بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

محمد مرسي.. سكت دهراً ونطق كفراً

ما يزيد عن الأربعة أشهر من حكم مرسي وما يزيد عن عقد من زمان ما قبل ثورة 25 يناير المجيدة والحقوقيون وكل من عجز أو استشهد له قريب أو صديق في سلخانات أمن الدولة يصرخون بضرورة إقالة النائب العام.. ويضعون عشرات علامات الاستفهام حول مصداقيته وولائه الذي كان دائما وأبدا لمن عينه في منصبه.. ويقولون في كل مناسبة ويؤكدون على تواطؤ النيابة مع وزارة الداخلية في حماية المتسببين في قمع المواطنين، خاصة هؤلاء الذين لا يملكون واسطة هامة في عنكبوت الدولة البيروقراطي..

عشرات المرات ذهبنا إلى ذلك المكتب بمبنى دار القضاء العالي، وكان الأولى بمقره أن ينتقل إلى وزارة الداخلية.. نصطحب ضحايا التعذيب وأسرهم وأسر المختفين قسريا.. محملين بالشهود والدلائل والصور والفيديوهات وجسد الضحايا يصرخ بما تعرض له من انتهاك.. لنتلقى في نهاية الأمر وفي أغلب الأحوال – باستثناء حالات تكاد تحصى على أصابع اليد الواحدة – قراره بغلق الملف لعدم كفاية الأدلة.. قرار لا استئناف له إلا مع ظهور هذا الشيء السحري المسمى بالأدلة الجديدة..

عشرات الشباب يعتقلون ويلقى بهم في السجون ويقدمون للمحاكمات الاستثنائية والمحاكم العسكرية لمجرد الاشتباه، يمضون ليال بشعة في السجون إلى أن تقرر العدالة العمياء في أمره.. لكن الأمر مختلف في مكتب النائب العام.. فإذا كان المشتبه به موظفا عموميا في الدولة، إذا كان المتهم ضابطا، هنا فقط تطبق القاعدة القانونية بأن المتهم بريء حتى ثبتت إدانته.. والإدانة من عدمها تتطلب المثول أمام العدالة، والعدالة ليست في مكتب النائب العام، بل في المحاكم، إن وجدت.. لكن النائب العام لا يثق في المحاكم، فقد يكون بين القضاة من يرفض التعذيب، ومن ينفر من جبروت الداخلية، ومن يستقر وجدانه على أن التعذيب بات سياسة منهجية تمارس ضد المواطنين وخاصة الفقراء منهم بواسطة جهازي داخلية وأمن دولة أصبحا يعتقدان ويؤمنان إيمانا عميقا بأنهما فوق القانون وفوق الدولة وفوق المحاسبة مقابل ان يضمنا أمن النظام وأمانه.. وخوفا من هؤلاء القضاة الذين قد يحكموا لصالح ضحايا التعذيب والاختطاف والاعتقال العشوائي وقف النائب العام سدا منيعا للحماية.. فلا تستطيع دعوى جنائية ضد ضابط، في أي جهاز وبأي رتبة، أن تصل إلى المحكمة مباشرة دون إذنه وكأنه صاحب القرار فيمن يستحق المثول أمام العدالة من عدمه..والباب إلى العدالة دائما موصد بقرار “عدم كفاية الأدلة”!

أربعة شهور ونحن نستصرخ محمد مرسي بضرورة فتح التحقيقات في قضايا التعذيب والقتل التي شهدت مهرجانا مستمرا للبراءة بحجة تقاعس النيابة.. وخلال المائة يوم الأولى من حكمه سجلنا له ضمن آخرين جرائم التعذيب والقتل خارج القانون التي حدثت أثناء ما يحلو له أن يسميها “ولايته” وما من مجيب.. وعد الشعب من ضمن ما وعد أنه “أمر” الداخلية بالرد على تلك التقارير في خلال 15 يوما.. ومرت خمسة عشر يوما تلو الأخرى والتعذيب مستمر والقتل مستمر ولم نتلق ردا حتى الآن لا من مرسي ولا من الداخلية ولا من النائب العام…. ثم فجأة انتفض مرسي ليزف إلينا خبر إقالة النائب العام، وتعيين آخر بدلا منه!!

لسنوات كان عزل النائب العام مطلبا شعبيا وحقوقيا.. أعلنه مرسي بعد أربعة شهور من انتخابه رئيسا، وجاء الإعلان مزينا بقرار إعادة محاكمات قتلة الثوار.. فبدا وكأن الفرج قد جاء وأن مرسي أخيرا فطن إلى ما كان يجب ان يعلن عنه يوم أول يوليو، في اليوم التالي لقسمه بأن يوفي عهده للثورة والثوار..وكان يمكن أن نتغاضى عن سبب تأخره،  لو لم يصدر في إطار ما أسماه، في غمرة نشوته بسلطاته المطلقة، إعلانا دستوريا  يحصن به نفسه وقراراته وقوانينه إضافة إلى مجلس الشورى، في حال جاءت الرياح بما لا تشتهي الأنفس وعجز حزبه عن تحقيق الأغلبية في الانتخابات البرلمانية القادمة.. “أنا أو الفوضى” ذلك هو مضمون قرار مرسي مستلهما سياسات سفه المخلوع دون أن يتعلم درسه!!! ولم يكن ذلك كافيا فلم يمر على القرار ساعات حتى نطق المتحدث باسم الرئاسة موضحا لمن ظنوا أن العدالة أصبحت قريبة انه لا إعادة محاكمات  بدون ظهور أدلة جديدة، والأرجح أن السيد مرسي بعد أن تصور أن بإمكانه إزاحة القضاء من طريقه بدون مقاومة قد تلقى رسالة شديدة اللهجة من وزارة الداخلية وامن الدولة ومن المجلس العسكري بأن “ألزم حدودك فنحن فوق المسائلة”!!

لم تفلح خدعة السم في العسل التي تصور مرسي أنها سوف تحيطه بالمؤيدين الهاتفين له بطول البقاء والحكم.. فلا فلح في القصاص، ولا البدء، مجرد البدء في إجراءات تشير إلى نيته في تحقيق العدالة الاجتماعية رغم كل ما بذله من جهد لتمهيد الطريق أمام المستثمرين من كافة الجنسيات، وحين أراد أن يكون ديمقراطيا على قرر أن يستبدل نفسه بكل المؤسسات التي طالما انتقدناها وطالما تغنى بها قبل أن يستقر، أو يشبه له أنه استقر، على الكرسي.. ولا عجب أن نائبا عاما جديدا يأتي في هذه الظروف، بقرار من حاكم ديكتاتور، لم يجرؤ حتى الآن على أي تصريح ذي معنى سوى استعارة تصريحات سلفه “نحتاج إلى أدلة جديدة”.

قضايا التعذيب في انتظار.. فهي لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن.. سواء تلك التي اقترفها رجال مبارك في ثلاثين عاما أو المجلس العسكري في بضعة شهور أو الرئيس “المنتخب” فيما لا يتجاوز أربعة شهور.. وطالما أصحاب الحق قادرين ومصممين على الانتظار.. فسوف ننتظر معهم. وإن غدا ناظره لقريب.