عام على الملحمة.. دروس “محمد محمود”

مضى عام على أحداث محمد محمود وقد جرت مياه كثيرة في النهر من وقتها. فقد جرت بعدها مباشرةً انتخابات للبرلمان بمجلسيه جاءت بأغلبية من تيار الإسلام السياسي – ذلك التيار بجناحيه الإخواني والسلفي الذي وقف بوضوح إلي جانب “الدولة” ممثلة في المجلس العسكري ووزارة الداخلية خلال الخمسة أيام التي جرت فيها الأحداث. تكرر ذلك الموقف الداعم من قبل التيار الإسلامي للدولة بل ولهجمة الثورة المضادة في أحداث كثيرة تلت، بدءاً من أحداث مجلس الوزراء مروراً بمذبحة بورسعيد إنتهاءاً بأحداث العباسية والتي سبقت حل مجلس الشعب بأسابيع كما سبقت بشهرين وصول محمد مرسي لسدة الرئاسة بعد انتخابات استمرت شهراً.
مضت سنة على أحداث محمد محمود التي بدأت عندما فضت قوات الداخلية بوحشية اعتصام أهالي الشهداء بميدان التحرير. حينها، أدرك قطاع واسع من الثوار والمناضلين والمؤمنين بالثورة وأهدافها الدور الحقيقي للمجلس العسكري في قيادة الثورة المضادة وفي حماية الطبقة الحاكمة من المد الثوري الزاحف وسقط الوهم عند أغلبهم عن انحياز قيادة المؤسسة العسكرية للثورة وتحقيق أهدافها. انتفض الثوار حينئذ وبدأت الهتافات تعلو بسقوط حكم العسكر وبتطهير المؤسسات وعلى رأسها وزارة الداخلية والتي ما لبثت إلا أن واجهت تلك الانتفاضة بوحشية لم نشهدها إلا ربما في جمعة الغضب في يناير ٢٠١١. لم تفت هجمة الداخلية الهمجية من عضد الثوار الذين قابلوا تلك الهجمة بصمود بطولي وقاوموا لخمسة أيام متواصلة أطنان من الغاز المسيل للدموع استخدمت فيه مواد كيميائية حارقة واستبسلوا أمام زخات الخرطوش والرصاص المطاطي والحي والتي تسببت في سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى منهم من فقد نور عينيه للأبد.
بعد مرور سنة على الملحمة، توارى المجلس العسكري بعض الشيء عن صدارة المشهد السياسي بيد أن أهم قياداته تم تكريمهم بأرفع أوسمة الجمهورية وتم تحريك بعض چنرالاته لمواقع أكثر حساسية، والأهم أنه تم الحفاظ بشكل كامل علي الإمبراطورية الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، بل ويتم تحصين عدم المساس بها بشكل دستوري. على ذات الصعيد، لم يمسس مرسي ونظامه وزارة الداخلية بيد التطهير على الإطلاق ناهيك عن إعادة الهيكلة المرجوة من جانب القوى الثورية، بل تصالح مع قيادتها وعمل على تمكين آلة القمع من استرداد حيويتها فبدأت مرة أخرى في مهازل التعذيب والقتل داخل الأقسام والقبض والتنكيل بالنشطاء ومحاصرة وسحق الاحتجاجات الاجتماعية خاصةً الإضرابات العمالية. لنا فقط – لكي ندرك الواقع الحالي بعد مرور سنة على ملحمة محمد محمود – أن نعرف أن مساعد وزير الداخلية وقتها ورئيس مصلحة الأمن العام والمسئول عن أمن القاهرة أثناء الأحداث قد أصبح وزيراً للداخلية في حكومة مرسي.
ما من شك أن انتفاضة محمد محمود عملت على هز أركان الطبقة الحاكمة وأعطت إشارات ملهمة لمدى القوة الهائلة الكامنة في الصفوف الثورية للتصدي ولتحدي آلة القمع لتلك الطبقة، كما كانت تلك الانتفاضة بلا شك من أهم المعارك لصد الثورة المضادة وإيقاف مخططاتها للانقلاب الكامل على الثورة وإجهاض مسارها، كما عملت أيضاً تلك الانتفاضة على فرز مواقف القوى السياسية المختلفة وساعدت على فضح انتهازية بعضهم. لكن يظل السؤال قائماً عن مدى نجاعة هذه الانتفاضة في تعبيد طريق مستمر ومستدام للقطار الثوري وعن مدى نجاحها في الانتصار لسلطة الجماهير في مقابل سلطة الطبقة الحاكمة.
لم يكن لتلك الانتفاضة الملحمية أن تأتي بنتائج أبعد مما جاءت به ولذلك لعدة أسباب موضوعية:
أولاً: لا يمكن لتصعيد ثوري ضد الطبقة الحاكمة وأدوات قمعها أن ينتصر بشكل جذري دون أن يشارك فيه القطاع الأوسع من الجماهير الفقيرة بشكل منظم، فبدون أن تكون لتلك الانتفاضة ظهيراً جماهيرياً عمالياً في المصانع، وفلاحياً في القرى، وطلابياً في الجامعات يتبني مطالبها ويناضل عليها في المواقع المختلفة، لا يمكن لها أن تحقق انتصارات حقيقية.
ثانياً: لا يمكن لنضال ثوري ضد سلطة الطبقة الحاكمة برمتها أن ينتصر وهو معزول في ميدان واحد داخل مدينة واحدة علي امتداد البلاد. فقد كان من أهم أسباب إسقاط مبارك ورموز حكمه وهزيمة الداخلية خلال الـ ١٨ يوم الأولى من الثورة هو امتداد حركة الاحتجاج في مدن مختلفة وعلى رقعة واسعة.
ثالثاً: لا يمكن أن ينتصر نضال ثوري ضد ركائز الطبقة الحاكمة دون ربط النضال السياسي من أجل الحرية والتخلص من الاستبداد بالنضال الاجتماعي والاقتصادي من أجل التخلص من الاستغلال ومن أجل عدالة اجتماعية حقيقية. فعلى الرغم من أن شهري سبتمبر وأكتوبر السابقان لأحداث محمد محمود قد شهدا أعلى وأقوى موجة من الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات العمالية منذ سنوات طويلة، إلا أنه لم يكن هناك ما يكفي من الانتباه من جانب الصفوف الثورية أثناء الانتفاضة لتبني مطالب تلك الاحتجاجات والإضرابات في خضم النضال ضد الداخلية، وهكذا انفلتت فرصة مهمة لتوسيع رقعة الكفاح ضد الطبقة الحاكمة.
رابعاً: غياب التنظيم الثوري القادر على ربط النضالات المختلفة بمسار ثوري واضح الاستراتيجية ومرن في تكتيكاته يستطيع ضم أوسع قطاع من الجماهير لصفوف النضال وكسب أكبر قدر من ظهير شعبي متعاطف لذات النضال، يستطيع به مواجهة الطبقة الحاكمة بطريقة تمهد للانتصار لسلطة الشعب. هذا ما نعمل من أجل بنائه لانتصار الموجات القادمة من النضال.





