغيير في مصر بعيدة عن ذلك، وهي التي خرجت من رحم التضامن مع الانتفاضة ومناهضة الحرب على العراق. فالمطالبة بالتغيير الديمقراطي كانت نتيجة مباشرة لهجوم الليبرالية الجديدة اقتصاديا وعسكريا، ولرضوخ نظام مبارك لها سواء بدفعه للخصخصة خطوات واسعة إلى الأمام، أو بتواطئه على ما حدث في فلسطين والعراق ودعمه للإمبريالية. صحيح أن حركة التغيير ولدت وسط الأقلية السياسية النشطة المنتمية لتيارات المعارضة الجذرية، وصحيح أيضا أن مطالبها اقتصرت على التغيير الديمقراطي، لكنها كانت تعكس وقت صعودها مطلبا شعبيا عاما على خلفية رفض جماهيري للنظام، بتواطئه وفشله في تحرير جماهير المصريين من معاناتهم.

لكن المؤكد أن مطالب حركة التغيير لم تنجح في تجاوز حدود النخب السياسية التي أطلقتها والشباب الجدد الراغبين في النضال الذين التفوا حولها، ولم تنجح في التحول إلى حركة ذات نفوذ وسط أقسام من الجماهير رغم الزخم الذي صاحبها خلال 2005 ومطلع 2006.

إلا أن هذا ليس إلا وجها واحدا من الصورة. وجهها الآخر هو صعود الحركة المطلبية. فالزخم الذي أحدثته الحركة عكس نفسه سريعا وسط الطبقة الوسطى، المهنيين فيها على وجه الخصوص، وهي الأقسام الاجتماعية التي كانت الأسرع في استجابتها لصعود الحركة. وهكذا تداعت الاحتجاجات المطلبية بمواكبة حركة التغيير وسط المهندسين والصحفيين والأطباء وأساتذة الجامعة، ومن بعدهم القضاة ثم المعلمين، وهي احتجاجات حشدت الآلاف وعشرات الآلاف من المهنيين ورفعت شعارات ومطالب تخص مساحة واسعة من القضايا الديمقراطية والاجتماعية. كما ارتفع في نفس الفترة معدل النضالات الفلاحية والعمالية، وإن كانت لم تتجاوز وقتها طبيعتها المتفرقة وحدودها المطلبية الجزئية التي تخص مواقع بعينها.

ثم أصيب الكثير من المناضلين من التيارات اليسارية داخل حركة التغيير بالإحباط بعد الانتخابات التشريعية في نهاية 2005 مع خسارة معظم المرشحين اليساريين – الماركسيين والقوميين والمستقلين وتقريبا كل من أبرزتهم ودعمتهم حركات التغيير، فاعتبروا أن نتائج المعركة كشفت عن الهوة ما بين الجماهير وبين المطالبة بالتغيير. وخلال 2006 ظهرت الانقسامات في صفوف الحركة، ثم تقلصت الحركة بوضوح مع نهاية معركة القضاة.

بالطبع لعبت عوامل كثيرة دورها في تقلص الحركة، أهمها ما حملته منذ ولادتها من انقسام وعدم قدرة على تجاوز حدود النخب السياسية التي أطلقتها. لكن بلا شك فإن التقدير الذي ساد داخلها بعد الانتخابات التشريعية هو خطأ فادح، أثبتت وقائع الأحداث أنه ينم عن سوء تقدير بالغ. فنجاح 88 مرشحا من الإخوان بالإضافة إلى عدد غير قليل من المستقلين، ورغم كل مهازل الانتخابات، كشف بوضوح عن أشواق التغيير التي تعتمل وسط الجماهير، وعن الميول النضالية التي باتت تسود داخلها، وأدت تلك النتائج من ضمن عوامل أخرى كثيرة إلى عودة الثقة لدى الجماهير في إمكانيات النضال الجماعي.

وهكذا أصبحنا أمام تناقض لازلنا نقف على عتباته حتى اللحظة الراهنة، فمعركة التغيير باتت تظهر في أعين المناضلين داخلها بصفتها معركة فشلت، بينما هي كانت من ناحية أخرى من ضمن العوامل التي لعبت دورا في دفع حركة الجماهير وفي كسر حاجز الصمت وإعادة الثقة وفتحت الباب أمام شلال متدفق من الحركات المطلبية.

صعود الحركة المطلبية

التجذير السياسي الذي بدأ وانتعش في أوساط الطبقة الوسطى (الطلاب والمهنيين والنخب السياسية) منذ عام 2000 انتقل إلى الفقراء من العمال والفلاحين والمهمشين في نهايات 2006، وتحول إلى صعود في الصراع الطبقي بالانتشار الواسع للنضالات المطلبية. صحيح أن هجوم الليبرالية الجديدة وقطار الخصخصة هو ما حفز الحركة المطلبية، لكن المؤكد أن نضالات 2007 تجاوزت حالة الدفاع، كالمطالبة بالأرباح التي لم تُصرف أو التمسك بالأرض التي يحاولون انتزاعها، إلى حالة الهجوم بسحب الثقة من اللجان النقابية العميلة، أو بالمطالبة برفع نسب الأرباح التي تُصرف للعمال، أو بالتظاهر من أجل تحسين الخدمات أو من أجل إحالة ضباط الشرطة مرتكبي جرائم التعذيب إلى المحاكمة. ومن المؤكد أيضا أن الحركة بدأت تتجاوز الطابع المتفرق، حيث انتقلت موجة الإضرابات وسط عمال النسيج من شركة إلى شركة، وانتقلت المظاهرات المطالبة بإمدادات المياه من قرية إلى قرية في عدة محافظات، وظهرت لأول مرة منذ عقود الإضرابات التضامنية التي صاحبت إضراب المحلة الأخير.

لا توجد بالطبع علاقة مباشرة ما بين مظاهرات التغيير عام 2005 وبين النضالات المطلبية في 2007 التي خرجت في معظمها بشكل عفوي، إلا أن بذور التحدي التي نثرتها مظاهرات التغيير أدت لانتقال التجذير السياسي إلى الجماهير الفقيرة، وبالتالي لولادة الطابع الهجومي من قلب النضالات الدفاعية، وتجاوز النضالات المتفرقة حدود المواقع التي انطلقت منها. وأحد أكثر الأمثلة دلالة على دور مظاهرات التغيير في نهوض الحركة المطلبية هو قيام أهالي قلعة الكبش المحتجون على إزالة عششهم بالتظاهر على سلالم نقابة الصحفيين، التي شهدت العديد من مظاهرات “كفاية”، وكأن المكان قد تحول إلى معلم نضالي يتجمع عنده من يرغبون في الاحتجاج. فصحيح أن فقراء المصريين تابعوا مظاهرات التغيير من بعيد، لكنهم استلهموا منها المثل والشعارات المتحدية والثقة في قدرتهم على التظاهر والنضال الجماعي.

إذن لم تأت الحركة المطلبية هي أيضا من فراغ، ولم يتغير مزاج الجماهير النضالي صدفة، وإنما هو نتاج لتطور التجذير السياسي محليا، وللثقة التي بثها تصاعد حركات المقاومة إقليميا وعالميا. وربما يكون أكثر الشواهد دلالة على التأثير الإقليمي والعالمي على الحركة هو إضراب المحلة الأخير، حيث استلهم العمال مشهد اعتصام المعارضة اللبنانية ليقيموا مخيماتهم على غراره، كما استلهموا مشهد الطبل على البراميل الفارغة وترديد الشعارات على إيقاعه من إضرابات العمال في أوروبا. ولنفس هذه الأسباب فإن تواصل حالة التجذير السياسي في مصر وانتصار حركات المقاومة إقليميا وعالميا سيؤدي إلى تصاعد الحركة المطلبية الراهنة.

لقد صار الاحتمال الأرجح الآن أن تخرج جيوش الإمبريالية من العراق في انسحاب مهين. ورغم تراجع حركة مناهضة الحرب في أوروبا وفشل المنتديات الاجتماعية الأخيرة في تحقيق تعبئة واسعة، لكن ذلك ليس إلا تراجع مؤقت. فعلى الجانب الآخر من الأطلنطي تتصاعد حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة، وتعكس أزمة الوضع الإقليمي نفسها في معارك جماهيرية حادة في باكستان ولبنان. والحقيقة أن حركة مناهضة الحرب والعولمة تتحرك في موجات صعودا وهبوطا على مستوى عالمي على غرار ما نشهده في مصر، إلا أن المنحنى العام للحركة عالميا وإقليميا ومحليا لازال يسير في اتجاه صاعد لأن الضغوط التي أفرزتها تزداد تأزما.

والحقيقة أيضا أن حدوث تراجع كبير في الحركة عالميا ولحقبة زمنية طويلة ليس من المتوقع أن يحدث إلا عبر هزيمة واسعة للجماهير مثلما فعل ريجان وتاتشر في الثمانينات بتحطيمهما للنقابات العمالية التي قادت حركة السبعينات، أو كما فعل السادات بدفع الجيش إلى الشارع عام 1977، أو على غرار مذبحة ستاد سانتياجو التي نظمها بينوشيه في شيلي عام 1973 وراح ضحيتها عشرات الآلاف، أو بصعود كبير للفاشية كما حدث في أوروبا في الثلاثينات وأنهى موجة العشرينات الثورية.

هزيمة من تلك النوعية هي وحدها التي تقدر على صنع تراجع كبير في الحركة عالميا اليوم، وبدونها ستستمر الحركة في التصاعد بوجه عام وإن سارت في موجات مؤقتة من الهبوط والصعود. لقد ضرب الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف مرة مثلا حول الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في السبعينات بأنها تشبه أزمة مطلع الثلاثينات لكنها تسير بالتصوير البطيء، ويمكن استخدام نفس المثل في وصف الحركة العالمية اليوم. فكما تعلمت الرأسمالية التعامل مع أزماتها تعلمت الجماهير أيضا. والمعنى وراء كل ذلك أن الحركة المطلبية في مصر تسير في اتجاه صاعد، وأن الشهور المقبلة ستشهد المزيد من الاحتدام والمزيد من الاحتجاجات، وأن تواصل التجذير السياسي وتطور الحركة السياسية شرط رئيسي لانتصارها.

ملامح الحركة وشروط انتصارها

نحن نعيش مرحلة نهاية عهد. فرغم الانتعاش الاقتصادي الذي يتحدثون عنه، لازالت أزمة النظام المصري تتفاقم على أرض الواقع، ولا يتمتع بمكاسب هذا الانتعاش إلا قسم اجتماعي شديد الضآلة، بينما تتحمل الجماهير الفقيرة – الغالبية العظمى من المصريين – أعباءه التي لا طاقة لها على احتمالها. ولم يعد هناك أي تردد لديها اليوم في انتهاج النضال الجماعي كسبيل لانتزاع حقوقها ومطالبها. هذا بينما يزداد الوضع الإقليمي تأزما بسبب ما يحدث في فلسطين والعراق ولبنان والتهديد بالحرب على سوريا وإيران، وقد صار قابلا للانفجار في أي لحظة مما يعمق من مأزق النظام المصري ويفتح الباب أمام المزيد من التصاعد في الحركة الاحتجاجية.

لذا لازالت مهمة التغيير مطروحة وقابلة للتحقق، بل أنها اليوم صارت تملك ما كانت تفتقده عام 2005، أي جماهير الفقراء الغاضبة المستعدة للنضال. لكن لا يمكن للحركة المطلبية أن تتحول من تلقاء نفسها إلى حركة سياسية ترفع شعار التغيير، أي تنتقل وحدها من المطلبي للسياسي ومن الجزئي للكلي، وهي مسألة لا تتعلق بوعي الجماهير، بمعنى إدراكها للعلاقة بين ما تعانيه وبين فساد النظام واستبداده، فهذه حقائق لا تخفى على أحد. إنما يعوق هذا التحول افتقار الجماهير للثقة في إمكانية توحيد حركتها ودفعها في اتجاه إسقاط النظام، وغياب الشعارات الناظمة القادرة على لعب هذا الدور، وافتقاد القوة السياسية ذات النفوذ القادرة على الارتباط بالحركة المطلبية وتحدي النظام والظهور في أعين الجماهير الغاضبة بصفتها بديل حقيقي.

وإذا كان اتساع الحركة المطلبية الحالية وتصاعدها يعني أن 2008 سيشهد احتمالات مفتوحة، فإن السؤال المركزي، الذي تحتاج فصائل المعارضة الجذرية من مختلف التيارات إلى إجابة نظرية وعملية سريعة عليه، هو: كيف تتحول تلك الحركة إلى صدام سياسي واسع يؤدي إلى تغيير ديمقراطي جذري، وإلى فرض المطالب السياسية والاجتماعية للجماهير المصرية على أجندة أي تغيير قادم؟ والإجابة سنجدها بالتأكيد في ملامح الحركة نفسها.

التحدي هو أحد أهم سمات الاحتجاجات الراهنة، وقد يكون أكثر الأمثلة دلالة هو الاحتجاج على التعذيب. فالتعذيب ليس بالأمر الجديد ولم يقتصر أبدا في عهد مبارك على المناضلين السياسيين، بل على العكس كان المواطنون الفقراء هم ضحاياه الرئيسيون. ودائما ما استخدمه زبانيته كأداة لفرض سيطرة النظام الاجتماعية. الجديد هو احتجاجات الجماهير، هو قيام الأهالي في مناطق عدة بتتالي ودون تنسيق بالتعبير عن غضبهم بتحد وجرأة ضد ما يتعرضون له، مما أجبر النظام فعليا على تحويل بعض ضباطه إلى المحاكمة.

ومن اللافت أن الحركة التي بدأت بسلسلة من الإضرابات العمالية في ديسمبر 2006 تجاوزت سريعا القطاعات العمالية المنظمة، وامتدت إلى الجماهير غير المنظمة في القرى والأحياء الفقيرة. هكذا شهد صيف 2007 تواصل لا ينقطع لتجمهرات متفاوتة في حجمها وحدتها، بدأت بالاحتجاج على تدهور الخدمات الاجتماعية، كالمظاهرات التي انفجرت في محافظات عديدة ضد نقص إمدادات المياه، وقيام سكان بعض المراكز في بني سويف وسوهاج والجيزة، في سابقة قد تكون الأولى منذ زمن، باحتلال المخابز والاستيلاء على الخبز، بالإضافة إلى العديد من الاحتجاجات الأقل والأصغر شأنا، كتظاهر جمهور قبطي لأول مرة ضد راعي كنيسته، أو تظاهر أولياء الأمور بإحدى المدارس ضد إدارة المدرسة، وهكذا.

ومن اللافت أيضا أن تصاعد الاحتجاجات يغذي بعضه بعضا. فاحتجاجات الجماهير غير المنظمة دفعت الجماهير المنظمة لتصعيد نضالها بشكل هجومي، مثلما حدث في إضراب عمال المحلة الأخير وحركة موظفي الضرائب العقارية. فالحركة تتصاعد عبر التأثير المتبادل ما بين الجماهير المنظمة وغير المنظمة، وعبر قدرة الأولى على المبادرة بالهجوم. ويمكن بسهولة ملاحظة الصلة ما بين الاقتصادي والسياسي في أغلب التحركات. فمعارك أهالي سيناء ضد ما تعرضوا له من قمع ارتبطت بمطالبهم بتحسين شروط حياتهم المعيشية، وصاحب أغلب الإضرابات المطالبة بصرف الأرباح سحب الثقة من اللجان النقابية، أما الاحتجاجات على التعذيب فحدثت كنتيجة مباشرة على استخدام التعذيب في التضييق على لقمة العيش، وارتفعت في جميع الاحتجاجات على تدهور الخدمات شعارات سياسية تندد بالحكومة وبالإدارات المحلية.

التحدي، وقدرة القطاعات المنظمة من الجماهير على الهجوم، والتأثير المتبادل بينها وبين القطاعات غير المنظمة، وخروج الرفض السياسي من قلب المطالب الاجتماعية المباشرة، هي جميعا ملامح رئيسية للحركة المطلبية الراهنة، ومنها سنجد الإجابة على سؤالنا المركزي. فتحول الحركة المطلبية إلى صدام سياسي مرهون بوجود إطار سياسي ذو نفوذ يعلن تحديه بوضوح للنظام ويمد جسوره من أول وهلة مع الحركة المطلبية الصاعدة، متبنيا لشعاراتها ومستنتجا مهمة التغيير من احتياجاتها ومطالبها؛ إطار قادر على جذب ودمج كل القيادات الطبيعية وسط نضالات الجماهير المنظمة، بحيث تراه البديل القادر على انتزاع المطالب والإصلاحات، والقادر على توحيد الحركة المتفرقة ونقل التأثير المتبادل لخبراتها النضالية بين أقسامها المختلفة؛ إطار يقوم بتسييس الحركة المطلبية وتحويلها إلى قاطرة في معركة التغيير وإسقاط النظام؛ إطار جبهوي فضفاض على شاكلة اللجان الشعبية، يضم كل الطيف السياسي لفصائل المعارضة الجذرية والمستقلين من التيارات المختلفة، وكل الشباب الجدد الذين جذّرتهم السنوات الماضية ودفعتهم إلى النضال السياسي.

صحيح أن الحركة المطلبية العفوية لا يمكنها من تلقاء نفسها أن تتوحد وتتحول إلى حركة سياسية عامة. لكن من الصحيح أيضا أن تواصلها واستمرارها في الاتساع والتصاعد في غياب حركة سياسية قادرة على تسييسها وتوحيدها سيؤدي إلى انتفاضة عفوية عارمة غير منظمة، على غرار ما حدث في يناير 1977، ستنتهي في الأغلب إلى لا شيء سوى إتاحة الفرصة للنظام كي يدفع بالجيش لتحطيم الحركة.. وبعدها سنعود جميعا لنكتب عن ذكراها مستهلين بتعليق ماركس أن التاريخ يُعيد نفسه مرتين، لكنه يحدث في الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة!