بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مَن المستفيد من العنف الطائفي في مصر؟

ارتفعت حدة العنف ضد الأقباط مؤخرًا بدرجة غير مسبوقة. ففي الأشهر القليلة الماضية، أصبح يكاد لا يمر أسبوع دون أن نشهد أحداث عنف ضد الأقباط. فقد تتحول مشاجرة عادية بين مسلم ومسيحي إلى اعتداء على الأقباط وممتلكاتهم، وقد يؤدي قيام المسيحيين بالصلاة في منزل إلى توجس المسلمين من إمكانية تحويل المنزل إلى كنيسة، مما يكون دافعًا لانفجار العنف ضدهم. ومن المثير للانتباه أن تصاعد حدة العنف الطائفي يحدث في وقت ترتفع فيه وتيرة النضالات الاجتماعية، والعمالية تحديدًا، مما يؤكد من خطورة المسألة القبطية. ذلك أنه بدلاً من أن يسعى الفقراء من المسلمين والمسيحيين إلى توحيد إرادتهم من أجل مواجهة المتسببين في شقائهم، قد نجد الأمور قد انحرفت إلى تصاعد نزاع طائفي يخرج منه الطرفان خاسرين، فيما يكون المستفيد الدولة والطبقة الرأسمالية بمسلميها ومسيحييها.

وتجدر الإشارة إلى عدد من الملاحظات التي قد تكون مفيدة في التعامل مع المسألة القبطية. فأولاً، تعد مشكلة الأقباط جزءًا من مشكلة الأقليات في العالم الرأسمالي. ذلك أنه تاريخيًا، تأسست الرأسمالية في بعض البلدان -أهمها حالة الولايات المتحدة- على اضطهاد الأقليات، سواء كانت دينية أم عرقية. ومن ناحية أخرى، فإن مشكلة الأقليات تمثل صمام أمان بالنسبة للرأسمالية من أجل إيجاد مخرج يمكن الأغلبية من تفريغ الغضب الناجم عن القهر، ويمكن الرأسمالية من استخدام وجود الأقليات لتعزيز جوانب الانقسام بين العمال والفقراء.

وفيما يتعلق بمصر، لعله ليس من قبيل المبالغة القول بأن العقود الثلاثة الماضية شهدت تدهورًا غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث فيما يخص التمييز ضد الأقباط، وكذلك العلاقة بينهم وبين المسلمين. فقد اتسمت أجهزة الدولة بانحياز طائفي غير مسبوق ربما لأكثر من مائة عام، حيث انعكست الطبيعة الاستبدادية للدولة على الموقف من الأقباط، فأصبح الدين يؤخذ في الاعتبار عند التعيين حتى بالنسبة لأدني الوظائف في القطاع الحكومي. كما زاد تعنت الأجهزة الأمنية -التي اكتسبت حصانة غير عادية في هذه الفترة- في التعامل مع قضايا بناء وإصلاح الكنائس. وليس مصادفة أن الدولة ترفض حتى هذه اللحظة إقرار قانون موحد لبناء دور العبادة، بالرغم من كل المشكلات التي تسببها هذه القضية. ومن جهة أخرى، أدى تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي إلى تصاعد دور المؤسسات الخيرية الإسلامية والمسيحية مما زاد العزلة وتعزيز الانتماء الطائفي. إضافة إلى ذلك فإن تفاقم المعاناة الناتجة عن الخصخصة وارتفاع الأسعار والبطالة وغيرها خلق حالة من الغضب يتم تفريغه في صورة اعتداءات ضد الأقباط في كل مناسبة. ولعله من المفارقات الغريبة هنا أن الدولة التي تتبع سياسة تمييزية واضحة تؤدي إلى تشجيع نزعات التعصب ضد الأقباط، فإنها في نفس الوقت تطرح نفسها باعتبارها حامي هذه الطائفة من الخطر الأكبر وهو الإسلام السياسي -وهنا لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه هذا التيار بفصائلة المختلفة في تعزيز الانقسام الطائفي والتأليب ضد الأقباط.

وفي ظل هذه التعقيدات، يصعب الزعم بأن أحدًا يمتلك حلاً سحريًا لمشكلة الأقباط. وإذا تتبعنا الرؤى المطروحة للتعامل مع هذه المشكلة، نجد أن هناك توجهين أساسيين على الساحة. أولهما التغيير من الخارج، عبر ضغوط تمارسها القوى الخارجية وعلى رأسها أمريكا، من أجل إعطاء الأقباط بعض الحقوق، على صعيد بناء دور العبادة ونصيبهم في الوظائف العليا والهئيات التمثيلية وغيرها. لكن هذا الطرح يكتنفه مشكلتان. فأمريكا غير معنية في حقيقة الأمر بتحسين وضع الأقباط في مصر، بل هي تستخدم هذه الورقة فقط كلما أرادت الضغط على النظام المصري. وتشير الدلائل إلى أن الفترة القادمة من المرجح أن تشهد تقاربًا بين البلدين، وهو ما يعني انحسار الضغوط الأمريكية على النظام المصري فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا يمكن النظر لمسألة الأقباط خارج هذا السياق. المشكلة الأخرى أنه حتى بفرض تحسن أوضاع الأقباط في بعض المجالات بفضل الضغوط الخارجية، فإن ذلك من شأنه أن يعزز الانقسام بينهم وبين المسلمين، ويعطي ذريعة لمن يتخذون مواقف مناهضة للأقباط لأن يقوموا بمزيد من التأليب ضدهم.

أما الطرح الثاني، وهو الأهم في حقيقة الأمر، فهو طرح الدولة الديمقراطية المرتكزة على قيم المساواة والمواطنة، والتي تختفي فيها كافة أنواع التمييز، سواء كانت على أساس الطائفي أو النوع أو العرق. غير أنه حتى يتحقق هذا الهدف، لا بد من كسب المسلمين لصالح هذا التوجه، وهو ما يصعب تصوره إلا في إطار مشروع أوسع للتحرر يوحد عمال وفقراء كل من المسلمين والمسيحيين على حد سواء بهدف مواجهة القهر والاستغلال بكافة أشكالهما أيا كان مصدرهما. ولا شك أن اليسار دوره محوري في صياغة هذا المشروع، لأنه الفصيل الوحيد القادر على طرح رؤية للتحرر الاجتماعي. ومن ثم، فإذا كان مقدرًا لهذا البلد أن يخرج من نفق الطائفية المظلم، لابد أن يضع اليسار قضية الأقباط في قلب مشروعه للتغيير. ومن الضروري أن يلعب اليسار دورًا داعمًا لحقوق الأقباط، وأن تصبح قضية الأقباط إحدى القضايا الأساسية في نشاطه الجماهيري ودعايته وأدبياته وألا يدخر جهدًا في كسب الأقباط إلى النضالات الديمقراطية والاجتماعية بدلا من ارتمائهم في أحضان الجيتو الذي تفرضه عليهم الكنيسة بصفتهم اقلية، أو أن يقعوا فريسة لحلول خارجية تهدف إلى استخدامهم وليس لجلب حقوقهم.