بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ما هو «الوطن»؟

“إن كان الوطن ما تكنزون في خزائنكم وصناديقكم المزخرفة،
إن كان الوطن أن يرتجف الفقير مثل الكلب وتنتابه الحمى صيفاً وشتاء،
إن كان الوطن امتصاص دمائنا في المعامل،
إن كان الوطن أرضاً للسادة الإقطاعيين،
إن كان الوطن حكومة السياط والقوازيق،
إن كان الوطن كم الأفواه ودفع الإتاوات،
إن كان الوطن قاعدة أمريكية،
و قنابل أمريكية،
و بوارج أمريكية،
إن كان الوطن هو الأسر في زنازينكم المتهرئة،
فأنني أخون الوطن”.
الشاعر ناظم حكمت

نستيقظ يومياً على هيستريا من الصراخ والهلع في “حربنا على الإرهاب”.. الكل يردد شعارات رنانة عن الوطن، والكل يتشدق بالأخلاق، ويقف قليلون في حيرة؛ عن أي وطن يتحدثون وبأي أخلاق ينادون؟

فعندما يخرج علينا من عذَّب وقتل الآلاف ليستنكر عنف الإخوان مطالباً الجماهير بالتصدي للعنف ولا يطالب الشرطة على الإطلاق بحماية الأهالي ولا الكنائس، وعندما نستمع لمن وقف بكل شراسة ضد ثورة 25 يناير وبكى على المخلوع حزناً على أيامه يقول دون خجل “احموا ثورتنا”، وعندما تحل الوطنية على من تكدست خزائنه بالملايين ليطالبنا بالعمل لبناء الوطن، فمن الطبيعي أن يلتبس عليّ الأمر، فما أتذكره عن ثورتنا أن هؤلاء لم يكونوا رموزها ولم تكن هذه شعاراتها.

ما أتذكره عن ثورتنا أنها بدأت يوم عيد الشرطة احتجاجاً على بطشهم وقمعهم وتعذيبهم، واتخذت من خالد سعيد رمزاً ليحكي خالد قصة جهاز قمعي قتله وطب شرعي أخفى معالم الجريمة وإعلام شوّه شهيد وزيف الحقائق. أتذكر عن ثورتنا أنها قامت للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، هتافات هتفناها وحلم صدقناه فتحدت الجموع جحافل الأمن المركزي التي انسحبت أمام صمود الجماهير. وأتذكر غناء مينا دانيال في التحرير ودماءه أمام ماسبيرو، وأتذكر هتافات “يسقط حكم العسكر” في الميادين في الذكرى الأولى لثورتنا وسط احتفالات الإخوان الذين خانوا كل ما ثرنا من أجله بتحالف مع العسكر.

وأتذكرها في ملايين نزلوا الشارع يهتفون ضد مرسي مؤمنين أن الجماهير إذا أرادت تستطيع، مستمدين ثقتهم من نضالهم المستمر الذي أسقط الطاغية مبارك وأجبر المجلس العسكري على تسليم السلطة.

هذه هي الثورة التي أذكرها ظللنا نناضل وندافع عنها لما يقرب من 3 أعوام ومازلنا، نرى وجه عدونا الحقيقي مهما ارتدى ومهما ادعى وتلوّن. فأين هذه الثورة الآن؟ أين هي بين تصريحات عودة أمن الدولة بقياداته المجرمة؟ وأين هي بعودة القبض العشوائي على المدنيين؟ وأين هي بمذبحة فض الاعتصام ومذبحة أبو زعبل؟ وأين هي في تهليل الإعلام للقمع والعنف والسكوت على تقصير الشرطة في حماية الأهالي والكنائس والتغاضي عن عودة الفلول؟ وللأسف أين هي في تحالف من ظنناهم رفاق الثورة مع الفلول ومجرمين النظام السابق؟

يرددون كلمة حماية الوطن والثورة بمنتهى الابتذال ليحمون في الحقيقة نظامهم واستبدادهم. هم يرون الوطن هذا المكان الذي لا يعلو صوت فقير فيه بالأنين ولا مظلوم بالصراخ بينما هم يحتفلون وينهبون، ولكننا نرى الوطن هذا المكان الذي لايموت فيه أحداً جوعاً ولا قلقاً على علاجه إذا مرض ولا نسمع فيه صراخ التعذيب في أقسام الشرطة – سلخانات الداخلية. وطننا بلا تعذيب، بلا اكتظاظ للمشارح، بلا سجون جديدة، ولا يُشرَّد فيه أحد. وطننا لا يُضطَهد فيه القبطي أو الملتحي ولا السوري أو الفلسطيني ولا تضطهد فيه امرأة.

هذا هو الوطن الذي ثُرنا من أجله لن يقود عملية بنائه سوى الثوار الذين لايزالون قابضين على جمر الثورة ومبادئها، فنحن من نراه متجسداً في أحلامنا، نرسم خطوطه بوقفة أمام كنيسة لنحميها، بجرافيتي “البنت زي الولد”، بهتاف يخترق حواجز الصمت وجنون التفويض، بإضراب يفضح في صف من يقف النظام وعن أي مصالح يدافع أو حتى بصورة لخالد ومينا وجيكا في محاولة لإنعاش الذاكرة ضد من ثورنا عليه.