بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مبارك وأوباما: تحالف ضد الشعوب

في غضون أقل من ثلاثة أشهر، وبعد خمسة أعوام من الجفاء في ظل حكم جورج بوش الابن، التقى الرئيس مبارك مع الرئيس الجديد للولايات المتحدة باراك أوباما ثلاثة مرات دفعة واحدة. وبينما يتفق الكثيرون على أن هذا مؤشر على تغيير مهم في العلاقات المصرية الأمريكية، إلا أنهم يختلفون على تقييم هذا التغيير: هل هو إلى الأحسن أم إلى الأسوأ؟

بدلا من النظر إلى التفاصيل والتطورات المؤقتة، يستحسن بنا أن نلقي نظرة أشمل على طبيعة العلاقات المصرية الأمريكية. لماذا ارتبط البلدان رباطا يبدو أنه وثيق ولا ينفصم؟ وما هي أسس ما يسمياه بالـ”علاقة الاستراتيجية” التي تربطهما؟

الجذور

كان الرئيس السابق أنور السادات قد قاد في مطلع السبعينيات تحولا مهما في استراتيجية مصر الدولية من الارتباط بالاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات المتحدة. كثيرون يرون أن هذا التحول يمكن تفسيره من خلال شخصية السادات المغامرة، أو ميوله الأمريكية، أو حتى حبه لأفلام الويسترن والكاوبوي! الحقيقة أن كل هذه التفسيرات الشخصية، على طرافتها، مضللة وغير دقيقة.

أنور السادات كان يعبر، بقراراته ومواقفه، عن ميل في الطبقة الحاكمة المصرية لتغيير الاستراتيجية المناهضة للإمبريالية التي اتبعتها مصر في الخمسينيات والستينيات، والتي تلقت ضربة قاصمة في 5 يونيو 67. حزمة السياسات التي ميزت مصر الناصرية، والتي قامت على مناهضة الإمبريالية، واتباع نموذج رأسمالية الدولة في التنمية، كانت تمر بمرحلة صعبة في أواخر الستينيات. فقد بدأت ملامح الفشل في سياسة التعبئة الاقتصادية والتصنيع تطفو إلى السطح. وقد رأى البعض أن هذا ارتبط بالأزمات السياسية، التي مرت بها الدولة في تلك الآونة. لكن آخرون يعتقدون أن أسباباً اقتصادية أعمق، منها ضيق السوق المحلية، لعبت دورا لا يستهان به في إفشال تجربة والتأميم والتصنيع.

على كل الأحول، تكفلت هزيمة 67 بكسر ظهر نظام الحكم، ووضعه في موضع الضعف المزمن. من هنا بدأ النقاش يدور، في الخفاء ووراء الكواليس، وأحيانا في العلن، حول البدائل. وبالقطع كان البديل الأمريكي ماثلا على الدوام.

أنور السادات بلور رؤية شهيرة وقتها قوامها أن الولايات المتحدة تعتمد على إسرائيل، بالضبط لأنها هي الطرف الوحيد في الشرق الأوسط الممالئ للإمبريالية العالمية الأكبر، ولأن إسرائيل هي الطرف الإقليمي الأكثر قوة واستقرار. لكن لو حدث أن قوى إقليمية أخرى كشفت حدود وضعف إسرائيل، وفي نفس الوقت عرضت التحالف مع أمريكا، فإن المقادير في الشرق الأوسط ستختلف تماما، وستصبح إسرائيل بلدا عاديا، وسيعاد ترتيب التحالفات الإقليمية والدولية.

هذا كان طريق السادات إلى أمريكا: إقناع الأخيرة بأن إسرائيل ليست بالقوة التي يتصورها الكثيرون عنها، ثم مد يد التعاون إلى “الصديق الأمريكي”. وهذا ما دفع الرئيس المصري السابق إلى خوض حرب أكتوبر التي كانت، كما تم الإعلان وقتها، “حرب تحريك لا حرب تحرير”. الحرب، كما تصور السادات، كانت ستقنع الولايات المتحدة أن مصر أقوى مما يتصور الأمريكان، وأن إسرائيل أضعف مما يعتقدون. من ثم فإن من يجلسون على مقاعد الحكم في البيت الأبيض سوف يفكرون بجدية في بناء تحالفات جديدة لحماية مصالحهم التي لم تعد إسرائيل وحدها قادرة على حمايتها.

من هنا بدأت عملية السلام المصرية الإسرائيلية، تلك العملية التي وصلت إلى منتهاها في 1979 بتوقيع معاهدة السلام الشهيرة التي دفع السادات حياته ثمنا لها.

تناقضات

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد أظهرت الأحداث المتتابعة بوضوح، بدءا من ضم القدس في عهد السادات، مرورا بغزو لبنان 1982، في بداية عهد مبارك، وانتهاء بانهيار عملية السلام في الألفية الجديدة، أن إسرائيل لم تصبح، في نظر أمريكا، دولة عادية أبداً. ظلت إسرائيل هي الدولة المحورية في المنطقة والحليف الأول. الأهم من ذلك أن الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة لم يؤد إلى تكرار تجارب أخرى، كالتجربة الكورية مثلا، حين تحولت الدولة تحت المظلة الأمريكية إلى نمر اقتصادي كبير.

الأكثر طرافة من ذلك كله أنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء عصر القطبية الثنائية، ومن ثم مع تدافع الدول العربية الواحدة تلو الأخرى إلى أحضان الإمبريالية الأمريكية، فإن أهمية إسرائيل لدى الولايات المتحدة لم تتضاءل، بل على العكس زادت وتأكدت.

المفارقة هنا أن تبني الأنظمة العربية لاستراتيجية السلام وسعيها إلى خطب ود الولايات المتحدة لم يؤد إلى تغيير وضع وأهمية إسرائيل الإقليميين من وجهة نظر الإمبريالية العالمية. فقد استمرت إسرائيل في سياستها الاستعمارية السافرة والعنصرية الفجة بدعم كامل من الولايات المتحدة، إلى أن وصلت الولايات المتحدة نفسها إلى المنطقة بجيوشها الجرارة لإخضاع الشعوب وتحقيق الهيمنة الشاملة.

الصراع الطبقي

إذاً، زاد الارتباط المصري الأمريكي عمقاً واتساعاً، ولكن إسرائيل لم تفقد مكانتها لدى الولايات المتحدة، ولا تراجعت عن سياستها العنصرية الاستعمارية. جوهر الإشكالية هو الفشل المروع للبرجوازيات العربية، وعلى رأسها البرجوازية المصرية، في تحقيق تنمية تصلح أساساً للاستقرار ولترويج السلام والتطبيع مع إسرائيل. لم يؤد اندماج الرأسماليات العربية في نظام العولمة الرأسمالية إلى نمو اقتصادي واسع، أو إلى تصاعد الرفاهية، أو إلى خلق وتثبيت شرائح طبقية واسعة متبنية للطريق الرأسمالي الأمريكي. على العكس أدى فشل التنمية الرأسمالية إلى ظهور قوى معارضة راديكالية، بين قومية ويسارية في السبعينيات ومطلع الثمانينيات ثم إسلامية في التسعينيات وحتى اليوم، تتطلع إلى اقتلاع أنظمة الحكم واستبدالها بتيارات ساعية إلى محاربة الولايات المتحدة وإسرائيل.

فشل التنمية المبنية على الاندماج في السوق الرأسمالي العالمي والتحالف مع الإمبريالية أضعف الأنظمة وخلق أزمة استقرار سياسي عميقة. إسرائيل هنا تبدو كوتد إمبريالي لا غنى عنه. هي الكيان الوحيد الذي لا يقصم ظهره الصراع الطبقي؛ الكيان الوحيد الذي توحده كراهيته للراديكالية العربية. من هنا فهو يظل أساس أي استراتيجية إمبريالية لدرء خطر الراديكالية والثورة في المنطقة ومصر.

مصر وأمريكا

في ضوء هذا يمكننا فهم معضلة العلاقة المصرية الأمريكية. زادت الليبرالية الجديدة المصرية، كسياسة تم اتباعها على مدى ربع قرن، من لهيب الصراع الطبقي. فهي وإن خلقت طبقة محدودة وهشة مرتمية في أحضان الصهيونية والإمبريالية، إلا أنها خلقت في المقابل بحرا من الفقر والكراهية لا حد له. الولايات المتحدة بين نارين. فهي إما أن تدعم نظام مكروه تميد الأرض من تحته، أو تسعى لتغييره فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن من قوى راديكالية مستعدة للانقضاض مكانه. أما النظام المصري فهو الآخر بين نارين: إما أن يرتمي في أحضان أمريكا كلية، وهو بالفعل مع يفعله، حتى تتوفر له الفرصة الوحيدة للبقاء، ولكن على حساب كراهية شعبية أكبر وأكبر؛ أو أن يعلن التمرد بين الحين والحين، فيقع تحت مقصلة الغضب الأمريكي.

على كل الأحوال، فإن الانتقال من بوش إلى أوباما لم يغير من الواقع الشيء الكثير. بوش أراد تغيير الأنظمة ومنها نظام مبارك، ولكنه تراجع لما رأى شبح الراديكالية يطل من غزة. أوباما يريد مبارك قوياً ومستمراً، لكنه سيبيعه عند أول منعطف إن توفر بديل أقوى وأكثر ضمانا.

يبقى الحل الوحيد لفك هذا التحالف سيئ السمعة مع الإمبريالية في التخلص من الطبقة التي تحكم مصر، والتي ترى مصلحتها ووجودها في التحالف مع الإمبريالية حماية لمصالحها مستقبلها.