بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات حول مؤتمر القاهرة

عُقدت في الفترة من 29 مارس إلى 1 أبريل 2007 الدورة الخامسة لـ”مؤتمر القاهرة” الذي تنظمه “الحملة الدولية ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني”. وبالرغم من مرور ما يقترب من شهر على الحدث، إلا أنه يستحق النظر والتعليق. فقد لا يرى البعض في المؤتمر أكثر من احتفالية أو “مولد” سنوي نلتقي فيه بالأصدقاء ورفاق الكفاح من أنحاء العالم، ثم ينفض بلا أثر أو حصيلة. يعزز هذه الرؤية الضعف الواضح فيما يمكن أن نطلق عليه “مؤسسة مؤتمر القاهرة”، أي تلك الأشكال المؤسسية التي تتابع قرارات المؤتمر وتقوم بتنفيذها بين دورتي الانعقاد. وهو ما يؤدي بالفعل، للأسف، إلى تحويله إلى حدث مقطوع الصلة بما قبله وما بعده، يشغل بالنا شهرا واحدا كل عام ثم يطويه النسيان لحين حلول موعده بعد عام كامل!

وحدة

لكن مؤتمر القاهرة لا ينبغي أن يكون فقط “مولدا سنويا”. فلهذا التجمع، على عيوبه الظاهرة، إمكانيات هائلة لو تم استخدامها بالكفاءة السياسية المطلوبة، لأصبح حدثا محوريا في بناء حركة عالمية لمقاومة الإمبريالية والصهيونية والعولمة الرأسمالية. فكل فكرة مؤتمر القاهرة هي أنه آلية لتعبئة وتوحيد وتنظيم الحركة العالمية، متعددة المنابع والأشكال، المناهضة للإمبريالية والليبرالية الجديدتين. وفي هذا هو لا يختلف عن غيره من التجمعات والمؤتمرات التي برزت وتبلورت على مدى السنوات الخمس أو الست الماضية، كالمنتدي العالمي والأوروبي وغيرهما.

غير أن مؤتمر القاهرة يختلف عن غيره من التجمعات في عدد من العوامل الحاسمة وذات الأثر البعيد. فقد انعقد لأول مرة قبيل غزو العراق واحتلاله. وكان انعقاده بالتحديد في القاهرة واحد من أدوات محاولة جمع قوى مناهضة الإمبريالية والصهيونية في المنطقة العربية بحركات مناهضة الحرب الصاعدة في بلدان الغرب. وهو هدف كان شديد الأهمية قبل احتلال العراق، ثم أصبح هو العنصر الأول والحاسم في معادلة بناء الحركة العالمية بعد احتلاله.

بالقطع هناك أثر فكري-سياسي عام لارتباط وتعاضد قوى المقاومة في عالمنا العربي مع قوى مناهضة الحرب العالمية. فهذا أمر لن نبالغ إن قلنا أن له، إن نجح، أثر بالغ على مستقبل حركة المقاومة عالميا. فبدلا من أن تكون الصورة هي عداء الغرب للشرق، بلا تمييز بين القوى المتناقضة داخل هذا الغرب ذاته، فإن صعود حركة مناهضة الحرب العالمية، ثم الاتصال بها والتقارب معها فكريا وعمليا، سوف يكون له أبلغ الأثر في إفشال سياسة فرق تسد التي تتبعها قوى الإمبريالية.

لكن إلى جانب الأثر الفكري، فإن هناك ضرورة استراتيجية لتوحيد من يقاومون في منطقتنا بمن يناضلون خارجها. ذلك أن غزو العراق واحتلالها أدى إلى ميلاد حركة مقاومة عراقية ناهضة أصبحت هي الرقم الأهم في معادلة مقاومة الإمبريالية. فلولا المقاومة العراقية لما فقدت الإمبريالية الأمريكية قوة المبادرة ولما تقيدت يداها في سياستها الخارجية إزاء “مناطق ملتهبة” أخرى. ولولا المقاومة العراقية لما تعطلت خطط وأحلام القرن الأمريكي الجديد الساعي إلى إخضاع العالم للرأسمالية الأمريكية.

الارتباط بين قوى المقاومة في العراق، وبالقطع في فلسطين ولبنان وأفغانستان، وبين حركات المعارضة المعادية للإمبريالية والصهيونية في البلدان العربية، وبين حركات مناهضة العولمة والحرب في العالم، أصبح بعد الحرب هدفا جوهريا ينبغي أن يسعى إليه كل مناضل من أجل العدل والحرية. كل واحدة من هذه الحركات تحتاج الأخرى، ليس بمنطق المساعدة والعمل الخيري، ولكن بمنطق الضرورة الاستراتيجية.

فإن تولت قوى مهادنة للإمبريالية قيادة حركات المعارضة والتغيير الديمقراطي في البلدان العربية، فإن هذا معناه أن انتصار تلك القوى – وهو أمر غير مستبعد في الأجل المتوسط – سيؤدي إلى ميلاد أنظمة عربية جديدة (ربما ذات شرعية أكبر) ترى أن مهمتها هي مواصلة عملية عزل المقاومة وإضعافها، تماما كما تفعل مصر والسعودية اليوم. وإن أدت سيطرة القوى اليمينية على حركات مناهضة الحرب عالميا إلى إضعاف تأييدها للمقاومة، فإن هذا سيسهل على الحكومات الأوروبية أن تنطلق بلا حرج ولا قيد في سياساتها الإمبريالية، وهو ما قد يعزز من موقف الإمبريالية الأمريكية. وهكذا.

معضلات

إذن فالتقاء جبهات المقاومة لدينا بقوى المعارضة في البلدان الأوروبية والأمريكية ليس ترفا ولا عملا خيريا، وإنما ضرورة استراتيجية. لكن هذا اللقاء ليس عملا سهلا. فظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب، وتفشي حالة العداء للإسلاميين في أوساط اليسار وما يطلق عليه “القوى المدنية العربية”، يلعبان دورا خطيرا، إلى جانب عوامل أخرى، في إفشال هذا اللقاء وتضييق نطاقه. هناك معركة فكرية لابد أن تخاض ولابد أن يتم كسبها حتى يصبح الالتقاء ممكنا وناجحا ومثمرا.

هذا بالضبط ما يميز مؤتمر القاهرة. هذا المؤتمر مؤهل، بالرغم من عوامل الشد والجذب الطبيعية في أي حدث بهذا الحجم، لأن يلعب دور قاطرة ربط أطراف الحركة العالمية ببعضها البعض. ذلك أن القوى المنظمة للمؤتمر متماسكة فكريا وسياسيا، في المجمل ومع تباينات لا مفر منها، على رفض الإسلاموفوبيا والعداء للإسلاميين. وهو الأمر الذي يسمح لها على المدى المتوسط باحتضان قوى المقاومة “الإسلامية” في لبنان وفلسطين والعراق، وأيضا بربط قوى المعارضة الإسلامية بقوى اليسار والقوميين في مصر وبالحركة العالمية لمناهضة العولمة الرأسمالية والحرب.

الإشكالية التي تواجه المؤتمر هي ضيق نطاق جبهته حتى اللحظة الراهنة. فبالضبط بسبب هذا الوضوح الفكري والسياسي في رفض الإسلاموفوبيا، فإن أجنحة عديدة في الحركة العالمية غير متحمسة للمشاركة. وبالضبط بسبب القطيعة مع تراث الإدانة المجانية للإسلاميين في مقابل فتح الباب لمنهج العمل المشترك معهم مع حق ممارسة النقد العلني الحر، فإن قوى عديدة في المعارضة المصرية تلعب لعبة مقاطعة المؤتمر.

هذا “الحصار النسبي” ليس سببا لتغيير سياسة المؤتمر أو تمييعها، سواء في رفض الصهيونية والإمبريالية أو في الموقف من الإسلاميين. لكنه لابد أن يكون دافعا للعمل بجد من أجل كسب معركة الأفكار حول الاستراتيجية الصحيحة للتعامل مع المقاومة الإسلامية ومع الحركة الإسلامية بوجه عام. فهناك، بلا شك، مساحات واسعة يمكن كسبها من بين أيدي غلاة العصبويين ومحترفي العداء لكل ما هو إسلامي. وهذا هدف لابد أن يصبح من صميم عملية الإعداد والتحضير لمؤتمر القاهرة سنويا.

لا ننسى هنا الظروف المرحلية التي تمر بها الحركة العالمية والمحلية. فلقد واجهت حركة مناهضة الحرب العالمية عددا من التحديات الكبرى في السنوات الأخيرة بدءا من حالة الإحباط الواسع التي سببها اندلاع الحرب ووقوع الاحتلال في 2003. فلأن القوى التي قادت المعركة كانت، في بعض البلدان وبعض الأحيان، تتسم بالتذبذب والإصلاحية، فقد أدى هذا إلى انسحابها وتشتتها بعد الغزو والاحتلال تحت دعاوى مثل أن الانسحاب من العراق سيسبب فوضى أو أن مساندة الجنود أصبحت ضرورة.. الخ. وهو ما انتهى في بلدان مثل إيطاليا مثلا إلى مشاركة حزب إعادة التأسيس الشيوعي – الذي قاد حركة بالملايين ضد الحرب – في حكومة الحزب الاشتراكي التي تشارك في قوات الناتو بأفغانستان.

وطبعا على الجانب الآخر تعيش مصر، وعدد لا بأس به من البلدان العربية، حالة مختلفة في مضمونها مشابهة في أثرها لما يحدث في البلدان الأوروبية والأمريكية. فالحركة السياسية في مصر مشتتة وتعاني من ضعف مؤقت تسببت فيه جملة من الظروف الذاتية والموضوعية ارتبطت بعدم قدرتها على خلق جذور جماهيرية أو على توحيد قوى المعارضة، هذا إلى جانب عدم نضوج “أزمة الحكم” التي لاحت بوادها في 2004-2005 إلى وضع يسمح بتفجير حركة معارضة واسعة.

المستقبل

هذا الانحسار المؤقت والنسبي للحركة هو الذي سمح للإسلاموفوبيا والعصبوية والميول الانسحابية بالانتعاش. ولكن موجة أخرى من الصعود بمقدورها أن تحاصر هذه الميول والأمراض، ليس من تلقاء ذاتها، لكن فقط لو كان اليسار المناضل، في مصر والعالم، ناجحا في وضع أسس التحالفات والتجمعات والأشكال المناسبة للمرحلة، وفقط لو كان هذا اليسار نشطا في دعم المقاومة بلا شرط وفي خلق الجسور معها، وفقط لو كان ساعيا بجد لخوض معركة الأفكار ضد الإسلاموفوبيا وهيستيريا العداء للإسلاميين مع طرح الاستراتيجية الصحيحة للتعامل مع الحركات الإسلامية.

مؤتمر القاهرة، والتحالف الذي ينظمه، مؤهلان للعب دور جوهري في هذا الشأن. فأي صعود جديد للحركة سيفتح الباب لأن يصبح المؤتمر، ربما، هو الحدث العالمي الأكثر أهمية الذي يربط بين حماس وحزب الله وفصائل من المقاومة العراقية من ناحية، والأجنحة الأكثر حيوية من المعارضة الإسلامية والقومية والاشتراكية في مصر وبعض البلدان العربية وتيارات واسعة من حركات مناهضة الحرب العالمية من ناحية أخرى. فلن يجد كثيرون شكلا أفضل من مؤتمر القاهرة، بتراثه وسمعته وقواه، للعب دور منتدى للأفكار وساحة للحوار ولجنة للتنسيق والتخطيط بين من يقاومون قوى الظلم والهيمنة العالمية. فقط علينا اليوم، وفي اللحظة الصعبة الراهنة، التصميم على الاحتفاظ للمؤتمر بوضوحه واستقامته الفكرية مع التصميم على توسيع نطاقه لأقصى مدى ممكن.