بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عام على الثورة: التعذيب جريمة مستمرة

التعذيب والثورة كلمتان ربما يرى البعض أنهما لا تجتمعان، فالثورة تعني التغيير الشامل والحاسم، لذا لا يصدق البعض أنه وبعد نجاح المصريون في الإطاحة أولاً بجهاز الداخلية الوحشي في الثامن والعشرون من يناير ثم من بعده برأس النظام في الحادي عشر من فبراير، ليتمكن الثوار بعد ذلك في بداية شهر مارس من اقتحام مباني أمن الدولة التي كان مجرد العبور من أمامها تجربة محفوفة بالمخاطر. كل هذه المعارك السابقة والتي كان النصر حليفاً فيها للثوار تنبئ بالتغيير، وتجعل من الصعب على البعض تصديق أو حتى تخيل أن التعذيب لا يزال هو الخيار الأول وربما الوحيد في تعامل السلطة مع كل من يهددها أو يتحداها.

وإذا كان – كما نعلم جميعاً – أهم الأسباب وراء اندلاع الثورة المصرية في يناير 2011 هو تفشي التعذيب في أقسام الشرطة والسجون في ظل حكم مبارك إلى الحد الذي صار معه التعذيب من الأمور الروتينية التي يتعرض لها ليس فقط كل من توجه له تهمة ما سياسية كانت أم جنائية، بل أيضاً من لا يزال قيد الاشتباة وأيضاً من هم بالفعل تحت طائلة القانون مساجين كانوا أم معتقلين. فالتعذيب إذاً، وإن كان حقيقة من الحقائق المفزعة، أي نظام استبدادي يلجأ له لضمان السيطرة والهيمنة على مقاليد السلطة وضمان صمت أغلبية مسحوقة معدمة في مقابل حفنة من الطغاة تناثروا على مقاعد الرئاسة والوزارات وتابيعهم من الفسدة واللصوص، إلا أن التعذيب في عصر مبارك تعدى حدود كونه وسيلة ليصبح غاية في حد ذاته ويصبح هو السمة الأكثر وضوحاً لهذا العصر.

لجأ نظام مبارك للتعذيب الوحشي والقمع، كما سبق وأوضحنا، لضمان الحماية والسيطرة للنظام الحاكم ورجاله، في مواجهة جموع الشعب المحرومة الفقيرة. حسناً، لقد أطاح الشعب بمبارك ولكن هل تخلصنا فعلاً من نظامه ورجاله؟ لقد استولى على السلطة المجلس العسكري وعلى رأسه المشير طنطاوي، فمن هم أعضاء المجلس وقائده؟ رأس المجلس هو وزير الدفاع في وزارات المخلوع المتعاقبة منذ عام 1993 وحتى تخليه عن الحكم، أما باقي أعضاء المجلس فهم كبريات الرؤوس في الجيش، ولا يخفى على أحد أن ضمان الوصول للمناصب الرفيعة في القوات المسلحة هو الولاء التام للقادة وغض البصر عن مواطن الفساد هنا أو هناك، إذاً نحن أمام أعضاء لمجلس أوكل إليه المخلوع المسئولية والمهام، مجلس كل أعضائه وصلوا لمناصبهم برضا المخلوع واختياره، إنهم إذاً رجال مبارك ومن بعده المشير.

وبناءاً على الحقيقة السابقة، نخلص إلى حقيقة أخرى وهي أن النظام الذي ثار المصريون ضده لايزال قائماً، بكل هيئاته ومؤسساته ورجاله المخلصين. لكن هناك بعض الاختلاف ليس فقط الاختلاف الظاهري المتمثل في استبدال وجه مبارك بوجه المشير، لقد اختلف النظام أيضاً، نعم لايزال قائماً ولكن جريحاً مطعوناً، تمرد الشعب وكسر القيود وطعن النظام طعنة ربما لم تكن قاتلة ولكنها نافذة. والأنظمة الجريحة المتمرد عليها عادةً ما تكون أشد عنفاً وشراسة في مواجهة التمرد، إنها معركة البقاء، إما هو أو الثورة، إما رجاله أو الثوار.

هكذا، لا سبيل أمام المجلس العسكري إلا القمع، بل المغالاة في القمع أملاً في النجاة. توارت الشرطة، ذراع السلطة لقمع المدنيين، وإن لم تنعدم جرائمها من التعذيب وحتى القتل العمد برصاص الضباط، في أغلب الأحيان بدون أسباب ملموسة اللهم إلا إشاعة الرعب وترويع المواطنين. تصدر المشهد الجيش بمختلف قطاعاته، وجاءت الشرطة العسكرية بديلاً عن الأمن المركزي في فض المظاهرات والاعتصامات. وأخذت وسائل الإعلام على اختلافها تحدثنا عن الجيش وعن عقيدته العسكرية التي تمنعه من استخدام السلاح قبل المدنيين، أو التعامل معهم بأي شكل من أشكال القسوة أو التعذيب وإنما تلك أموراً تخص تعاملهم مع الأعداء. ونحن نقول لهم نعم نصدقكم ونؤمن مثلكم تماماً بعقائد الجيش القتالية، ولكن، نحن على يقين من أن المجلس العسكري ورجاله يضعوا الثوار في مصاف أعدائهم وربما هم أعدائهم الوحيدون، حيث يحرص المجلس على تنفيذ بنود إتفاقية السلام بينه وبين عدو العرب التاريخي "إسرائيل"، بينما يمارس خطط ومناورات وعمليات قتالية عسكرية في حق الثوار المصريين السلميين العزّل.

وصل التعذيب في عصر مبارك للذروة، ووصل في العام الأول للثورة تحت الحكم العسكري لما هو أبعد من الذروة. تعددت أشكاله وأساليبه وتوحشت أكثر وأكثر ولم يعد هدفه الرئيسي حماية النظام، بل ربما يكون دوره الأهم الآن هو إعاده المارد للقمم مره أخرى، وقتل روح الثورة في نفوس الشباب، بالتعذيب والتهديد وتسريب روح الإحباط والهزيمة، وربما استمرار وجود صورة الرئيس المخلوع داخل السجن الحربي، لتكون أول ما تقع عليه أعين الثوار عند وصولهم هناك، ليس من قبيل الصدفة. فالمجلس العسكري لا يكتفي بقتل الثوار برصاص القناصة أو بالغاز السام، لا يُرضي عقيدته العسكرية دهسهم بالمدرعات وفقأ أعينهم وحسب، بل يمارس على من ينجو من كل هذا أبشع أشكال التعذيب من ضرب وسحل وصعق بالكهرباء ونزع أظافر وحتى الاعتداء الجنسي. أقصى حدود الممكن تجاوزها العسكر وهم على استعداد لما هو أبشع في سبيل حفاظهم على عقيدتهم التي توهمهم بأنهم السادة، هم السلطان والنفوذ وما دونهم هم العبيد.

إنه العام الأول من عمر ثورتنا، وبداية العد التنازلي لحكم العسكر. ومهما طالت معركة النظام الجريح، ومهما كانت قوتها وشراستها، النصر حليف الثوار. فالمجلس العسكري لم يعي الدرس جيداً، القمع لم يعد مفرخة النعاج، بل هو مفرخة الثوار.