بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا بعد السابع من سبتمبر؟

جاء نجاح مبارك في الفوز بفترة رئاسية خامسة محصلة لوقوف الرأسمالية إلى جانب نظامه خشية حدوث صراع لا يحمد عقباه ومحدودية حركة التغيير التي لم تستطع أن تخرج من إطار حركة النخبة لترتبط بالجماهير. يرى تامر وجيه ضرورة وجود تيار جذري داخل حركة التغيير يقوم بدفعها للأمام.

في يوم السابع من سبتمبر الماضي، وبعد أن ظهر أن الموقف متسبب للديكتاتور، قفزت مؤشرات البورصة إلى أعلى! كان هذا تصويتًا موازيًا من جانب مجتمع المال والأعمال لصالح مبارك. في نفس هذا اليوم نظمت حركة كفاية، لأول مرة، مظاهرة متحركة متحررة من كردونات الأمن المركزي اجتذبت حوالي خمسة آلاف شخص، وهو عدد لم يكن بأية حال قادرًا على تمثيل تحدي حقيقي للنظام الحاكم.

مثل هذا اليوم مشهد الختام للفصل الأول من معركة التغيير التي دارت رحاها على مدار عام كامل في مصر. وبين مشهد الافتتاح، في سبتمبر 2004، ومشهد ختام الفصل الأول، في سبتمبر 2005، تتابعت سلسلة من الأحداث أظهرت حدود ومصالح قوى المجتمع السياسية الرئيسية. فكانت النتيجة – لمن يتعظ – منطقية تمامًا ولا غرابة فيها.

يحتاج كل من يطمح إلى التغيير الجذري أن يقرأ مسار الأحداث على مدار عام التغيير الأول، حتى يفهم كيف انتهى الأمر – مرحليًا – إلى ما انتهى إليه، وكيف يمكن أن يصبح الفصل الجديد من المعركة، فصل ما بعد السابع من سبتمبر، مختلفًا، وكيف يمكن أن يتوج بالانتصار على الديكتاتورية وبإسقاط سلطة النهب والقمع.

كان كرسي العرش قد اهتز تحت مبارك خلال عام 2004. حدث هذا عندما تسربت الشكوك إلى أوساط الطبقة الحاكمة، وإلى إدارة بوش، حول مقدرة النظام الحاكم على الاحتفاظ باستقراره، وعلى حل الأزمات الصعبة التي تواجه الرأسمالية المصرية. الركود الاقتصادي المستمر منذ أواخر التسعينات، وبطء إجراءات مواجهة الفساد، والفشل في اتخاذ خطوات حاسمة لإنجاز الإصلاح الاقتصادي الليبرالي الجديد، ومظاهرات يومي 20 و21 مارس 2003 وما أظهرته من إمكانيات الانفجار الشعبي المفاجئ غضبًا من تدهور مستويات المعيشة، ومرض الديكتاتور، والمعارضة الشعبية ومن جانب مؤسسات عتيدة في الحكم لسيناريو التوريث، جنبًا إلى جنب مع عدم قدرة النظام على إدارة الأزمات الإقليمية بطريقة مرضية للإمبريالية وللرأسمالية المحلية – كل هذه عوامل تراكمت فأدت إلى تصاعد حالة من القلق في أوساط الطبقة الحاكمة المصرية.

حالة القلق أدت إلى انطلاق مسلسل التكهنات حول البديل. هذه كانت واحدة من علامات مرحلة الضعف التي تمر بها الطبقة الحاكمة؛ تلك المرحلة التي يبدو الحاضر فيها غير مقبول والمستقبل غير مضمون. من هنا تم افتتاح سوق البدائل، وسمعنا أقوال – لها أساسها الواقعي بالقطع – أن أيمن نور هو الحصان الأسود القادم، أو أن عمر سليمان هو الرهان الكاسب، أو أن الإخوان المسلمون أصبحوا بديلاً مقبولاً من الإدارة الأمريكية.

الأزمة وافتتاح سوق البدائل لعبا دورًا جوهريًا في دفع حركة التغيير خطوة كبرى للأمام. كانت حركة التغيير قد مرت بمرحلة طويلة من الاختمار بدأت مع مظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية في أكتوبر 2000 فقد زلزلت تلك المظاهرات حالة الموات التي عاشها الشارع المصري معظم أعوام التسعينات، ودشنت مرحلة جديدة أصبح لسياسة الشارع فيها دورًا في مجريات الأمور. فلما تصاعدت أزمة الحكم في 2004 كان الوضع بلا شك مهيئًا لتحويل حركة مناهضة الإمبريالية، التي شغلت النشطاء أعوام 2001 و2002 و2003، إلى حركة تغيير ديمقراطي قادرة على استقطاب المجتمع السياسي، وعلى مضاعفة آثار الأزمة التي تمر بها الطبقة الحاكمة.

لكن الحق يقال أن حركة التغيير الديمقراطي لم تف بوعودها التي أعلنتها في أيامها الأولى. فلم يتحقق العصيان السياسي، ولم تتهيأ الجماهير للعصيان المدني، ولم يسقط النظام. البعض من قصار النفس استنتج من هذا استنتاجات انهزامية أو يمينية. فسمعنا أقوال من نوع “هذا الشعب ليس صالحًا للتحرك”.. أو “هذا الشعب يستحق من يحكمونه”.. أو “التغيير الوحيد الممكن هو التغيير من داخل النظام”.. وغيرها من الأفكار التي تحاول تثبيط الهمم أو تصفية حركة التغيير الديمقراطي. على أن هذه الأفكار، عدا من انهزاميتها، لا تمس صلب الموضوع، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو سؤال – كالعملة – له وجهين: “لماذا تماسكت الطبقة الحاكمة – مؤقتًا – حول البديل المسمى مبارك؟ ولماذا لم تنجح حركة التغيير – حتى اليوم – أن تهز النظام وتسقطه؟” الإجابة على هذا السؤال المزدوج هي الأساس الذي يمكن عليه بلورة إستراتيجية متماسكة للتغيير الجذري تمكننا من اقتناص الفرصة السانحة اليوم لتحطيم الديكتاتورية واستبدالها بنظام خادم للجماهير.

دعونا ننظر إلى الأمر من زاوية الطبقة الحاكمة. لماذا قرر الرأسماليون المصريون وضع رهانهم على مبارك؟ لماذا لم يتحالفوا مع أيمن نور؟ وكيف تبددت شكوكهم حول صلاحية الديكتاتور العجوز للاستمرار في الحكم؟

ربما لا نأتي بجديد حينما نؤكد أن البرجوازية – طبقة رجال الأعمال وقادة الجيش والبيروقراطيين الكبار – طبقة جبانة تكره أي عملية للتغيير تتضمن حتى ولو مقدارًا بسيطًا من الاهتزاز أو التعبئة الجماهيرية. هذه الطبقة لا تسعى للتغيير السياسي العميق إلا تحت ضغط أزمة تتطلب المواجهة الحاسمة مع نظام الحكم السائد أو تستدعي القفز من مركبه الغارق. في مثل تلك الظروف تضطر أقسام من الطبقة الحاكمة، درءًا لمخاطر أكبر، أن تغامر وتحتشد وراء وجوه جديدة لديها القدرة على أن تنقذ المركب من الغرق مع المحافظة على نفس المصالح الطبقية.

من المهم تذكير أنفسنا بهذه الحقيقة حتى نفهم ما حدث خلال العام الماضي. فالثابت أن أيمن نور، وهو البديل البرجوازي الأكثر أهمية لمبارك، لم يتمكن من استقطاب التأييد السياسي من أي قسم ذو شأن من طبقة رجال الأعمال. السبب في ذلك ليس شخصيًا، أي لا يتعلق بقدرات نور الشخصية، وإنما يتعلق بحدود الليبرالية المصرية وبدرجة نضج الأزمة والصراع السياسي في البلد. صحيح أن الرأسماليين المصريين كان قد انتابهم الشك في قدرة نظام مبارك على الاحتفاظ بتماسكه. وصحيح أن نظام مبارك كان قد أصبح يمثل عبئًا من وجهة نظر طبقة رجال الأعمال. لكن صحيح أيضًا أن المعارضة المكشوفة لمبارك، والسعي لإسقاطه واستبداله بليبرالي شاب كأيمن نور، كانا سيفتحان بابًا لعواصف سياسية كبرى كان من المستحسن غلقه. تأييد نور والسعي لخلع مبارك كان معناه بدء مرحلة من التطاحن في دوائر الطبقة السياسية السائدة. فلم يكن ممكنًا تثبيت نور على حساب شبكة الفساد السياسي المسيطرة إلا بالدخول في مواجهة مع طغمة الحكم، وإلا بالانخراط في صراع يستهدف تصفية بؤر البيروقراطية القديمة وإعادة تركيب العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية.

ليس معقولاً أن نتصور أن الرأسماليين المصريين كانوا مستعدين لمواجهة هذه المخاطر إلا في حالة ما إذا اضطروا لذلك. ما الذي يدعو رجال الأعمال إلى المخاطرة بتوليد حالة من الاهتزاز السياسي ستؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وانخفاض الأرباح؟ لا شيء. فالرافعة الوحيدة التي كان بمقدورها تعبئة أقسام من الرأسماليين حول نور، رافعة الحركة الجماهيرية الواسعة المهددة للاستقرار، لم تكن متوفرة. ولأنها لم تكن متوفرة لم يكن هناك أي عنصر ضغط على الرأسمالية المصرية لتبني بديل التغيير السياسي على طريقة القطع مع نظام مبارك. ليس هذا فقط، بل إن خيار نور كان معناه صدام مع مؤسسات تمتلك أدوات القوة والقهر، نور نفسه – كليبرالي أصيل! – لم يكن مستعدًا أن يخوض معركة معها.

المجموعة الدولية لإدارة الأزمات أصدرت بعد انتخابات الرئاسة تقريرًا ذو دلالة في هذا السياق. التقرير ذكر أن حركات التغيير المصرية، بالذات كفاية، ليست حركة شعبية ولا تمثل بديلاً سياسيًا. هذا صحيح. وهو أحد العناصر الجوهرية المطلوب إضافتها إلى الصورة لفهم اختيارات طبقة الرأسماليين. فلما ظهر أن نور، وحركة التغيير، لم يتطورا إلى مرتكزات لحركة جماهيرية قادرة على تهديد النظام، كان الاستنتاج في أوساط الرأسماليين أن نظام مبارك هو الحصان الرابح، على الأقل مؤقتًا، ولو فقط لأن لا بديل ذو وزن له. ربما كان بعض الرأسماليين يفضل بشكل مجرد وجود شاب مليء بالحيوية كأيمن نور في سدة السلطة. لكن هذا البعض لم يكن مستعدًا لخوض معركة غير مأمونة العاقبة لإيصال نور إلى الموقع الذي كان يتمنى رؤيته فيه.

على جانب آخر، فإن تطورات الأزمة خلال العامين الماضيين دفعت نظام الحكم إلى إحداث تغييرات في قومه. فإن كانت الأزمة تضطر الرأسماليين إلى دخول مواجهة مباشرة تستبدل مبارك بنور، فإنها سمحت لهم بإحداث تغييرات، إيجابية من وجهة نظرهم، في توازنات القوى داخل نظام مبارك: من هيمنة الحرس القديم إلى هيمنة لجنة السياسات.

البديل المثالي من وجهة نظر رجال الأعمال كان إصلاح النظام من داخله بدون مصادمات قد لا تحمد عقباها. هذا بالضبط ما حدث – جزئيًا ومؤقتًا – خلال الفصل الأول من معركة التغيير. فالذي حدث أن الأزمة خلال عام 2004، وما قبلها، رفعت أسهم تيار لجنة السياسات/ جمال مبارك، داخل النخبة الحاكمة. فالإصلاحات التي تمت خلال تلك الفترة كان عنوانها السير قدمًا على طريق تصفية الحرس القديم وإعطاء السلطة لتحالف جناح جمال مبارك/ الرأسماليين الاحتكاريين. بالقطع لا يمكننا وصف ما حدث بالتطور الديمقراطي، هذا إذا ما فهمنا الديمقراطية على أنها حكم الشعب لنفسه بنفسه. فإعادة هيكلة جهاز السلطة لصالح جماعة البيزنيس لم يكن هدفه الديمقراطية، وإنما كان هدفه طمأنة رجال الأعمال والإمبريالية الأمريكية على مصالحهما، وإعطاء الرأسمالية الجديدة وزنها المستحق في تركيبة السلطة.

إذن فهناك تغيير حدث بالفعل في نظام الحكم في مصر خلال العامين المنصرمين. قبل أعوام قليلة كان مبارك يحكم مصر. اليوم من يحكم مصر هو – تقريبًا – لجنة السياسات. قبل إعادة ترتيب الأوراق التي تمت في أروقة السلطة مؤخرًا، كان مبارك، ذلك الديكتاتور مطلق السلطات، يلعب دور الحكم بين ثلاث قوى رئيسية هي: الرأسماليون الاحتكاريون، الحرس والبيروقراطية السياسية القديمة، والجيش. قوة مبارك كانت تستمد من كونه الشخص الذي يمثل نقطة الاتزان المثلي، والممكنة، بين القوى الثلاث. اليوم تغيرت الأوضاع. مبارك هو مبارك. ولكنه لم يعد يمثل نفس القوى التي كان يمثلها قبل ثلاثة أعوام. مبارك لم يعد رمانة الميزان بين القوى الثلاثة التي ذكرناها لتونا، وإنما أصبح واجهة شكلية لسلطة فعلية جسمت لصالح لجنة لاسياسات، مع مساحة مهمة متروكة لجنرالات الجيش مداها هو سياسات الأمن القومي والشئون الخارجية، خاصة الإقليمية.

إذن، ففي السابع من سبتمبر الماضي لم يفز مبارك، بل فازت لجنة السياسات. فماذا كان معنى فوزها؟ هل هو انتصار نهائي؟ هل هو هزيمة لحركة التغيير؟ أم أن المعركة لازالت مستمرة؟

نبدأ الإجابة بالتأكيد على أن الوضع الناتج عن تعديل المادة 76 وفوز مبارك في انتخابات السابع من سبتمبر هو، بالتعريف، وضع انتقالي. أول الأسباب لذلك بيولوجي محض: مبارك شيخ عجوز شارف على الثمانين! صحيح أنه أصبح اليوم، إلى حد كبير، حاكمًا صوريًا. ولكن نهاية عهده ستعني صراعًا جديدًا، ولو محدودًا، على توزيع الأدوار. فمثلاً، إن كانت مؤسسة الجيش راضية اليوم بالتسوية التي أفرزها السابع من سبتمبر، فليس ضروريًا أبدًا أن يظل هذا هو الوضع بعد نهاية عهد الديكتاتور.

على أن العامل الأهم الذي يكشف وضعية عدم الاستقرار في التوازن الراهن هو أن عمل لجنة السياسات لتثبيت سلطتها لم ينته بعد. تحتاج لجنة السياسات، وهي تكوين معلق في فراغ يعمل من خلال مؤسسات للدولة تسيطر على معظمها وجوه الحرس القديم، إلى إزاحة كل، أو معظم، عناصر الحرس القديم، وتحتاج، وهذا هو الأهم، إلى خلق مؤسسات جديدة وولاءات جديدة تربط جناح الحكم الجديد بالبيروقراطية والمؤسسة العسكرية ومؤسسة الشرطة ومؤسسات الهيمنة الأيديولوجية، أي بمؤسسات القهر والهيمنة في المجتمع. هذا عمل شاق. أنور السادات، على سبيل المثال، احتاج في معركته مع ما سمي بمراكز القوى في أوائل السبعينات إلى تصفية الاتحاد الاشتراكي، والإطاحة برموز السلطة القديمة، وذلك حتى يتسنى له الإمساك بمقاليد السلطة. لجنة السياسات تحتاج إلى شيء من هذا القبيل. وبهذا المعنى، وكوجه آخر لعملية هدم المؤسسات وإقصاء الرموز، فهي تحتاج إلى إحياء مؤسسات كانت تقريبًا قد ماتت في ظل الليل الطويل لديكتاتورية مبارك؛ مؤسسات كالبرلمان، والحزب، والنقابة.

لجنة السياسات بالقطع لا تحتاج هذه المؤسسات لأنها تعشق الديمقراطية. لجنة السياسات تحتاج إليها حتى تتمكن من تصفية مراكز القوى القديمة، وحتى تعيد للمجتمع الرأسمالي حيوية يحتاجها ليحل أزماته ويستقر. نجيب محفوظ، الأديب العظيم والسياسي المهادن للسلطة على الدوام، يعي هذه الحقيقة تمامًا. فقد أشار في عاموده الحواري الأسبوعي في جريدة الأهرام مؤخرًا أن السلطة والمجتمع يحتاجان إلى معارضة قوية لأن هذا صمام أمان ضروري، وإلا انفلت العيار وأصبح بديل الراهن هو الفوضى (غالبًا هو يقصد الثورة على الأوضاع الظالمة!).

إذن فلجنة السياسات ستحتاج إلى أن تهز عش الدبابير، ولو حتى جزئيًا. فإذا أدركنا أنها ستفعل هذا بشكل متواز مع هجوم ضار على الطبقات الكادحة، فسوف نصل إلى الاستنتاج أن هذه تركيبة عدم استقرار بامتياز. فالتحول إلى الديمقراطية على النمط الأوكراني له ثمن. لا يمكن لطبقة حاكمة أن تتوقع أن يكون تحولها إلى نمط من أنماط تداول السلطة مسألة مؤدية إلى الاستقرار، بينما هي تجري هذا التحول في ظل أزمة اقتصادية تفرض عليها أن تسحب من مكتسبات الجماهير العاملة.

إذن يمكننا أن نتوقع بدرجة كبيرة من الثقة أن صندوق الشرور سينفجر في وجه السلطة الجديدة في القريب العاجل. فها هم شباب هارفارد المنتشين، بغباء، بانتصارهم المؤقت، والمتحمسين لتطبيق آخر مستحدثات النصب الليبرالية الجديدة، والذين تمرسوا في البنوك العالمية والبورصات الكبرى، ولكنهم لم يروا فقيرًا أبدًا، ولم يتعلموا أيًا من مناورات السياسة، بينما كل ما يفهموه هو منحنيات العرض والطلب التي تؤكد أن مصلحة الشعب تتطابق مع مصلحة الرأسماليين الاحتكاريين.. تخيل هؤلاء الشباب وهم يأخذون قراراتهم، ثم تخيلهم وهم ينصهرون في بوتقة واحدة مع عصابة الرأسماليين الاحتكاريين، ماذا سيكون الناتج في رأيك؟ كارثة، ألا تعتقد ذلك؟

إذن، فالتوازن الذي أنتجه السابع من سبتمبر غير مستقر. عملية “الإصلاح” التي دشنتها الأزمة السياسية/ الاقتصادية للطبقة الحاكمة وللمجتمع بأسره لم تنته في اليوم السابع من الشهر التاسع من عام 2005. فستستمر تفاعلات عملية تغيير التوازنات في دوائر الحكم في المرحلة المقبلة. بل يمكننا توقع أن تفاعلات الشهور القادمة ستكون أكثر انفجارية. لجنة السياسات ستنطلق في تطبيق خطة جهنمية للإفقار، وفي نفس الوقت ستسعى إلى إعادة تركيب مؤسسات الحكم والسياسة بطريقة تعزز من عدم الاستقرار وتفتح مساحات لنمو المعارضة.

لكن أكثر الأزمات عمقًا لا تؤدي من تلقاء ذاتها إلى انفجار ثورة. لا بد من نضال واع وحركة كفاحية منظمة. وهذا ما يدعونا إلى النظر إلى حركة التغيير. أنظر إلى تفاعلات عملية التغيير من أعلى التي تحدثنا عنها لتونا. ما العنصر الغائب؟ لعلك تلاحظ أنه الحركة الجماهيرية. السؤال الهام الذي يطرح نفسه، بعد أن ظهر لنا أن المرحلة القادمة مليئة بالفرص التي تطرحها صراعات وأزمات الرأسمالية المصرية، هو ما موقع الحركة الجماهيرية الواسعة من سلسلة التفاعلات المرتقبة؟

في المرحلة السابقة لم يكن للحركة الجماهيرية مكان يذكر. الحركة الجماهيرية كانت هدفًا للبعض وكانت شبحًا يؤرق البعض الآخر. لكنها لم تكن موجودة كفاعل حي. لا يمكننا إلقاء كل اللوم في هذا على حركة التغيير. فكما أن الحزب الثوري لا يصنع الثورة، فإن حركة التغيير الديمقراطي لا تصنع الحركة الجماهيرية. الظروف الموضوعية تلعب دورًا مركزيًا في دفع الحركة الجماهيرية أو تثبيطها.

لكن، كما يقول الاشتراكي الثوري الروسي ليون تروتسكي، “الحركات والأحزاب السياسية مهمتها أن تعطي التاريخ (أي الظروف الموضوعية) دفعة صغيرة”. فهل أعطت حركة التغيير ظروفنا الموضوعية تلك الدفعة الصغيرة التي كانت تحتاجها؟ ربما نتفق مع من يقول أن حركة التغيير لم يكن بمقدورها إنضاج ظرف العصيان المدني في المرحلة التي سبقت السابع من سبتمبر. ولكننا سنختلف مع من يقول أن حركة التغيير لم تكن لديها فرصة أن تبني حركة أكثر ارتباطًا بالجماهير. فبالنظر إلى كفاية على سبيل المثال، يمكننا أن نؤكد أنها كان لديها إمكانية للاتساع ولغرس جذور في الأوساط الجماهيرية. كفاية، نعني قيادات كفاية، اختارت ألا تفعل ذلك. قيادات كفاية اختارت ألا تذهب إلى أهالي العريش لتبني جسرًا بين مطالبها وبين معاناتهم اليومية من الديكتاتورية البغضية. قيادات كفاية اختارت ألا تندفع لبناء جسر من الثقة مع الجماهير الشعبية، وركزت بدلاً عن ذلك على إستراتيجية المظاهرات الرمزية في وسط البلد، تلك المظاهرات المصممة لجذب عناصر “محترمة” من الطبقة الوسطى، ولكن غير القادرة على تحويل حركة النخبة إلى حركة شعبية.

ماذا نتعلم من هذا؟ ما الدرس الذي يمكن أن نحمله معنا إلى المستقبل؟ الدرس هو أن حركة التغيير ليست كلاً متجانسًا. حركة التغيير تضم الليبرالي والإصلاحي والديمقراطي الجذري والثوري. كل واحد من هؤلاء يدفع الحركة في اتجاه. ففي حين نجد البعض يفرح ببوادر اتساع النضال، نجد البعض الآخر يصيبه الرعب من هذا الاتساع. وفي حين نجد البعض يسعى لديمقراطية تحمي الرأسمالية من أزماتها، نجد البعض الآخر يناضل من أجل ديمقراطية تفتح الطريق للقضاء على الاستغلال الرأسمالي.

إذا كنا نرى أن المرحلة القادمة تحمل وعودًا لا تخطؤها العين بالتغيير، وإذا كنا نرى أن الحلقة المفتقدة لتحويل الوعود إلى حقائق هي الحركة الجماهيرية الواسعة، وإذا كنا نرى أن الحركة الجماهيرية، حين اندلاعها، ستتطلب قيادة تسعى إلى تجذيرها، إذا كنا نرى كل ذلك، فلن نختلف أننا نحتاج إلى توضيح الحدود بين المعسكرات في حركة التغيير، بنفس المقدار الذي نحتاج به إلى وحدة الحركة.

نعم نحن نحتاج إلى حركة موحدة ضد العد المشترك، ضد الدولة الديكتاتورية. لكن أيضًا نحن نحتاج إلى بلورة تيار جذري متماسك داخل الحركة الموحدة؛ تيار مناضل يبادر بغرس الحركة في الأوساط الجماهيرية، وبربط مطالبها الديمقراطية بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية؛ تيار يكون عنوانه خلق جسر بين معركة الحرية ومعركة الخبز، ويكون هدفه دفع الحركة في مجملها، مع نضج الظروف، في اتجاه أكثر جذرية.

لو قرأنا خبرة الفصل الأول من معركة التغيير، سنستنتج أن الحركة فشلت – يا للعجب – في تحقيق وحدتها بنفس مقدار فشلها في بلورة استقلالية تياراتها (!)، وفشلت، وهذا هو الأهم، في الارتباط بالجماهير. هذا الفشل سببه السيطرة التامة للتيارات الليبرالية والوسطية على الحركة. امتحان السابع من سبتمبر أوضح لنا حدود القيادات الليبرالية والوسطية. المطلوب اليوم هو خلق تيار جذري داخل الحركة هدفه دفعها للأمام ومواجهة تردد الوسطيين ونخبوية الليبراليين.

وعود المستقبل تحتاج إلى نضالنا حتى تتحقق. فهل سنستجيب؟