بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

محنة الإخوان المسلمين

يتعرض “الإخوان المسلمون” تنظيما وتيارا لمحنة طاحنة هذه الأيام. وقد يتصور البعض أن محنة الإخوان تقتصر على الملاحقة الأمنية والاعتقالات المتكررة لقياداتهم. لكن الحقيقة تنبئ بأن محنة “الجماعة” أكبر من ذلك بكثير، لأنها ذات جوانب متعددة، لعل أهمها هو عدم قدرة “الإخوان المسلمين” على تطوير خطابهم السياسي والفكري تجاه المجتمع، وفي نفس الوقت عدم قدرة الفضاء السياسي المصري على التعامل مع “الجماعة”.

لا نستطيع أن نغفل أيضا أن “محنة الجماعة” وما تمثله من الجزء الأغلب من تيار الإسلام السياسي في مصر، هي أزمة مجتمع بأسره ما زالت تياراته السياسية والفكرية الأساسية تعتنق مبادئ نفي الآخر وإنكار وجوده. الأنكى من ذلك أن أي مشروع نهضوي لمصر لم يعد قابلا للتحقيق بجهود تيار بمفرده، بل إنه يتطلب تضافر وتوافق وطني على ملامحه.

بادئ ذي بدء، لابد من الإقرار بوجود أربعة تيارات أساسية تاريخية وأصيلة في الواقع السياسي والثقافي المصري.. إنها التيارات الليبرالية والإسلامية والاشتراكية والقومية. كل تلك التيارات لها الحق في الوجود التنظيمي المستقل والعلني، والحق في الشرعية السياسية المبني على شرعية الوجود. لذا فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون لتيار الإسلام السياسي أحزابه العلنية، طالما أنه يرتضي “الدولة المدنية” و”الحق في التعددية” و”الديمقراطية” ثوابتا لمسيرة المجتمع المصري السياسية.

تردد الإخوان

ولعل محنة الإخوان المسلمين في جانب منها تتعلق بعدم قدرة هذا التيار وقياداته على حسم خياراته بقبول تلك الثوابت والمبادئ. يتحدث بعض القيادات عن “الدولة المدنية”، بينما يتحدث النافذون في الجماعة عن “الخلافة الإسلامية”! تبدو الأزمة واضحة للعيان. فالعالم يشهد مرحلة الدولة الوطنية القائمة على مبدأ “المواطنة” وليست القائمة على أساس دين أو عرق. لكن الجماعة مازالت تلهث وراء طور من أطوار الوجود السياسي الذي عفا عليه الزمن.

ويبدو أن مسألة قبول تيارات الإسلام السياسي بالدولة القومية هي مسألة حاكمة في قدرتها على إنجاز مشروع مستند على طبيعتها الثقافية. استطاع الإسلام السياسي أن يصل إلى سدة الحكم في تركيا وإيران بعد أن أدرك طبيعة العصر وأقر بواقع الدولة الوطنية، بينما ما زال الإخوان المسلمون أسرى لمقولات خيالية. ينبري أحد قياداتهم ليؤكد قبول أن يحكم مصر أحد أبناء “ماليزيا” ولا يحكمها قبطي! أين إذن القبول بالمواطنة والدولة الوطنية؟!

قد يقول قائل أن هناك جناح في الجماعة يقودها على طريق التطور نحو القبول بالدولة الوطنية وفكرة “المواطنة”، وقد يكون وجود البعض من الرموز كأبي الفتوح وغيره هو حقيقة لا مراء فيها. لكن الحوادث التي جرت وتجري تثبت لنا أن الجماعة كلما تقدمت إلى الأمام خطوة، تراجعت خطوتين إلى الخلف.

تفسير ذلك يقع على عاتق أحد احتمالين لا ثالث لهما. أولهما أن “أبو الفتوح” وغيره من رموز الجماعة من المستنيرين يقومون بدور تجميلي لا أكثر أمام المجتمع المدني وأطياف الحركة السياسية.. أي أنهم مفروزون خصيصا للعلاقات العامة مع الآخرين! والاحتمال الثاني، وهو الأقرب إلى التصديق، أن قيادة الجماعة قد تطورت بالفعل في بعض رؤاها السياسية، ولكنها غير قادرة على مواجهة الكوادر الوسيطة والقواعد بهذا التطور. لماذا؟

لأن مفاهيم راسخة تمت تربية أعضاء الجماعة عليها منذ أكثر من ثمانين عاما ليس من السهولة تغييرها، ولأن القيادة تخشى أن تفقد سيطرتها على كوادرها الوسيطة والقواعد. كما أن الشعارات العامة مثل “الإسلام هو الحل” و”الخلافة الإسلامية”، مع الخطاب الغوغائي والديماجوجي، هما الكفيلان بالحفاظ على وحدة الجماعة. فظهور أي برنامج سياسي مدني يحمل في تفاصيله شيطان الاختلاف والتفرّق. ولعل “برجماتية” الجماعة، التي قد يصفها البعض بالانتهازية، هي السبب في أنها تنظر إلى تكوين حزب سياسي بعين التمني، وترفض في نفس الوقت إلا أن تكون الجماعة تنظيما جامعا سياسيا دينيا ثقافيا ورياضيا! لعل ذلك هو السبب الأقوى في بقاء الجماعة متحجرة في مواقفها المعادية للتعددية السياسية والديمقراطية وللدولة المدنية حتى الآن.

“سياسة الفتاوى”

تبدو “محنة الإخوان” في أجلى مظاهرها عندما تصر الجماعة على الحفاظ على منصب “مفتي الجماعة” الذي يقوم به الشيخ محمد عبد الله الخطيب! لا يمكن تصور حزب سياسي أو جماعة سياسية تقوم مواقفها السياسية على أساس “الفتوى” وثنائية “الحلال-الحرام”.

ورغم أن الجماعة خلال تاريخها الطويل قد دخلت في تحالفات لم تعرف حلالا أو حراما مع ابن سعود ثم الملك فؤاد ثم إسماعيل صدقي حتى أنور السادات، إلا أنها تصر على أن تمتلك وتحتكر حقا إلهيا في التعامل مع الفرقاء السياسيين ومع مسائل تنطلق من المصلحة العامة للوطن.

تتحدث الجماعة عن المواطنة ثم تنتفض في لحظة واحدة لتهدم كل أسس المواطنة عندما تتحدث عن “أهل الذمة” وعن مضاعفة الضرائب على المسيحيين عوضا عن “الجزية”. أما موقفها من إسرائيل، فلم تستطع الجماعة أن تتجاوز حالة العداء الديني إلى فهم جوهر إسرائيل كمشروع استعماري استيطاني، نتناقض معه ونعاديه من منطلق وطني وإنساني. مازالت الجماعة في مواقعها القديمة رغم بعض القشور الزاهية في خطاب بعض قياداتها.

دور القيادات الأخرى

هذه المحنة يتحمل وزر جزء منها القوى السياسية الأخرى، بما فيها اليسار. لا تأخذ القوى السياسية من الإخوان موقفا جدليا صحيحا. يعاديها البعض دون هوادة وبتشنج يذكرك بجماعات التكفير والهجرة، بينما يدافع عنها البعض الآخر ويمشي في ركابها متخذا موقفا ذيليا.. يمتدح ما يعجبه من مواقفها ويتجاهل انتقاد المواقف الأخرى.. يتحالف معها دون يضع خطوطا فاصلة لاختلافه معها.

بين البعض الأول والبعض الأخير يضيع الموقف الصحيح والواقعي. إنه موقف “الوحدة والصراع”، أي العمل على اندماج الجماعة في الإطار السياسي وفي نفس الوقت دفعها إلى أخذ مواقف ضرورية تسهّل من هذا الاندماج. دون خوض صراع فكري وسياسي مع الجماعة في نفس الوقت مع الاندفاع في المطالبة بالتغيير في مصر، لن نستطيع أن نحدث تحولا جوهريا في الواقع السياسي المصري.

لا نستطيع إنكار أن الجماعة بوضعها الحالي هي القوة السياسية المجتمعية الأولى في مصر، لكننا في نفس الوقت لا نقر بقدرتها على إنجاز أي مشروع للتغيير إلى الأفضل في ظل غياب مشروع مدني سياسي لها. ليس صحيحا أن الأقوى هو الأقدر دائما على توجيه مسار الصراع، لأن القوة دون وجود رؤية صحيحة تمثل أزمة ومحنة تعيشها الجماعة اليوم. إذا أردنا أن تصبح قوة ونفوذ الإخوان المسلمين في صالح الوطن والمجتمع، فإننا يجب أن نشتبك معها في صراع سياسي وفكري، دون السقوط في فخ العداء والهياج الذي يخدم سلطة مستبدة غاشمة.

ندافع عن حق الجماعة في الوجود السياسي العلني الحزبي، وندافع عن حقوق أعضائها ومناصريها في الحياة خارج أسوار المعتقلات والسجون كمواطنين وكبشر لهم كافة الحقوق المشروعة الإنسانية، وفي نفس الوقت نطالب الجماعة ومناصريها بالتقدم نحو رؤية إنسانية وسياسية متطورة تجاه مجتمعنا. تلك هي المعادلة القادرة على إنقاذ الجماعة من محنتها، التي هي بالفعل “محنة وطن” قبل أن تكون “محنة جماعة”.