بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مبارك وطبول الحرب

شاهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية أضخم حملة تعبئة سياسية حول شخص الحاكم في مصر منذ الستينات وهذه الحملات ترتبط عادة بالاستعداد للحرب، ففي ظروف الحرب يحتاج النظام الحاكم إلى تركيز كل الطاقات وراءه وإخفاء كل أشكال المعارضة لخلق حالة من الإجماع المصطنع يمكن النظام من خوض الحرب، ويصبح تأليه الحاكم هو السبيل الأمثل لخلق هذه الحالة خاصة في البلدان التي يكون فيها الحكم مطلق ومدى الحياة.

وقد أعطت محاولة الاغتيال الفاشلة فرصة ذهبية للنظام لبدء حملته المسعورة واستخدم النظام كل الألاعيب المعتادة في مثل هذه الحملات فهناك ” قوى خارجية ” لا تريد الاستقرار لمصر ! وهذه القوى تستخدم “عملاء مأجورين” لتنفيذ مخططاتها الإجرامية! وعلى الرغم من أن الجماعة الإسلامية في مصر أعلنت مسئوليتها عن المحاولة وأن كل الذين اشتركوا في المحاولة كانوا مصريين، فالنظام يصر على اتهام السودان فلا يمكن أن يقوم “مصريون” “وطنيون” بمثل هذه الجريمة!! فمصر هي مبارك ومبارك هو مصر ومن يضرب مبارك هو بالتأكيد خائن “للوطن” وعميل للأعداء.

وقد ساهم اليسار المصري في عزف نفس النغمة ولكنه أضاف تفسيره المعتاد لمثل هذه الأحداث ووصفها بأنها مؤامرة صهيونية – أمريكية لإضعاف مصر وتفتيتها، تلك المؤامرة الوهمية التي طالما برر بها اليسار تذيله للنظام الحاكم. فمن المنطقي أن تتآمر إسرائيل وأمريكا على النظام المصري إذا كان نظاما ثوريا يهدد إسرائيل ويهدد استمرار ضخ البترول الخليجي وينشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، ولكن لماذا يتآمران على نظام رأسمالي رجعى يلعب دورا فعالا في الحفاظ على مصالح إسرائيل واستقرار دول الخليج ؟ لماذا يتآمران على حليفهم العسكري والسياسي والاقتصادي الأساسي في المنطقة ؟!.

كل هذا لا يهم أحدا الآن، فالمهم هو التهليل لمبارك وطرح أي تفسيرات تآمرية تساعد النظام على التماسك وتخلق مناخا من الشوفينية والرعب من المجهول، فماذا بعد مبارك! ماذا يحدث لو مات القائد والزعيم ؟ من يأتي بعده ؟ ذلك القائد الذي لم بعد قائد مسيرة الإصلاح والصحوة والنهضة الحضارية المصرية فحسب بل أيضا قائد مسيرة الإصلاح حرب أكتوبر ومن أبرز قيادات حرب الاستنزاف إلى آخره من البطولات التاريخية الوهمية، من يستطيع ملء الفراغ الرهيب الذي سيتركه ؟!. بالتأكيد ستعم الفوضى أن مات الزعيم القائد وستغرق الأرض بالفيضانات وتهتز بالزلازل !، فلا وجود لمصر بدون مبارك وعلينا جميعا بمختلف اتجاهاتنا ومصالحنا أن نصطف وراءه لمواجهة الأعداء والمخاطر، هذه هي الرسالة التي تريد هذه الحملة المذعورة توصيلها.

لقد ذكرنا في بداية المقال أن مثل هذه الحملات تحدث عندما يستعد النظام لخوض حرب، ولكن من الذي يريد أن يحاربه نظام مبارك ؟ هل هو السودان !. أن التدخل العسكري والسياسي للنظام المصري في السودان لن يكون جديدا، فقد لعب النظام المصري دورا كبيرا في ضرب الحزب الشيوعي السوداني في الستينات ومساعدة النميرى في الوصول إلى السلطة، وتصفيته للشيوعيين فيما بعد. ولعب النظام المصري أيضا دورا في وصول البشير إلى الحكم لإنهاء فوضى المظاهرات والإضرابات التي اجتاحت السودان في السنوات التي تلت سقوط النميرى، ولكن بعد تحالف نظام البشير مع الاخوان المسلمين في السودان ودعمه للحركة الإسلامية في مصر والجزائر بدأ النظام المصري في العمل على إنهاء حكم البشير والجبهة الإسلامية بالسودان.

إن النظام المصري يريد التخلص من نظام البشير وأعوانه الإسلاميين، ولكنه لن يستطيع ذلك من خلال حرب عسكرية شاملة، فلن تنجح مثل هذه الحرب إلا في توحيد الجبهة الداخلية في السودان وإعطاء إيران الفرصة للتدخل المباشر في السودان وهذا ما لا يريده نظام مبارك.

والنظام المصري سيتبع نفس استراتيجيته التاريخية حيال السودان وهى الدعم العسكري والسياسي لقوى انقلابية في الجيش والمعارضة لمحاولة الإطاحة بنظام البشير وإنهاء هيمنة الجبهة الإسلامية.

ولكن إذا كان النظام المصري لا يريد حربا مع السودان، لماذا إذن هذه الحملة المباركية المسعورة؟!

إن الإجابة على هذا السؤال تستوجب النظر إلى ما يحدث على مستوى الصراع الطبقي داخل مصر. إن الإدماج الكامل للاقتصاد المصري في النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما يستهدفه نظام مبارك، يستلزم تحرير الاقتصاد من كل القيود البيروقراطية الباقية منذ عصر رأسمالية الدولة الناصرية، مما يعنى خصخصة الجزء الأكبر من القطاع العام وتوحيد سوق العمل وقوانين العمل حتى تناسب الاستثمارات الخاصة، وتحرير السلع الزراعية والصناعية من كل أشكال الدعم والحماية وإلغاء كل القيود الايجارية على الملكيات الزراعية والعقارية بحيث تترك للعرض والطلب.

إن المعنى الاجتماعي لهذه التحولات التي يستهدفها النظام والتي بدأ بالفعل في تنفيذها هو هجوم عنيف على حقوق ومصالح الطبقة العاملة والفلاحين وفقراء المدن في مصر. إنها تعنى دخول مئات الألوف من العمال إلى صفوف البطالة وطرد ملايين الفلاحين المستأجرين من أراضيهم وملايين السكان الفقراء في المدن من بيوتهم.

هذه هي الحرب التي يستعد نظام مبارك لتصعيدها، الحرب ضد عمال وفلاحي مصر. فقد استطاع مبارك السيطرة على الحركة الإسلامية المسلحة كحركة اجتماعية تهدد النظام على عكس زملائه في الجزائر. وهذا النجاح قد أقنع النظام بضرورة الإسراع في الإصلاحات الاقتصادية خاصة وأن المعارضة في حالة شلل تام بل وتذيل تام للنظام.

ولكن النظام يعرف جيدا أن هذه التحولات لن تمر بسلام وأن عمال وفلاحي مصر سيبدأون في التحرك للدفاع عن مصالحهم، لذا يبادر النظام بسيل من القوانين والإجراءات القمعية استعدادا للمعارك القادمة ويستعد أيضا على المستوى الأيديولوجي بخلق مناخ من الشوفينية القومية والهستيريا الوطنية وعبادة الفرد بحيث يتحول سريعا المضرب أو المتظاهر من معارض للنظام إلى “خائن لمصالح الوطن” وعميل “للقوى الخارجية”.

إن تأليه النظام لحسنى مبارك وجعله رمزا مطلقا له يجعل من السهل على المرء أن يعتقد أن السبيل الوحيد للتخلص من النظام يكمن في التخلص من حسنى مبارك نفسه. ويقع في هذا الفخ كل الجماعات النخبوية البرجوازية الصغيرة كالجماعات الإسلامية التي تتصور أن بعض الرصاصات في رأس مبارك ستهزم النظام الحاكم في مصر.

ولكن الذي لا تفهمه هذه الجماعات هو أن مبارك مجرد ممثل تنفيذي للطبقة الرأسمالية الحاكمة سرعان ما ستستبدله في حالة اغتياله. وهذا ما حدث عندما اغتيل السادات. فقد زاد الحكم قوة ولم يضعف وازداد القمع واستمرت نفس السياسات واختارت الطبقة الحاكمة رئيسا جديدا لدولتها. وهذا بالضبط ما سيحدث إذا نجح اغتيال مبارك.

إن الإرهاب الفردي لم ولن يخلصنا من النظام الحاكم الذي يرأسه مبارك. وهو لا يخدم في نهاية الأمر إلا النظام نفسه، فهو يمكن النظام من تصعيد القمع والاستفادة الدعائية من العمليات الفاشلة وهيمنة التفسيرات التآمرية. حتى لو تم اغتيال مبارك وكل وزراءه، فسرعان ما ستتدخل قيادات الجيش لاستبدال الأماكن الفارغة بممثلين جدد للطبقة الحاكمة.

نحن أيضا نريد إسقاط مبارك ولكننا نعرف جيدا أن الإرهاب الفردي لن يمكننا من إسقاطه. ونعرف أيضا أن القوة الوحيدة القادرة على مواجهة النظام ككل وإسقاطه هي الطبقة العاملة المنظمة الواعية. لقد أعلن السيد راشد في “المهرجان” الذي أقامه الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بمناسبة نجاة مبارك أن “عمال مصر مستعدون لحمل السلاح،” ونحن نقول أن عملا مصر عليهم بالفعل أن يستعدوا، ليس لمحاربة إخوانهم السودانيين وليس لمواجهة الحركة الإسلامية ولكن لمواجهة أعدائهم الطبقيين في بر مصر.