بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معاً.. لمواجهة التعذيب

مع تزايد الكشف عن وقائع تعذيب وقتل مواطنين على يد عناصر من الشرطة المصرية، دشنت مجموعة من النشطاء السياسيين والحقوقيين وأهالي بعض الضحايا بالإضافة إلى عدد كبير من المدونين المصريين، حركة شعبية جديدة تحمل اسم «مصريون ضد التعذيب».

التعذيب في مصر ليس بالأمر الجديد، حقيقة تشهد عليها دماء كثيرة سالت، في مقار أمن الدولة وأقسام الشرطة في كل حي وكل نجع وكفر.

ربما كان الجديد في السنوات القليلة الماضية هو ظهور الصحف المستقلة، التي تولت، ربما لأسباب مهنية محضة، مهمة متابعة قضايا التعذيب. نفس الشيء يمكن أن يقال على البرامج السياسية والاجتماعية في الفضائيات.

وكما تمكن الجمهور المصري، ربما لأول مرة في التاريخ، من متابعة معاناة العمال ونضالهم ضد استغلالهم، على صفحات «المصري اليوم» بل ورؤيتهم وسماع صوتهم مباشرة، من خلال تقارير «العاشرة مساء». تمكن أيضا من التعرف على ضحايا التعذيب ووحشية «كلاب» مبارك المسعورة، التي لم تفرق أنيابها بين لحم مسعد القطب المناضل سياسي، أو عماد الكبير سائق الميكروباص الذي تجاسر على رفع عينه في الباشا جامع الإتاوات في الموقف، أو نفيسة المراكبي فلاحة مصر العليلة التي صدقت يوما أن الأرض أرض الفلاحين، أو حتى الطفل محمد ممدوح قتيل قرية شها التي كانت كل تهمته سرقة باكو شاي.

لم تكن التغطيات الصحفية لقضايا التعذيب هي التطور الأهم. فلا يمكننا إغفال دور شباب وشابات شجعان، انتهزوا الحرية النسبية التي تتوفر خلال الإنترنت، وأخذوا على عاتقهم مهمة تدوين جرائم التعذيب وفضح مرتكبيها. على يد هؤلاء «الجدعان» أصبحت فيديوهات التعذيب تنتقل كالنار في الهشيم عبر البريد الإليكتروني وعلى المدونات، وتم الكشف عن الوجوه القبيحة لجلادي الداخلية وأمن الدولة.

لا يمكن إغفال دور الحراك السياسي والاجتماعي الذي شهدته البلاد طوال السنوات الأربع الماضية؛ بداية من أول مظاهرة لـ«كفاية» في 12 ديسمبر 2004، مرورا بحركة استقلال القضاء وحركة التضامن معها، والإضرابات العمالية المدوية، نهاية بانتفاضة العطش وغيرها من المعارك.

ليس من باب المبالغة أن نقول، إن كل هذه التطورات كان من الممكن أن تصبح مجرد تفاصيل، لو لم يقرر أصحاب القضية الأصليين، ربما بفضل كل هذه التفاصيل، الوقوف أخيرا في وجه المدفع.

فها هو عماد الكبير، يتخطى مشاعر العار التقليدية، ويقرر أن يخوض معركته في وجه جلاديه ببسالة. وها هي زوجة قتيل العمرانية تخرج عن الصمت المعتاد في مثل هذه الأحول وتقرر رواية مأساتها في مقابل رواية الداخلة الهزيلة، وها هم أهالي تلبانة يخرجون بالآلاف يحطمون نقطة الشرطة التي شهدت قتل بلدياتهم، بل ويرفض أهله تقبل العزاء، في إعلان صريح عن نيتهم الأخذ بالثأر. حتى أم طفل شها عرفت طريق الإضراب والاعتصام. هذا التغير في سلوك الضحايا وأهلهم هو في الواقع الحجر الذي حرك الماء الراكد.

ومن رحم كل هذا خرجت «مصريون ضد التعذيب» كحركة شعبية، لتضم كل من عمل بجد ودأب في مناهضة التعذيب، ولكن لتضم أيضا في قلبها ضحايا هذه الجريمة.

وقف هؤلاء جميعا يوم الأحد 9 سبتمبر الماضي في نقابة الصحفيين معلنين: «أننا لن نصمت بعد الآن».

وجاء في البيان التأسيسي للحركة: «ندين معًا التعذيب بوصفه جريمة بشعة لا يقبلها الضمير الإنساني ولا يُقرّها أي من الديانات السماوية ورفضتها وأدانتها المواثيق الدولية كاتفاقية مناهضة التعذيب، كما أدانها الدستوري المصري».

وطالب البيان بالإبلاغ عن أي واقعة تعذيب يتعرضون لها أو أي أحد من المحيطين بهم، قائلاً: «لا تكن سلبيًّا.. الصمت عار.. شارك معنا في تكوين تجمع شعبي.. نستقوي ببعض.. نحمي بعض.. نساند بعض فلا يكون أحدنا بمفرده».

بعد هذا الاجتماع التأسيسي بدأت مجموعات العمل في الانعقاد، على أن يكون الخميس التالي لعيد الفطر هو موعد انعقاد الاجتماع الموسع التالي. فليكن هذا اليوم موعدا لكل راغب في النضال من أجل القضاء على التعذيب في مصر.