بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مبارك… و18 عام من الإنجازات ضد الجماهير

على مدار 18 عامًا هي سنوات حكمه السعيد شهدت الجماهير المصرية الكثير والكثير من الانجازات التي لا يمكن إنكارها. انجازات عهد السعيد تراوحت ما بين القمع، والاستغلال. ما بين المزيد من كبت الحريات، والإفقار. ما بين الزيج بالآلاف في السجون والمعتقلات، وتشريد الآلاف من العمال في الشوارع. انجازات عصره تضمنت أيضًا الاستجابة لكل طلبات الرأسمالية المصرية وتقديمها لها على طبق من ذهب. عهده لذلك هو العهد الذهبي للرأسمالية المصرية، ففيه توفرت لها كل التسهيلات وكل الدعم الذي تحتاجه للانطلاق والخروج من عنق الزجاجة. عهده هو عهد الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، بما يعنياه من تجويع وتشريد لأغلبية المصريين. فهل تملك جماهير العمال والفقراء من المصريين أمام كل هذه الانجازات سوى أن تقول “لا لمبارك”؟

على مدار 18 عامًا واجه مبارك وحكومته تحدي واضح: إخراج الرأسمالية المصرية من عنق الزجاجة لتلحق بركب الرأسمالية العالمية ولتتحول لنمر اقتصادي على غرار مثيلاتها الآسيوية. على هذه الخلفية يمكن أن نفهم سياسات مبارك المرتكزة على تشديد القمع والاستغلال لجماهير الفقراء والمطحونين. مزيد من سياسات الاعتصار للعمال والفقراء، ومزيد من القمع لسحق أي مقاومة لهذه السياسيات. وتعالوا معًا نستعرض الأوجه المختلفة لـ18 عامًا من الانجازات ضد الجماهير.

إفقار الجماهير في عهد مبارك

لا يمكننا الحديث عن سياسات الإصلاح الاقتصادي، التي تعد الانجاز الأساسي لمبارك دون الحديث عن سياسات الإصلاح المالي، أي تغيير حجم وهيكل الميزانية العاملة للدولة كمكون رئيسي في هذه السياسيات. هذه السياسات تعتمد على إعادة هيكلة الدخل عن طريق تخفيض الإنفاق وزيادة الإيرادات حتى تتوازن الميزانية، فماذا يعني هذا؟ المزيد من الإفقار للجماهير والسحب من مكتسباتهم، حتى تستطيع دعم رأسمالية المصرية ودفعها للأمام. ولندع الأرقام توضح لنا كيف استطاع مبارك وحكومته تحقيق هذا.

على مدار سنوات التسعينات استطاعت حكومة مبارك تخفيض العجز في الميزانية من 20% من الناتج المحلي الإجمالي في 1990/1991 إلى 1% في 1997/1998. هذا الخفض في العجز جاء كنتيجة لعاملين: أولهما زيادة إيرادات الدولة والتي جاءت الزيادة الرئيسية فيها في عامي 90/91 و91/92 كنتيجة لفرض الدولة لمجموعة من الضرائب الجديدة، ولتطويرها لنظام التحصيل للضرائب الموجودة بالفعل. لم تأت إيرادات الدولة بسبب فرض ضرائب جديدة على الرأسمالية، على العكس، فقد شهدت سنوات التسعينات توسيع للإعفاءات الضريبية للرأسماليين. وهو ما يتضح في انخفاض القيمة الحقيقية لضرائب أرباح رأس المال بنسبة 6.7% في السنوات من 91/92 إلى 97/98، كذلك ألغت الدولة الجزء الأكبر من ضرائب الثورة وهو ضريبة التركات. كيف إذن جاءت هذه الزيادة الكبيرة في حصيلة الضرائب؟ جاءت من دم وعرق العمال والفقراء من خلال الضرائب غير المباشرة وعلى رأسها ضريبة المبيعات التي تعد – مثل غيرها من الضرائب غير المباشرة – أكثر أنواع الضرائب ضد الشرائح الفقيرة في المجتمع؛ حيث يتحملها المستهلكون وليس المنتخبين. وهكذا نجد أن الحصيلة الحقيقية لضريبة المبيعات قد زادت بنسبة 30.5% ما بين عامي 91/92 و97/98. وبالتالي فليس من المستغرب هذا الارتفاع الكبير في أعداد الفقراء في مصر، حيث تبلغ نسبتهم 22.9% كذلك فـ7.4% من سكان مصر (4.5 مليون يعيشون في فقر مدقع). ويبلغ عدد الفقراء 15 مليون على أقل تقدير.

أما العامل الثاني وراء خفض العجز فقد كان تخفيض النفقات العامة، والتي تحمل العبء الأكبر فيه، أيضًا، الفقراء. حيث انخفضت نسبة الإنفاق العام الاجتماعي – أي الإنفاق على الدعم السلعي والمعاشات والتعليم والصحة والصندوق الاجتماعي للتنمية – إلى إجمالي الإنفاق العام من 3.7% إلى 19.7% في متوسط الفترة من 90/91 إلى 94/95، وانخفض متوسط الإنفاق الاجتماعي الحقيقي للفرد من 193.8 جنيه في 81/82 إلى 81.7 جنيه للفرد في متوسط الفترة بين 90/91 و94/95. لذلك انخفضت القيمة الحقيقة للإنفاق الاجتماعي فيما بين عامي 90/91 و97/98 بنسبة 4.3%.

يمكن أن نلمس أثر هذا الترشيد في الإنفاق إذا نظرنا للخدمات. فبالنسبة للإسكان على سبيل المثال، فالوحدات السكينة العشوائية تمثل 60% من الوحدات التي أقيمت خلال الثلاثين عامًا الأخيرة. بينما لا يحصل 8% من سكان مصر على أي خدمات صحية. و21% من السكان لا يحصلون على مياه نقية. أما بالنسبة للأجور فعلى الرغم من التصريحات الحكومية التي تشير إلى ارتفاع الدخل السنوي للفرد في الفترة من 84 إلى 94 بنسبة 25%، إلا أنه وبالنظر لارتفاع الأسعار في نفس هذه الفترة والتي ارتفعت بنسبة تزيد عن 500%، فإننا نجد أن الأجور الحقيقية قد انخفضت خلال هذه الفترة بنسبة 250%.

وهكذا استطاع مبارك دفع الرأسمالية المصرية خطوة للأمام على طريق الخروج من عثرتها، ودفع بجماهير العمال والفقراء عشرات وعشرات الخطوات للوراء بالسحب من مكتسباتهم وتصعيب حياتهم أكثر وأكثر.

مبارك وحقوق الإنسان.. 18 عام من القمع

يمتلك مبارك ونظامه من الوقاحة ما لم يمتلكه نظام غيره من قبل. فعلى الرغم من أن سنوات حكمه الـ18 شهدت من والقهر وكبت الحريات أشكالاً وألوانًا غير مسبوقة. وعلى الرغم من أن العمل بقانون الطوارئ مازال متواصلاً منذ بداية عهده وحتى الآن. وبينما يوجد في السجون المصرية اليوم ما يزيد على 30 ألف معتقل؛ يمتلك مبارك وأبواق دعايته الحقيرة من السفالة والوقاحة ما يجعلها لا تتوقف عن الحديث عن الحرية التي تعيش أزهى عصورها، ومبارك الذي لم يقصف في عهده قلم، و”إديها كمان حرية”.وفي عهد مبارك السعيد نالت الجماعات الإسلامية النصيب الأكبر من القمع والتعذيب. فعلى سبيل المثال وصلت حصيلة ضحايا العنف من الجماعات الإسلامية خلال الفترة من 1990 إلى 1997 إلى 1380 قتيلاً، ناهيك عن عشرات الآلاف من حالات الاعتقال والتعذيب لعناصر هذه الجماعات. بالطبع لم يقتصر مبارك على قمع خصومه السياسيين من الإسلاميين، لكن أيضًا المعارضين من كافة الاتجاهات. فعلى سبيل المثال، شهد عام 1997 اعتقالات لعدد من السياسيين بسبب معركة القانون لسنة 1992 للعلاقة بين المالك والمستأجر للأراضي الزراعية.

ولم يبخل مبارك على شعبه وجماهيره الفقيرة، فقد نالهم من قمعه وعنفه الكثير والكثير. حيث شهدت فترة حكمه قمعًا للإضرابات العمالية واقتحامًا للمصانع بالدبابات. وجميعنا يذكر إضراب الحديد والصلب في 1989 وإضراب المحلة الكبرى في 1986، وكفر الدوار 94. كذلك شهد عام 97 قمعًا شديدًا للمقاومة الفلاحية لقانون الإيجارات الزراعية، فتم اعتقال مئات الفلاحين بسبب مقاومتهم للقانون، بالإضافة للتواجد الأمني المكثف في العديد من القرى لمنع أي تحركات فلاحية.

لقد جاء مبارك للحكم في فترة مضطربة بعد اغتيال السادات على يد الإسلاميين فكان أن مارس قاسي أنواع العنف والتنكيل بأعضاء هذه الجماعات حتى يصفيهم تمامًا. كان على مبارك أيضًا أن يقف بالمرصاد ضد أي بادرة تحرك عمالي أو جماهيري لمقاومة سياسات الإفقار المتزايدة ورفع معدلات الاستغلال التي لجأ إليها لدعم الرأسمالية. وهكذا فأزمة الرأسمالية المصرية تعني المزيد والمزيد من العنف والقمع والكبت والحريات وهو ما قدمه مبارك بدون تردد لدعم برجوازيته على أشلاء جماهير الفقراء المطحونين.

مبارك في خدمة رأس المال

حل رجال الأعمال المصريين كثيرًا، وجاء مبارك لتتحقق كل الأحلام. جاء مبارك ليقدم رجال الأعمال كل التسهيلات الممكنة وليزيل أية عقبات أمامهم، حتى يصبح الطريق مفروشًا لتحقيق المزيد من التراكم والأرباح. في عهده صدر قانون حوافز وضمانات الاستثمار الذي يمنح الكثير من المميزات والضمانات لرجال الأعمال. فعلى سبيل المثال يمنحهم القانون إعفاءات ضريبية تصل في بعض الأحيان إلى الإعفاء مدى الحياة، ويجيز تخصيص الأراضي المملوكة للدولة في بعض الحالات للشركات الخاضعة للقانون بالمجان. كذلك ينص القانون على عدم جواز التأميم والمصادرة لمشروعات وممتلكات رجال الأعمال.

في عهده أيضًا ظهرت قوانين الإيجارات بالنسبة للأراضي الزراعية، المساكن، والأماكن غير السكينة. هذه القوانين التي أخرجت آلاف المستأجرين الفقراء من محلاتهم وأراضيهم الزراعية مما أعطى الرأسمالية المصرية الفرصة لإعادة استثمار هذه الأماكن بما يحقق لها أكبر مكاسب ممكنة. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، ارتفعت إيجارات هذه الأماكن وأصبحت عقود الإيجار محددة المدة بما يحرم المستأجرون من أي ضمانات أو استقرار.

كذلك صدر قانون قطاع الأعمال العام كخطوة أولى في اتجاه الخصخصة. حيث استطاع مبارك ونظامه أن يحولوا الخصخصة من مجرد مشروع طموح إلى حقيقة واقعة. حتى لو كان هذا يعني تشريد عشرات الآلاف من العمال المصريين. وفي هذا السياق وحتى 30 يونيو 1998 تمت تصفية 26 شركة من شركات القطاع العام، وخصخصة 58 شركة من إجمالي 314 شركة هم شركات قطاع الأعمال العام.

وأخيرًا، صدر مشروع قانون العمل الموحد الذي يجعل العمال لقمة سانغة أمام رجال الأعمال، ويقضي على البقية الباقية من مكتسباتهم.

جاء مبارك في وقت تحتاج فيه الرأسمالية لدفعة. تحتاج لكل الدعم الممكن حتى تنطلق وتنافس في السوق العالمي وتجتذب رؤوس الأموال والاستثمارات العالمية، فوضعية الرأسمالية المصرية كانت في تتدهور مستمر نتيجة لعدم نجاحها في اجتذاب الاستثمارات العالمية على الرغم من سياسات الانفتاح. ومن ناحية أخرى فوضعية ديون مصر أصبحت سيئة تمامًا بدون أي أمل في الحل، خاصة في ظل تراجع التدفقات المالية من الخارج في ظل عودة العمالية المصرية من الخليج.

واجه مبارك إذن تحدي ضخم فإما أن تنهض الرأسمالية المصرية أو تذهب إلى الأبد. فالمنافسة أصبحت شرسة في سوق الرأسمالية العالمية، وبالتالي فعلى الرأسمالية المصرية أن تجد ما تقدمه لهذه السوق حتى تحصل على جزء من الكعكة. كان على مبارك الذي يمثل مصالح الرأسمالية أن يلقى لها بطوق النجاة. هذا الطوق في الحقيقة مصنوع من عرق ودماء العمال والفقراء المصريين. فهم الذين يطردون من منازلهم، وأراضيهم، ومحلاتهم، حتى تستثمر رجال الأعمال. وهم الذين يشردون ويطردون من أعمالهم، حتى يشتري رجال الأعمال شركات القطاع العام. وهم الذين يقتطعون من قوتهم لدفع الضرائب المتزايدة، حتى يحصل رأس المال على المزيد من الإعفاءات. لم يأل مبارك ونظامه جهدًا من أجل خدمة رأس المال. فقد جاء في الوقت الذي لا يحتمل الانتظار. فحتى تلحق الرأسمالية المصرية ما فاتها كان على مبارك أن يسارع بإزالة كل العقبات التي تكبلها ومنحها من تسهيلات، حتى لو كان هذا عن طريق مضاعفة الاستغلال والنهب للجماهير.

المشروعات الكبرى

توشكي.. الطريق الدائري.. المدن الجديدة… مترو الأنفاق… ولا زالت قائمة مشروعات مبارك طويلة. هذه القائمة التي أوجعت وسائل الإعلام أدمغتنا بها مهللة لمبارك الزعيم وإنجازاته من أجل رفاهية شعبه. هذه الدعاية المهللة لمبارك لا يمكن أن نصفها سوى بالوقاحة والنصب الابتذال. ولكن لماذا؟

لنبدأ بأكبر هذه المشروعات وأهمها من وجهة نظر الدعاية البرجوازية – مشروع توشكي – التي ترى فيه حلاً كل مشاكل مصر من بطالة وفقر وإسكان الخ.. فما هو هذا المشروع السحري؟ مشروع توشكي في جوهره يعتمد على حفر قناة بطول يزيد عن 300 كيلو متر من بحيرة ناصر جنوبًا وحتى الواحات شمالاً وذلك بغرض إضافة 305 مليون فدان أراضي زراعية، بالإضافة إلى 405 مليون فدان مدن وصناعات، هذا إلى جانب توفير مليون فرصة عمل، ومضاعفة الدخل القومي. كل هذا في غضون عشرين عامًا؟

هذا الوهم الذي يصدره لنا مبارك ونظامه كأمل ليس في الحقيقة سوى حلقة جديدة في حلقات استغلال الجماهير المصرية. فحتى يجتذب هذا المشروع الاستثمارات اللازمة والتي تقدر بمليارات الجنيهات يجب أن تتوفر لرأس المال كل عوامل الجذب من إعفاءات ضريبية، لأراضي بالمجان، لعماله رخيصة. وخلافًا للدعاية الكاذبة للدولة ليس هذا مشروعًا للشباب والفلاحين الصغار. بل مشروعًا للمستثمرين من جميع أنحاء العالم. فنرى الأمير السعودي الوليد أين طلال الذي يشتري عشرات الآلاف من الفدادين للاستفادة من كل هذه التسهيلات. وغيره من كبار رجال الأعمال والشركات الأجنبية. فكيف يستطيع شاب فقير منافسة هؤلاء، وأي إمكانيات يمتلكها لهذه الاستثمارات. لا يبقى أما الجماهير الفقيرة سوى أن توفر لرجال الأعمال ما يحتاجون من أيدي عاملة تخضع لأبشع الاستغلال، حتى تحقق رؤوس الأموال أقصى استفادة ممكنة. على الجانب الآخر. كيف يمكن لحكومة مبارك توفير مليارات الجنيهات من أجل استكمال هذا المشروع؟ وكيف ستوفر 5 مليارات متر مكعب من المياه مطلبين لزراعة هذه المنطقة؟ لا يمكن أن نتصور توفير هذه الاستثمارات وهذه الموارد المائية إلا على حساب المزيد والمزيد من الاستغلال للجماهير.

ومثلما هو الحال بالنسبة لتوشكي، لا تهدف باقي مشروعات مبارك سوى لتهيئة المناخ أمام رؤوس الأموال وتوفير البنية الأساسية التي تسمح لها بتنفيذ مشروعاتها بأقل التكاليف. فحتى تقل نفقات النقل أمام المشروعات الصناعية في المدن الجديدة كان على نظام مبارك أن ينشئ لهم الطريق الدائري تخفيضًا للنفقات والوقت. أنشأ مبارك الطريق الدائري على أنقاض بيوت الفقراء التي أزيلت بدون رحمة من أجل مصلحة السادة أصحاب رؤوس الأموال.

خيط واحد يربط هذه المشاريع ويرتبط بهذه الفترة من تطور الرأسمالية المصرية. فكما ذكرنا سابقًا، تواجه الرأسمالية المصرية تحدي كبير ومنافسة ضخمة. من هنا فمبارك، بصفته حامي حمي هذه الرأسمالية، كان عليه أن يهب لنجدتها وأن يضع هذا الهدف على رأس أولوياته. استجاب مبارك في هذا السياق لطلبات هذه الرأسمالية التي تحتاج لخفض نفقات إنتاجها ولجذب الاستثمارات العالمية، ومن هنا تأتي هذه المشاريع التي تهدف إلى توفير الظروف لرأس المال ولتحسين مميزاته النسبية في السوق العالمي. وبالتالي فالدولة مستعدة أن تنفق في سبيل ذلك ملايين الجنيهات التي تقتطعها من إنفاقها على دعم وتعليم وصحة الفقراء.

مبارك والعمال

لا يمكن أن نتصور أن هناك حكومة رأسمالية تعمل من أجل مصالح العمال، فهذا ضد طبيعة الرأسمالية. وبالتالي فلا يمكن أن نقول أن نظام مبارك يختلف عن من سبقه في هذا الصدد. لكننا وبدون أدنى شك نستطيع أن نقول أن نظام مبارك قد وصل في استغلاله وقمعه للعمال لدرجات لم يسبقه لها أي نظام آخر من قبل.

في عهده، وعلى مدى السنوات من 1985 وحتى 1994 هبط الرقم القياسي لأجور العمال بنسبة 41%.

في عهده أيضًا، ونتيجة لعملية الخصخصة انخفض عدد عمال القطاع العام من مليون قبل سنوات على 790 ألف عامل اليوم. معظم هؤلاء العمال خرجوا عن طريق المعاش المبكر، ومن المنتظر أن يخرج 50 ألف آخرين خلال العام الحالي. خروج هذا العدد الضخم من العمال معناه بدون شك ظروف عمل أقصى وأعباء مضاعفة لمن يستمر من العمال. وفي هذا السياق يتوقع أن تحقق المرحلة الأولى من المعاش المبكر وفرًا سنويًا في فاتورة الأجور مقداره 189 مليون جنيه.

كل هذا الاستغلال رافقه بالطبع قمع شديد غير مسبوق في أي عهد سابق، ولأول مرة تواجه الإضرابات والاحتجاجات العمالية بكل هذا العنف والشراسة. وللمرة الأولى تشهد الإضرابات قتلى ومصابين، حصار أمني، اقتحام للمصانع الدبابات، الخ.. الخ.. تعلم مبارك الدرس من السادات الذي خلق انفتاح ديمقراطي محدود بهدف تعبئة الجماهير وراء التغيرات الاقتصادية التي تحتاجها الرأسمالية، فكان أن أدى هذا إلى توسيع نطاق المعارضة الشعبية لسياسته. كان على مبارك إذن أن تلاقي أخطاء السادات وأن يوفق ما بين إعطاء قدر من الحرية لرأس المال، وهو أمر مفيد من وجهة نظر التنمية الرأسمالية، وما بين سلب أكبر قدر ممكن من الحرية من الجماهير، حتى يستطيع الضغط في طريق الإسراع في سياسات الإصلاح الاقتصادي.

وحتى يسلب مبارك ونظامه العمال من القليل الباقي لهم، وحتى تدخل الرأسمالية المصرية مرحلة جديدة بدون أي أعباء أو قيود خرج مشروع قانون العمل الموحد إلى النور – ونقش في مجلس الشعب – وهو المشروع الذي يجعل من العمال ملكية خاصة للمستثمرين يفعلون بهم ما يشاءون.

هذا الاستغلال والقمع الشديد للعمال كان – ولا زال – ضرورة من أجل انتعاش الرأسمالية المصرية. فالرأسمالية المصرية لا تزال رأسمالية ناشئة حيث أنها انضمت للسوق الرأسمالي العالمي في مرحلة متأخرة. وبالتالي حتى تستطيع أن تجد لها مكانًا في هذه السوق التي تعاني أساسًا من الركود وأن تصمد أمام منافسة الرأسماليات الأقدم والأكثر استقرارًا في هذا السوق. حتى تحقق هذا كان عليها أن تكثف الاستغلال والضغط على جماهير العمال، وأن تعتصرهم لتعظيم فائض القيمة لأقصى درجة ممكنة. وعلى عكس الوضعية في المرحلة الناصرية، لا يمتلك مبارك الغطاء الأيديولوجي الذي يمكن من خلاله أن يضمن قدر أعلى من القبول العمالي لسياسات تكثيف الاستغلال. ومن هنا نستطيع أن نفهم هذه الوحشية الشديدة في التعامل مع العمال. فمن ناحية هناك ضرورة لتشديد معدلات الاستغلال بصورة غير مسبوقة، ومن ناحية أخرى وكما ذكرنا لا يملك مبارك هذا الغطاء الأيديولوجي. وبالتالي، فالحل هو المزيد والمزيد من القمع حتى يضطر مبارك العمال للخضوع وقبول هذه الشروط القاسية وحتى يقضي على أية إمكانيات لأي تحريك عمالي لجماهير العمال.

وعلى الرغم من القمع.. لا يزال العمال يقاومون مبارك

على الرغم من القمع الذي يميز سياسات مبارك تجاه العمال، إلا أن فترة حكم مبارك قد شهدت مقاومة عمالية لهذه السياسيات. ففي عهد مبارك قامت الطبقة العاملة بعدد من أهم إضراباتها في الفترة الحديثة، فنجد إضراب إسكو 86، الحديد والصلب 89، المحلة الكبرى 89، كفر الدوار 94.

هذه الأحداث النضالية لا تعني أن حركة الطبقة العاملة في عهد مبارك وحالة الصراع الطبقي قد شهدا تحولاً نوعيًا من حالة الجزر إلى المد، فهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. وحتى نتعرف على وضعية المقاومة العمالية لسياسات مبارك نحتاج لفهم التكتيكات التي أتبعتها حكومة مبارك في التعامل مع الحركة العمالية ومقاومتها.

لقد جاء مبارك إلى الحكم في فترة انتهجت فيها البرجوازية سياسة الخطوة خطوة والهجوم البطيء تجاه الحركة العمالية. وذلك لسببين. أولهما أن الرأسمالية المصرية كانت في مرحلة رواج نسبي مكنها من التحول تجاه اقتصاديات السوق دون أن يترك هذا أثرًا على مستويات معيشة العمال. ثاني هذه الأسباب هو الحركة العمال العمالية والجماهيرية وما أبدته من مقاومة في سنوات النصف الثاني من السبعينات والتي توجتها انتفاضة 77، حيث أدركت الدولة أن سياسة الهجوم المباغت والسريع يمكن أن يكون لها أثار وخيمة. وبالتالي فلم تشهد سنوات نهاية السبعينات وحتى منتصف الثمانينات إضرابات هامة (باستثناء كفر الدوار 86). خلال هذه الفترة اتبعت البرجوازية المصرية سياسة هدفها إضعاف الطبقة العاملة المصرية، سواء من خلال إضعاف أهم قطاعاتها وأكثر نضالية، وهو القطاع العام (عن طريق وقف التعيينات، قمع النضالات العمالية، الخ)، أو من خلال عزل عمال القطاعين العام والخاص لتفتين الحركة العمالية.

مع بداية النصف الثاني من الثمانينات واجهت الرأسمالية المصرية منعطفًا جديدًا. حيث بدأت عودة العمالة المصرية من الخليج وبالتالي تراجعت التدفقات المالية، هذا الوضع على خلفية أزمة اقتصادية عمالية وضعها أمام تحدي صعب ألا وهو ضرورة الإسراع في ابتاع سياسات السوق وتكثيف معدلات استغلال الطبقة العاملة. وهكذا وعلى مدى السنوات من 1985 إلى 1994 هبط الرقم القياسي لأجور العمال من 137 إلى 81. شهدت هذه الفترة كذلك بدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1991. أثمرت هذه السياسات عن نجاح نسبي للرأسمالية المصرية يظهر في أشياء مثل معدل النمو الذي يزيد الآن على 5% وهو رقم عالي بالمقاييس العالمية. إلا أن هذا التقدم لا يمثل الكثير بالنسبة لرأسمالية ناشئة مثل الرأسمالية المصرية التي تواجه منافسة عالمية ضخمة. ومن هنا كان استمرار الرأسمالية المصرية في سياسات تكثيف الاستغلال، والتي تعد سياسات الخصخصة نموذجًا لها بما تتضمنه وتشريد وتقليص للأجور الخ. هذا الضغط المتواصل عكس نفسه في تصاعد الحركة العمالية مرة أخرى، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة تمامًا. فأولاً شهدت الطبقة العاملة تغيرًا في بنيانها من حيث تفكك قطاعات ذات نضالية عالية (مثل صناعة النسيج)، ومولد قطاعات جديدة بدون خبرة نضالية في القطاع الخاص، أيضًا عدم وجود نقابات قوية وشريفة. وعلى الجانب الآخر تشهد الطبقة العاملة درجة غير مسبوقة من القمع لهذه النضالات الدفاعية والمتفرقة. هذه النضالات ليست قادرة بعد على خلق حالة من الثقة في أوساط العمال، بل على العكس ففشل هذه النضالات في تحقيق أهدافها في ظلا حالة التشتت وانعدام الثقة تؤدي إلى زيادة اليأس في أوساط العمال. إلا أن هذا ليس سوى جزء من الصورة. الجزء الآخر هو احتمالات المستقبل التي تخلقها الوضعية الحالية، فهذه القطاعات العمالية الجديدة تنمو متخلصة من أي تراث نقابي يشدها للوراء، في نفس الوقت الذي تؤدي فيه سياسات الهجوم على القطاعات العمالية المستقرة إلى تصاعد الغضب في هذه القطاعات، هذه الجوانب المختلفة تعني أن إمكانيات تصاعد الحركة العمالية موجودة وتتعاظم بزيادة ضغط مبارك ونظامه على العمال، وما شهادته الشهور الماضية من زيادة في عدد الإضرابات، ومن حدوث لإضرابات قوية في مصانع القطاع الخاص مؤشر على هذه الاحتمالات، والتي تبقي مجر احتمالات نحتاج أن تثبتها لنا الأيام القادمة.