بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ملاحظات على هامش الصراع الطبقي

أصف هذه الملاحظات بأنها “على هامش” الصراع الطبقي ليس على سبيل اللعب بالألفاظ. إنما السبب هو أنها فعلا لا تقدم تحليلا شافيا لمضمون المعركة الطبقية الدائرة في مصر، بل تقتصر على طرح بعض الأفكار الأولية حول سياق الصراع، وذلك بهدف تحفيز المناقشة الجماعية على طريق الوصول لرؤى أكثر تماسكا وغنى.

عودة السياسة إلى مصر، بعد موات التسعينات، كشفت لنا أن انفتاح الساحة على المعارك السياسية والجماهيرية، وعلى النضالات الاقتصادية والاجتماعية، لا يحل تلقائيا كل المشاكل، بل على العكس يخلق “نوعا جديدا” من الإشكاليات، أفضل كثيرا طبعا، ولكنه مع ذلك يظل محتاجا إلى المواجهة. فلعل كثيرون منا يشعرون أن إرهاق الأعوام القليلة الأخيرة، الذي سبّبه الانتقال من ذروة الأمل بالتغيير في 2005 إلى وضعية الإحباط والتشتت في آخر 2006، هو تجربة تماثل في قسوتها، وإن كانت تختلف في نوعيتها، عن تجربة الركود الطويل في أعوام التسعينات.

لكن هذه النظرة التشاؤمية قصيرة الأجل خاطئة فضلا عن كونها مضرة. قسوة تقلبات الصراع السياسي في مرحلة حراك وتجذير أفضل مئة مرة من قسوة الانحباس في قمقم الركود. أن تتعلم، عبر المعركة، كيف تتقدم وكيف تنسحب، ولماذا لم توّفق في الجولة الماضية، خير من أن تعيش على هامش حياة سياسية زائفة يحتكرها نظام شمولي يحكم بالحديد والنار.

على أية حال، فإن هذه الملاحظات الأولية تتحدث عن أسس الصراع الدائر وخلفياته وطبيعة أطرافه، كمحاولة لتبديد الأوهام المتشائمة السائدة حول اللحظة الراهنة. فالحقيقة أنه إن كان للحظة الراهنة من دلالة، فهي أنها تشير إلى احتمالات تغيير واسعة ربما لم تشهدها هذه المنطقة من العالم منذ أكثر من ثلاثين عاما.

ولكن هذا يستبق التحليل. فلنبدأ في طرح ملاحظاتنا.

(1)

السياسة العالمية، والمحلية، المعاصرة لها أساس اقتصادي. فانتقال الرأسمالية العالمية من الانتعاش الطويل (1945-1974) إلى الأزمة الممتدة (1974-حتى الآن) هو جذر العمليات السياسية الجارية أمام أعيننا.

فرضت نهاية الانتعاش الطويل على الرأسماليات العالمية إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية. فمع ثبوت فشل الكينزية، نجحت الليبرالية الجديدة في احتلال وضعية الهيمنة على فكر الطبقات الحاكمة الاقتصادي. ومضمون الليبرالية الجديدة هو مواجهة الأزمة بزيادة الاستغلال: تقليص الإنفاق الاجتماعي، تخفيض الأجور الحقيقية، إلغاء ضمان العمل، الخصخصة، فتح الأسواق.

المهم بالنسبة لنا هنا هو الأثر السياسي لهذه الظروف والسياسات. فمع الأزمة الاقتصادية والهجوم على المكتسبات، تزعزعت الهياكل التي كانت مستقرة على مدى عقود. ذلك أن ما صنعته مرحلة الانتعاش الطويل كان ليس فقط رفع مستويات معيشة الكادحين، بل بناء مؤسسات وأعراف، في سياق عقد اجتماعي غير مكتوب، تربط الطبقة الحاكمة بالمحكومين وتقيد الأخيرين بالأولين.

الآن الطبقات الحاكمة تحطم هذه المؤسسات والأعراف. الآن يتم إلغاء دعم السلع التموينية، وحل مؤسسات الرعاية الصحية المجانية، والتخلي عن التعليم المجاني. وهذا في حد ذاته يخلق بلبلة ويحطم الحياة المستقرة لمئات الملايين. تخيل أوضاع مستأجري الشقق السكنية الذين استقر بهم الحال على مدى عشرات السنين أن تلك الشقق المؤجرة هي بمثابة ملك لهم لا يمكن إخراجهم منها، وقد أصبحوا مطالبين بالبحث عن مأوى آخر. تخيل أحوال الفلاحين الذين فوجئوا بـ”إصلاح زراعي” مضاد يطردهم من أراض استقروا عليها لجيلين كاملين. ألا يمثل هذا تحطيما مزلزلا لقواعد استقرت؟ ألن يكون أثره، بلا شك، هو تكثيف التناحر والصراع الطبقيين؟

لكن الأهم من هذا هو أنها بتخليها عن دورها في إدارة الاقتصاد، فإن الدولة قد تخلت بذلك عن قدرتها على إدارة العملية الاجتماعية وتجنب أسوأ مفاجآتها. في السابق، في ظل السياسة الناصرية، كانت الدولة، بأدواتها وحمائيتها، تمتص أثر أزمة سوق القطن العالمي وتمنعها من أن تحطم حياة ملايين الفلاحين المعتمدين على زراعته. لكن الآن فإن “حرية التجارة” تعني شلّ هذه القدرة بالذات. وهو ما يعني عمليا ازدياد معدلات الصدمات الاقتصادية، ومن ثم الانفجارات السياسية، خاصة كلما زاد “نجاح” الاقتصاد في الاندماج في السوق العالمي.

هذه التطورات الاجتماعية-السياسية هي ثورية بحق. فبعد أن كان منظرو الرأسمالية يقولون أن نظامهم المفضل – الرأسمالية – قد تعلّم من الاشتراكية واستفاد من فكرة التخطيط ومن نظم دولة الرفاهة، فإننا الآن نعيش في عالم يشبه، في بعض جوانبه، رأسمالية القرن التاسع عشر من حيث انطلاق الرأسمالية من عقالها بأقل قدر من الكوابح. وهو أمر صحيح أن الأزمة قد فرضته على الرأسماليين، لكن آثاره المباشرة هي تحطيم الاستقرار وزيادة معدل الأزمات وفقدان الهياكل المؤسسية القادرة على امتصاص آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

(2)

ارتبط تبني سياسات السوق الحر في الشرق الأوسط ومصر بالتسوية مع الإمبريالية الأمريكية. مصر، مبكرا جدا، قبل منتصف السبعينات، التحقت بالصديق الأمريكي، وفي نفس الوقت دشّنت سياسات الانفتاح الاقتصادي والليبرالية الجديدة.

خصوصية تجربة الليبرالية الجديدة المصرية تكمن، على الأقل حتى وقت قريب، في الوسطية. فعلى خلاف بلدان أخرى، لم يرتبط تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة بتغيير يذكر في نظام أو نخبة الحكم، بل إن النخبة القديمة، مع تعديلات طفيفة، هي التي بادرت بالتحول، وهذا له آثاره غير المنكورة.

الظروف السياسية التي تتحول في إطارها البلدان ناحية سياسات السوق، أو التي يحدث في إطارها تقدم كبير في تطبيق تلك السياسات، تتفاوت. أحيانا يرتبط التحول بثورة سياسية (أوروبا الشرقية أو جنوب أفريقيا)، فتصبح نخبة حكم جديدة “ديمقراطية”، ومن ثم ذات شرعية شعبية ما، هي القائمة على عملية التغيير. وأحيانا ربما يتطلب الأمر تحولا في الاتجاه المضاد (انظر مثلا إلى دور الديكتاتور برفيز مشّرف في تطبيق الليبرالية الجديدة في باكستان).

لكن في حالتنا المصرية تم الأمر بدون ثورة سياسية وبدون زلازل اجتماعية. فقط معارك قصر قصيرة ومحدودة بين السادات ومن أسماهم بمراكز القوى.

هذا التحول غير المصحوب بصعود واسع في الصراع الاجتماعي، وغير المبني على تغيير سياسي عميق، كان معناه أن من قام باتباع السياسات غير الشعبية المسماة بالانفتاح، ثم بالليبرالية الجديدة، كان نظاما لم تتوفر له لا شرعية شعبية كافية، ولا مؤسسات ديمقراطية مستقرة قادرة على امتصاص الصدمات. فها هي سلطة تتبع سياسة هجوم على مكتسبات الجماهير، وتتضمن من ضمن ما تتضمن تفكيك مؤسسات الدولة الشعبوية، من الاتحاد الاشتراكي إلى الدعم، بدون استبدالها بمؤسسات راسخة أخرى. فما الذي يمكن توقعه؟ إما تصاعد النضال الجماهيري في مواجهة السياسات والنظام الذي يفرضها، وتحقيق انتصارات مهمة في هذا السياق، أو ميل النظام تحت ضغط المعارضة والتذمر الشعبي إلى ديكتاتورية أكثر.

هذا بالضبط ما يشرح لنا مسيرة النظام السياسي المصري من السادات إلى مبارك: ترسيخ ديكتاتورية الليبرالية الجديدة. فعموما نلحظ أن البلدان المتأخرة النمو تخوض تجربة التحول الليبرالي الجديد في ظل إما ديمقراطيات هشة لا يمكنها تحمل آثار التحول حين يجد الجد، أو ديكتاتوريات تقوم على إجراء التحول تحت تهديد السلاح.

وقد كان أثر مقاومة التحول الليبرالي الجديد على النظام الحاكم هو، كما قلنا، ترسيخ ديكتاتوريته. لكن أيضا كان التدرج في التطبيق ومراعاة البعد الاجتماعي من الآثار غير المنكورة. إذ سعى من يحكمون مصر إلى تكثيف الاستغلال، بوصفات الليبرالية الجديدة، ولكن ببطء وانتقائية محسوبة أمنيا بحيث يتفادون أي انفجارات من التي عادة ترتبط بهذا التحول. وهذه السياسة قد تنجح في شراء الوقت؛ وهي فعلا قد نجحت في ذلك. ولكنها أولا لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وثانيا تؤدي إلى إحداث تفسخ اجتماعي بطيء دون الأمل في تحقيق أي مكاسب كبرى، تحققها وصفات “إصلاح” أكثر جذرية، في مجال النفاذ إلى السوق العالمي.

(3)

كانت التسعينات في مصر، من وجهة نظر النضال الجماهيري من أسفل، عقدا ضائعا. فبالرغم من أن التعميد الرسمي لسياسات الليبرالية الجديدة تم في مطلع هذا العقد – مايو 1991، مع توقيع اتفاق التثبيت مع صندوق النقد – إلا أن عددا من العوامل الداخلية والخارجية عملت على تأجيل رد الفعل الجماهيري على هذه السياسات.

أول هذه العوامل هو وضعية الحركة العمالية واليسار. كلاهما كان خارجا من الثمانينات وقد هدته معاركها وصراعاتها. فالطبقة العاملة كانت قد دخلت بين 1984 و1989 معركة تكسير عظام مع النظام الحاكم انتهت، بعد خمسة إضرابات كبرى في المحلة وكفر الدوار والسكة الحديد والحديد والصلب وإسكو، إلى انخفاض كبير في الأجور الحقيقية وإلى ضرب ثقة المراكز الكبرى للنضال العمالي. أما اليسار، فبعد البعثرة التي خلقتها نتائج انتفاضة 77، وبعد تآكل بعض منظماته في النصف الأول من الثمانينات، أتت البيروسترويكا وانهيارات الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي لتقضي عليه كلية تقريبا.

العامل الثاني هو ما خلقه انهيار الاتحاد السوفيتي والبزوغ المؤقت لما سُمي بـ”النظام العالمي الجديد”، من فقدان ثقة بالاشتراكية ومن أمل جماهيري في سياسات الخصخصة ومشروع السلام الذي تم تدشينه في مؤتمر مدريد. إذ أجّلت الجماهير المصرية رد فعلها على سياسات حكومات “الإصلاح الاقتصادي” لما يقترب من عقد كامل أملا في أن تفضي تلك السياسات إلى رفع مستويات معيشتها.

العامل الثالث والأخير، هو أن تطبيق برنامج الإصلاح حقق فعلا بعض التحسن في الظروف الاقتصادية في فترة منتصف التسعينات، وحتى عام 1998. فقد تراجع هبوط الأجور الحقيقية وتحسنت بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، من عجز موازنة إلى معدل تضخم إلى سعر صرف. وهو ما ساهم في امتصاص صدمة تفكيك القطاع العام وبيع عدد من مؤسساته.

ونلاحظ أن القانون العام الحاكم للنضال المقاوِم لليبرالية الجديدة هو أنه ينطلق (أو يتغذى) من أكثر القضايا تنوعا، وفي أحيان كثيرة بشكل مفاجئ. إذ ربما ينطلق من أرضية أزمة اقتصادية تهبط بالأحوال المعيشية للجماهير هبوطا مروّعا في أسابيع قلائل (إندونيسيا)، وربما ينطلق من حركة مناهضة لأحد مظاهر سياسة السوق الحر كخصخصة الخدمات (بوليفيا)، وربما ينطلق من أرضية المعارضة لدستور جديد (فرنسا)، أو لحرب غير شعبية (بريطانيا وإسبانيا).

هنا في مصر، كانت نقطة البداية هي الأزمة التي ألمت بالاقتصاد المصري في 1999، والتي تلاها، في نهاية عام 2000، انهيار استراتيجية التسوية السلمية برعاية أمريكية. هذان التطوران حطما ثوابت التسعينات، وسمحا بميلاد مرحلة جديدة من الحركة السياسية والجماهيرية، تراوحت مظاهرها بين انتفاضة للعاطلين، وهبات محلية، ومظاهرات داعمة للانتفاضة، وحركة مناهضة لحرب العراق، وحركة تغيير ديمقراطي، وانتفاضات فلاحية، وإضرابات عمالية، وتحركات مطلبية مهنية، ومطالبات قبطية ونوبية وسيناوية، وغير ذلك كثير.

السمة الأكثر بروزا للعملية الدائرة في مصر، وهذا يعد نموذجا لما يحدث عادة في البلدان الديكتاتورية، أن الحركة عندما انطلقت، بغض النظر عن منطقة انطلاقها، انتشرت واتسعت من مجال إلى مجال. فالديكتاتورية قمعت كل الحركات المطلبية، وقصفت عمر كل النضالات الجماهيرية. فلما أصبح ممكنا التحرك، كما أثبتت هذا مظاهرات التضامن مع الانتفاضة، تصاعدت الحركة بأكثر الأشكال توسعا وتنوعا للتعبير عن مرارات متراكمة، فيما يشبه غابة من التفاعلات اللانهائية.

(4)

هنا يمكننا أن نضع حركة التغيير الديمقراطي في سياقها. فهي جزء من “الغابة” وأحد مظاهر “التفاعلات” التي أفرزتها انطلاقة الحركة في نهاية عام 2000.

قلنا إن الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالاقتصاد المصري في أواخر التسعينات كانت هي الأرضية التي كشفت الآثار الجماهيرية لسياسة الإفقار. لكن الأزمة أيضا أعطت المجموعة “الإصلاحية” في الحكم المطالبة الاندفاع السريع على طريق تحرير الأسواق قوة إضافية، حيث أكدت تلك المجموعة أن لب المشكلة كان بطء الإصلاح. ثم أتت أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تأزم في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، لتعطي هذا التيار – الذي يمكن أن نسميه الليبراليين الجدد الراديكاليين – قوة فوق قوته.

وهكذا أصبحت الدعوة للخروج من الأزمة بالهروب إلى الأمام، أي معالجة أزمة فتح الأسواق بمزيد من فتح الأسواق، ذات جاذبية في الداخل والخارج. وكلنا يعرف التبعات السياسية لهذا التطور. فقد اكتسبت جماعة ما أُطلق عليه كذبا “الإصلاحيين في لجنة السياسات” زخما، وانتقلت من القول إلى الفعل، وزاحمت الحرس القديم، وكسبت الموقعة بسهولة متوقعة.

لكن هذه الأجواء هي التي أحدثت خللا في آليات ديكتاتورية الليبرالية الجديدة. وينظر البعض، خاصة اليوم، إلى مسيرة عام 2005 على أنها كانت مجرد أثرا جانبيا من آثار ضغط خارجي انتهى بنهاية هذا الضغط. لكن هذه رؤية قاصرة. فلا شك أن الضغوط الأمريكية دفعت المعركة إلى الأمام. لكن أطراف الصراع لم يكونوا صنائع أمريكية في مؤامرة إمبريالية.

فالخلفية التي تحدثنا عنها، أي استئناف النضال ضد ديكتاتورية الليبرالية الجديدة مع بدء الألفية الجديدة، هي التي تشرح الجذر العام لما حدث في 2005. أما عن السؤال “لماذا كان التغيير الديمقراطي بالتحديد هو عنوان أحد المحطات الرئيسية؟” فإجابته ترتبط بظروف يتعلق بعضها فعلا بحدوث شرخ في جدار العلاقة بين مصر وحليفتها الإمبريالية الأمريكية. هذا الشرخ في معسكر الأعداء فتح بابا للحركة للنفاذ وأعطاها الجرأة على نقل منطقة ارتكازها من المطالب الوطنية إلى المطالب الديمقراطية. وهو ما انعكس في اتجاه قطاع رئيسي من النخبة المعارِضة إلى التحريض ضد النظام والمطالبة بإسقاطه، وإن كان هذا لم يؤد إلى التفاف حركة جماهيرية واسعة حول هذا المطلب، مما سمح للنظام باستعادة المبادرة، هذه المرة بوعي واضح أن أي انفتاح ديمقراطي ستكون له، في ظل تفاعلات الليبرالية الجديدة، عواقب وخيمة على استقرار نخبة الحكم.

(5)

تفرض علينا تجربة جولات الصراع التي دارت في مصر عبر السنوات الستة أو السبعة الماضية أن نلقي نظرة على طبيعتها. يبدو هذا ضروريا، ولو على الأقل للوقاية من مرض الاكتئاب الدوري الذي يصيب النشطاء مع كل تراجع بين دورتين من دورات الصراع (بعد تراجع حركة أبريل 2002، بعد سقوط بغداد، بعد تراجع حركة التغيير الديمقراطي.. الخ).

الإشكالية الحقيقية التي ربما لا يدركها البعض أن الحركات الجزئية أو المطلبية لمقاومة الليبرالية والإمبريالية الجديدة، التي تندلع هنا وهناك، ليست بالضرورة قادرة وحدها أو مباشرة على إيقاف هذه السياسات. فلما يتحرك قسم مضطهد من السكان (مثلا السكان الأصليون في المكسيك)، أو لما يتحرك المعارضون لحرب إمبريالية (حركات مناهضة الحرب)، أو لما يتحرك المتضامنون مع الانتفاضة (كما هو الحال في مصر)، فإن حركة أولئك أو هؤلاء لا تمتلك، وحدها أو من تلقاء ذاتها الشروط لإيقاف الهجوم الليبرالي الجديد في مجال حركتها، ناهيك عن الإيقاف الشامل لهذا الهجوم.

هناك شروط انتصار للحركات المناضلة، شروط ترتبط بتوازن القوى، ومدى اتساع الحركات، والقاعدة الاجتماعية، وضعف الطبقة الحاكمة. فالحركات المطلبية الإصلاحية، مهما اتسعت دائرة التعبئة حولها، ولكن التي لا تضرب في صلب مصدر قوة النظام (ميكانيزم استغلال العمل المأجور)، يكون نجاحها بالضرورة جزئيا وغير مؤديا إلى تغيير طبيعة النظام، وأحيانا حتى تفشل، لأسباب متنوعة، في تحقيق النجاح في مجال مطالبتها الأصلي.

تتعمق تلك المشكلة في ظروف الليبرالية الجديدة، حينما يكون انتزاع الإصلاحات من الطبقة الحاكمة أصعب كثيرا. ولكن هذا لا يعني انعدام جدوى النضالات الإصلاحية. إنه يعني فقط أن النضال الإصلاحي، وهو مهم وقادر على تحقيق انتصارات جزئية، لابد أن يُنظر إليه كجزء من معركة أوسع وأطول لتحقيق تغيير أشمل وأعمق. وهذا بالضبط ما يطرح إشكالية الاستراتيجية والأيديولوجيا والحزب السياسي (حامل كل من الاستراتيجية والأيديولوجيا) بوصفهم عناصر جوهرية للربط بين النضال الإصلاحي والتغيير الشامل.

وبالنظر إلى التجربة المصرية في السنوات الفائتة نلحظ عددا من الأمور. أول هذه الملاحظات، وهي في الحقيقة ملاحظة عامة أوسع من مصر، أن حجم وعمق الأزمة التي تلف الرأسمالية العالمية أقل من أن يحدث انفجارا شاملا في النظام. فبالمقارنة بأزمة الثلاثينات، نجد أن أزمة النظام الرأسمالي الراهنة أطول عمرا وأقل عمقا، وهو ما يعني معارك أكثر مرارة واستقطابا أعلى، مع استمرار قدرة الطبقات الحاكمة على المناورة. وهذا ما دفع البعض إلى القول أن ما نشهده هو نفس “فيلم” الثلاثينات، لكن بالتصوير البطيء.

انعكاس هذا على مصر بالذات مباشر. إذ أن تجربة الليبرالية الجديدة المصرية تضمنت سلسلة من الأزمات وكثيرا من المصاعب وجرعة حادة من الإفقار، لكنها لم تتضمن أزمة طاحنة كبرى بحجم ما حدث في المكسيك في 1994 أو إندونيسيا في 1997-1998. وهو ما سمح دائما للطبقة الحاكمة أن تفدي نفسها دائما في آخر اللحظات، خاصة وأن الإمبريالية الأمريكية كانت دائما على أهبة الاستعداد لحماية النظام في أحلك لحظاته.

ثاني الملاحظات يتعلق بأزمة السياسة والتنظيم. في الحروب الطويلة، عندما لا يكون الانتصار السريع مطروحا، تزداد أهمية تنظيم الصفوف وتوحيد الرؤى. فالحركات الدفاعية المناضلة ضد الليبرالية الجديدة على هذا الصعيد أو ذاك تحتاج، حتى تحقق الاستمرارية والاتساع، إلى الارتباط بباقي الحركات، وإلى رؤية أوسع من نطاق نضالها المحدود، أي تحتاج إلى السياسة بكل ما تعنيه الكلمة من معاني.

وبالنظر إلى الخبرة المصرية نجد فشلا كبيرا في هذا الصدد. فسلسلة النضالات المناهضة للإمبريالية والليبرالية الجديدة والديكتاتورية التي تحرسهما خلقت موجات من الحركات، لكنها لم تنجح في تطوير أشكال تنظيمية مستقرة ومنفتحة على أفق سياسي. وهو ما يعطي دائما الانطباع بالحرث في الماء. انظر إلى الأعوام الماضية. النضالات على الأصعدة المختلفة لا تجد شبكات ربط أفكار وتوحيد سياسات ونقل خبرات، وهو ما يعني عدم المراكمة.

لكن، وهذه ثالث الملاحظات، الطفرة الكبرى التي ربما لا يقدّرها كثيرون حق قدرها، هي دخول الطبقة العاملة إلى ساحة المواجهة. فإن كانت حركات الطبقة الوسطى والطلاب غير قادرتان على خلق التنظيم الذاتي المتماسك والمستقر، فإن نضالات الطبقة العاملة بمقدورها، بسبب طبيعة تلك الطبقة ووضعيتها في المجتمع وخبرتها والنضالية، أن تخلق أشكالا تنظيمية لها جذور متينة ِ(هذا إذا توفرت لها شروط ليس هنا مجال تفصيلها).

هذه واحدة من جوانب أهمية النضالات العمالية، والاجتماعية، الراهنة: انغراسها في صلب ماكينة المجتمع، والطبيعة المستقرة والصلبة للقوى الاجتماعية التي تخوضها. لكن الإشكالية هي أن الديكتاتورية، بتحطيمها المستمر لكل الأشكال التنظيمية المستقلة، ستحاول وضع كل العراقيل الممكنة أمام تنظيم العمال لأنفسهم. هذه معركة صعبة جدا. لكنها هي المعركة المركزية اليوم.

(6)

تحدثنا في القسم السابق عن أهمية السياسة وأهمية الحزب (حامل السياسة الثورية) كأداتين هامتين لتحقيق النصر في نضالات مناهضة الليبرالية الجديدة. لكننا لم نشر إلى حقيقة هامة، وهي أن الحزب لا ينشأ في فراغ، وإنما في سياق موروث ومعطى.

اليوم، في مصر والمنطقة العربية، تنطرح إشكالية تسييس وتوحيد النضالات، أي إشكالية الحزب بالمعنى الراقي للكلمة، في مناخ من السيطرة الفكرية للإسلاميين على اختلاف أطيافهم.

فالظاهرة المشهودة الآن هي احتكار القوى الإسلامية للساحة السياسية للمعارضة. الصورة هي أن المعركة تدور بين أنظمة عميلة فاسدة وقوى إسلامية من أنواع مختلفة يتسع نطاق اشتباكها في النضالات والمعارك يوما وراء يوم (انظر مثلا كيف اتسعت مشاركة الإخوان المسلمين في المعارك في الأعوام الأخيرة: من النضالات الديمقراطية، إلى النضالات المهنية، النضالات العمالية، الخ).

هذا التطور في اتجاه هيمنة الإسلاميين كأهم تيار معارض هو واحد من نتائج أزمة الحركة القومية العلمانية بعد هزيمة 67، وفشل اليسار الستاليني، بسبب خضوعه فكريا وعمليا للقوى القومية الحاكمة، في لعب دور البديل للناصرية المهزومة. وهو يتطلب منا أن نطرح السؤال حول المستقبل الذي يمكن توقعه في هذا السياق للنضالات المناهضة للإمبريالية والليبرالية الجديدتين. كيف يمكن لليسار أن يتعامل مع الموقف؟ وكيف يمكن أن يجد لنفسه موقعا في ظل الاستقطاب الراهن؟

بإهمال إجابات اليسار الحكومي و/أو الليبرالي، الذي خرج من عباءة اليسار المناضل كلية بقراره الانتساب لمشاريع الأنظمة أو الإمبريالية كطريق للتحديث والديمقراطية وإنقاذ العلمانية العربية من خطر الإسلاميين، نجد أن الإجابة الرائجة هي: البديل الثالث أو الطريق الثالث؛ أي رفع شعار “لا للإسلاميين ولا للدولة”، والاندفاع في بناء حركة مستقلة عن الطرفين.

من زاوية ما، تبدو فكرة البديل الثالث بديهية. فهل المطروح هو تبني اليسار لموقف الدولة الليبرالية الجديدة؟ أم المطروح هو تخليه عن وجوده السياسي والتنظيمي المستقل والاندماج في حركات الإسلام السياسي؟ بالقطع لا هذا ولا ذاك أمران مطروحان.

فإذا كانت فكرة البديل الثالث، في أكثر معانيها عمومية، بديهية، فعلام تدور المناقشة إذن؟ الحق أن المناقشة تدور حول معنى آخر، خلافي، للفكرة. فهناك من يرى أن المطلوب هو اعتبار الإسلاميين خطر مساو للدولة، أو يرى أنه من غير المسموح النضال المشترك مع الإسلاميين على مطالب متفق عليها، أو يرى أن نقد الإسلاميين بلا توقف، وبمناسبة ومن غير مناسبة، من منظور تطهري طفولي، هو الواجب المقدس لليسار.

يحتاج الفصل في صحة هذا التكتيك إلى طرح سؤال جوهري: ما هي حقا مشكلتـ”نا”، نحن اليسار، مع القوى الإسلامية؟ هناك من يرى أن مشكلتنا هي خطر الإسلاميين على التحديث وعلى العلمانية، وهذا منظور لا طبقي للصراع في المجتمع. وهناك من يراها – عن حق – خطرهم على الانتصار السياسي للحركة المناهضة للإمبريالية والليبرالية الجديدتين.

فالإسلاميين، سواء إصلاحيين أو راديكاليين، يمثلون مشكلة أولا لأنهم، بصفتهم الممثل السياسي الأكثر نفوذا للمعارضة، يطرحون هدفا غير تحرري للمعركة، وثانيا لأنهم يتبعون وسائل غير نضالية أو جماهيرية للوصول إلى هذا الهدف. فالإسلاميين من طراز الإخوان المسلمين، وهم التيار الذي يهمنا هنا في مصر، هم نوع خاص من الإصلاحيين؛ إصلاحيين ليسوا بالمعنى الأوروبي التقليدي، أي بمعنى كونهم التيار الإصلاحي في حركة الطبقة العاملة، ولكن بمعنى كونهم تيارا سياسيا برجوازيا صغيرا مبني على البرلمانية والإصلاح التدريجي والحفاظ على النظام الرأسمالي، مع إجراء إصلاحات في شكل الحكم.

فإلى أي مدى سيقف الإصلاحيون من الإخوان المسلمين على رأس حركات النضال العمالي والاجتماعي، وكل الحركات النضالية الأخرى، ليدفعونها للأمام ويسيسونها وينتزعون لها النصر. لا شك أن كثيرين منا سيتفقون أنهم لن يفعلوا هذا، أولا لأن موقفهم هو مجرد إصلاح النظام القائم (بالتحديد تطهيره من الفساد)، وليس تغييره (أي تحطيم ميكانيزم الاستغلال والارتباط بالإمبريالية)، وثانيا لأن أدواتهم النضالية تقتصر على البرلمانية وليس التعبئة الجماهيرية، وثالثا لأن رؤيتهم تعرقل وحدة الحركة بسبب، مثلا، مواقفهم الرجعية من المرأة والأقباط.

إذا كانت هذه هي مشكلة الإسلاميين، وهي كذلك بالفعل، فإن سياسة الكتلة الثالثة، على المستوى التكتيكي، تصبح متعارضة مع الهدف ومعرقلة له. فلو كان تيارا إصلاحيا، أو حتى راديكاليا، يحتل موقعا قياديا في الحركة الجماهيرية، ويدفعها، بتأثيره على أوسع الجماهير، في مسار كارثي أو خاطئ أو رجعي، فإن الإشكالية في عيون اليسار ينبغي أن تكون: كيف يمكن كسب الجماهير من الإصلاحية، أو الراديكالية الاستبدالية، إلى الثورية الجماهيرية؟

فإن كانت الإجابة أن هذه عملية تقوم في جوهرها على الدعاية الفكرية المجردة، فإن الميل العملي سيكون دعاويا وقائما على الوعظ والإرشاد، وهو ما سيتضمن بالقطع التركيز على فضح سوءات الإسلاميين وخطاياهم. أما إن كانت الإجابة أن تغيير وعي الجماهير إلى النضالية أو الثورية أمر يتحقق في غمار النضال وعلى أساس التعلم من التجربة العملية، وهو ما نراه صحيحا، فذلك سوف يدفع المناضلين الثوريين إلى خوض تجربة كفاحية مشتركة مع جماهير القوى الإصلاحية بغض النظر عن كونها إسلامية أو لا، ومن خلال التجربة – وعلى مدى الزمن – وعلى أساس من ممارسة نقد عملي ونظري جذري لسياسات واستراتيجيات الإسلاميين، كما تتبدى في مجرى الصراع، فإن أقساما من الجمهور سينتقل إلى مواقع ثورية.

الإسلاميون يحتكرون الآن الفضاء الأيديولوجي المعارض في مصر والمنطقة العربية. هذا ليس قدرا. ولكنه شرط ننطلق منه. والمخرج – لمصلحة انتصار الجماهير في معركتها – هو البناء على النضالات التقدمية الجارية هنا والآن، والسعي في إطارها، وفي إطار العمل المشترك الذي يكشف شيئا فشيء حدود الإصلاحية وكل أنواع الوسطية، وفي إطار النضال الفكري المستمر، إلى بناء هيمنة مضادة قوامها هو الانتصار لفكرة النضال الجماهيري من أسفل من أجل التحرير الجذري للمجتمع.