بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مهزلة الانتخابات المحلية

سوف تجري في 8 أبريل القادم انتخابات المجالس المحلية في مصر، أو بمعنى أدق سيتم في هذا التاريخ استكمال المهزلة التي بدأت مع فتح باب الترشيح لتلك الانتخابات يوم 4 مارس، وذلك بإقرار القوائم التي تم إعدادها سلفا في مكاتب أمن الدولة، والتي فازت بالفعل في الغالبية العظمى من المجالس بالتزكية. حيث لم يكن هناك مرشحون غيرها، بعد أن تم منع الجميع من تقديم أوراق ترشيحهم، سواء المستقلين، أو أحزاب المعارضة الرسمية، أو الإخوان المسلمين، بل وحتى من أعضاء الحزب الوطني غير المرضي عنهم من قبل مسئولي المحافظات.

لقد قرر النظام المصري في سابقة قد تبدو واحدة من الأعاجيب ألا يكتفي بتزوير الانتخابات، وإنما أن يريح نفسه من عناء العملية الانتخابية أصلا، بما يصاحبها من دعاية سياسية جماهيرية. قرر النظام أن يعلن لجميع معارضيه أن كل ما حاولوا انتزاعه، أو ما توهموا أنهم حصلوا عليه مع اندلاع حركة التغيير عام 2005، من حقوق تتعلق بحرية التعبير والرأي قد انتهى إلى غير رجعة.

فالكل يعلم مسبقا أن الانتخابات ستنتهي حتما بفوز قوائم أمن الدولة بعد ما جرى من تعديلات دستورية، وبعد القضاء على أي فرصة لإجراء المعارك الانتخابية خارج الهيمنة المطلقة للداخلية. الكل يعلم كذلك أن كل ما صاحب حركة التغيير من أوهام حول إمكانية إسقاط النظام عبر العصيان السياسي قد ذهبت أدراج الرياح. إلا أن البعض ظل يراهن على مساحات التعبير التي تم انتزاعها، لكن النظام لم يتوان في إفشال ذلك الرهان وتصفية تلك المساحات، عبر مسلسل حبس الصحفيين، ثم بإصدار الوثيقة الخاصة بالبث الفضائي التي تقيد فرص التعبير داخل المحطات الفضائية، وأخيرا بإنهائه لفرص معارضيه في الدعاية الجماهيرية على نطاق واسع نسبيا خلال المعارك الانتخابية، حتى ولو كانوا موقنين من تزوير نتائجها مسبقا.

يتجاوز عدد مقاعد المجالس المحلية في مصر رقم الخمسين ألف في جميع المستويات المحلية وعلى امتداد مجمل المحافظات. وكان القانون القديم للإدارة المحلية ينص على حق تلك المجالس في توجيه الأسئلة والاستجوابات للمحافظين ومختلف المسئولين الحكوميين التنفيذيين في المواقع المحلية. إلا أن هذا القانون تم تعديله وتم انتزاع هذا الحق، وتحولت تلك المجالس بالتالي إلى مجرد ديكور لاستكمال المظاهر الشكلية للديمقراطية، لا تملك أي سلطة رقابية على السلطات التنفيذية المحلية.

رغم ذلك تبقى للمجالس المحلية أهمية نسبية بسبب ارتباطها بالإدارات المحلية وما يستتبعه ذلك من أدوار مؤثرة في شبكة الفساد واسعة النطاق التي تهيمن على المحليات. فالإدارات المحلية تلعب أدوارا شديدة التأثير على الحياة اليومية لجماهير المصريين، بما تملكه من صلاحيات عديدة تخص تراخيص البناء والرقابة الصحية وتوزيع السلع والخدمات وغير ذلك من الأمور. وهي لهذا السبب تشكل مستنقع رئيسي للفساد في مصر. ولأن المجالس المحلية تسمح بفرص ارتباط وثيقة الصلة بهذا المستنقع، لذا يتكالب عليها أصحاب المصالح المحلية، وهذا ما يفسر الصراعات المستعرة داخل الحزب الوطني على فرص الترشيح فيها.

الصراع داخل الحزب الوطني على المحليات هو استكمال لعملية إعادة الهيكلة التي تقوم بها القوى الجديدة داخل الحزب، أي جمال مبارك ومعه حفنة الليبراليين الجدد وأصحاب المصالح الرأسمالية الاحتكارية المرتبطون به داخل لجنة السياسات، ويأتي أحمد عز بالطبع على رأس هؤلاء. إعادة الهيكلة تستدعي إعادة فرز لأصحاب المصالح في المحليات، وإعادة توجيه الدفة وسط مراكز الثقل والنفوذ، وبما يؤدي إلى تكوين قاعدة سياسية جديدة للجناح الجديد، من نفس طبقة أصحاب المصالح بلا شك، لكنها تقوم على شبكة جديدة تربط ما بين الاحتكارات الرأسمالية الصاعدة ومستنقع الفساد في المحليات.

إلا أن عملية إعادة الفرز وتكوين قاعدة جديدة التي جرت هذه المرة حدثت بطريقة تستحق أن توثق في كتب العجائب. لقد نجح نظام مبارك في تحقيق سبق في الاستبداد لم تعرفه قبله أي ديكتاتورية في تاريخ مصر والعالم. إذ لم يقتصر هذا الاستبداد فقط على معارضيه، وإنما تجاوزهم إلى أبناء حزبه وسدنة حكمه. فكان على كل من يرغب في ترشيح نفسه أن يحصل على شهادة من أمن الدولة، وهذه ليست مجرد مخالفة للقانون، وإنما هي تجاوز مضحك من نوعية الضحك الذي يشبه البكاء، وبالطبع لا تمنح أمن الدولة الشهادة، وبالتالي لا يتمكن الراغب في تقديم أوراقه من ترشيح نفسه، وبالطبع أيضا على من يعترض أن يذهب ليشرب من البحر!

أما قوائم مرشحي الحزب الوطني فبقيت سرية حتى الدقائق الأخيرة قبل إغلاق باب الترشيح، ليفاجأ بها الجميع ولا يتمكن من لم يجد اسمه بها من ترشيح نفسه مستقلا! وهكذا ظلت الغالبية الساحقة من قوائم المرشحين خالية لمدة عشرة أيام من 4 إلى 14 مارس وحتى الدقائق الأخيرة قبل غلق الباب، لتفوز في النهاية معظم القوائم المقدمة من الحزب الوطني بالتزكية، ودون حاجة إلى عناء المعركة الانتخابية.

لم يخل الأمر بالطبع من مظاهرات واعتصامات شارك فيها الآلاف وعشرات الآلاف في مواقع عدة، وترددت خلالها الهتافات الحادة، وأسفر بعضها عن اقتحام للمقرات الانتخابية. كما لم يخل الأمر من اعتقالات واسعة النطاق للمئات من كوادر وقياديي الإخوان المسلمين أصحاب أوسع قاعدة انتخابية. ولم يخل الأمر كذلك من التواطؤ والصفقات التي تجري بعيدا عن الصخب الإعلامي. فلقد أدارت الداخلية اللعبة بنفس القواعد القديمة، أي منح المعارضة تمثيل شكلي داخل المجالس “المنتخبة” لا يسمن ولا يغني من جوع، لكنه يسمح للداخلية بفرض وصايتها وعقد صفقات مرضية.

وقد حصل على المنحة كل من حزبي التجمع والوفد (وكذلك الجبهة الديمقراطية) في الحدود المطلوبة، منعا لأي تجاوز مستقبلي! ونال الإخوان المسلمون أيضا نصيبهم من المنحة. فبعض مرشحيهم تم تمريرهم ـ كما كشفت عن ذلك القوائم النهائية ـ مع الاحتياط بالطبع بمنعهم من الحصول على عدد من المقاعد يؤهلهم لتقديم مرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالتعديلات الدستورية الأخيرة تشترط فيمن يرغب في ترشيح نفسه مستقلا في انتخابات الرئاسة أن يحصل على تزكية من 10% على الأقل من أعضاء المجالس المحلية للمحافظات.

ورغم العصف الذي يتعرض له الإخوان طوال العامين الماضيين بالاعتقالات الواسعة والمحاكم العسكرية، ورغم تصاعد الحملة عليهم بشكل يومي منذ الإعلان عن بدء الانتخابات المحلية، ورغم اعتقال العشرات والمئات من قياديهم وكوادرهم يوميا، رغم كل ذلك لازال الإخوان يواصلون نهجهم التهادني، ولازالوا يعطون الخد الأيسر لتلقي الصفعة تلو الأخرى، ولازالوا غير راغبين في الصدام، ليثبتوا مجددا أنهم يخشون من جماهيرهم حين تصير في الشارع أكثر من خشيتهم من النظام. كذلك لازال الإخوان أيضا يعقدون الصفقات ليحصلوا على مقعد هنا أو هناك، مؤكدين للنظام بالقول والفعل أنهم لا يريدون مزاحمته على السلطة، وإنما هم فقط راغبون في بعض من فتاته.

أما الملفت في كل ما جرى داخل مهزلة الانتخابات المحلية أنها تحدث في ظل تصاعد متواصل للنضالات الاجتماعية، حتى أن الأمر يبدو كمفارقة. فبينما يزداد مستوى الصراع الطبقي ارتفاعا يوما بعد يوم في مصر، وتتسع باطراد القطاعات الاجتماعية الفقيرة من العمال والفلاحين والطبقات الوسطى الدنيا التي تخوض نضالات من أجل الارتفاع بمستوى معيشتها، وبينما تزداد النضالات حدة وترتفع من قلبها أصوات تدعو إلى الإضراب العام، في ظل وضع كهذا يتمكن نظام مبارك من تشديد قبضته القمعية ويزداد تخاذل ومهادنة قوى المعارضة السياسية.

المفارقة تكمن من جانب في تهاوي وضعف قوى المعارضة الرئيسية من الأحزاب الرسمية والإخوان، الذين نجح نظام مبارك على امتداد ربع قرن في تحويلهم إلى كيانات بلا مضمون. وتكمن من جانب آخر في افتقاد الحركات الاجتماعية الصاعدة ـ حتى الآن ـ إلى قيادة سياسية قادرة على توحيد نضالاتها وتسييسها وتحويلها إلى صدام سياسي واسع. هي معضلة الحركة الاجتماعية الجديدة في مصر، والمؤكد أن الفرصة مواتية لتجاوزها، وهذا تحديدا ما يجب النضال من أجله.