بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من الذي يضطهد الأقباط؟

حين نقرأ تفاصيل حادث الخانكة 6 نوفمبر 1972، أول أحداث العنف الطائفي الحديثة، لا نجد أي شيء مختلف عن حادث بمها يوم 11 مايو 2007 سوى المكان والزمان. فقد وصف تقرير العطيفي المقدم لمجلس الشعب الحادث على النحو التالي: “وضع مجهولون النار في دار جمعية الكتاب المقدس التي كان يتخذها أهالي مركز الخانكة من الأقباط كنيسة بغير ترخيص لإقامة الشعائر الدينية. وهو ما دفع عددا كبيرا من الأقباط لتنظيم مسيرة يقودها قساوسة ورهبان من الإيبراشيات المجاورة احتجاجا على ما حدث لناديهم الثقافي الذي كانوا يتعبدون فيه دوريا لعدم وجود كنائس قريبة. المسلمون اعتبروا المسيرة تحديا واستفزازا لمشاعرهم فقاموا بإشعال النار في عدة منازل للأقباط. وتم احتواء الأمر ولم يترتب عنه قتلى أو جرحى.”

أما بيان الداخلية بشأن أحداث بمها فقد جاء على النحو التالي: “تجمع حولي 500 من مسلمي القرية عقب انتهاء صلاة الجمعة، على إثر شائعة باعتزام أحد أبناء الطائفة المسيحية بالقرية إقامة دار عبادة بدون ترخيص، وقد تطور الأمر إلى إشعال النيران بمدخل ثلاثة منازل وإحراق أثاث أحدهم. حيث انتقلت القوات على الفور وتمكنت من السيطرة على الموقف وقد أُصيب ثلاثة من أبناء الطائفة بإصابات سطحية. وتم تحديد المتورطين في وقائع الإتلاف وإشعال الحرائق. وجارى مباشرة النيابة التحقيق، وضبط المتهمين المذكورين.”

بين الواقعتين أحداثا عديدة بينها ملامح تشابه لا يمكن إغفالها. لكن تشابه التفاصيل لا يعني أن “مياها كثيرة لم تجر في النهر”. ولعل المدخل الأمثل لفهم أزمة العنف الديني في مصر ومسارها، هو دراسة ما طرأ على السياقات السياسية والاجتماعية من تغيرات خلال القرن الجديد.

من عنف الجماعات الإسلامية إلى عنف الجماهير
جاء عنف الثمانينات والتسعينات في غالبه من الجماعات الإسلامية الراديكالية التي كانت توظّف العنف “الطائفي” لتحقيق عدة أهداف. وكان طبيعيا أن يؤدي قمع الدولة لهذه الجماعات إلى انحسار هذا النمط من العنف. لكن برزت بعد ذلك ظاهرة العنف الجماهيري ذي “الطبيعة الطائفية” (هذا بالطبع إضافة إلى استمرار الرجعية السياسية ضد الأقباط ممثلة في قوى على رأسها الإخوان المسلمين).

الطائفية الاجتماعية، في الحقيقة، أشد خطورة من الطائفية السياسية. فـ”العدو” في الحالة الأولى هو قوة سياسية رجعية تحمّل الأقباط مسئولية أزمة المجتمع، وترى في إحراق كنائسهم وقتلهم مخرجا من تلك الأزمة. أما في الحالة الثانية فالعدو هو “الجماهير” ذاتها بعد أن تغلغل في أوساطها، بتأثير القوى السياسية الرجعية، وبتأثير أجهزة ومؤسسات مختلفة، وتحت ضغط الأزمة الهائل، أن السبب في شقائها هو قسم آخر من كادحي المجتمع اسمه الأقباط.

ولنفهم الآلية التي تفتح بها هذه الشرارة الأولى الطريق أمام نيران الغضب المكبوت، لابد من تأمل أماكن اشتعال الحريق. فلو تتبعنا أحداث العنف الديني التي وقعت خلال السنوات السبع الماضية، لوجدناها حدثت في مناطق تتراوح بين مناطق حضرية عشوائية، تعيش فيها الطبقات الوسطى الصغيرة والطبقات المهمشة ذات الجذور الريفية (العصافرة قبلي)، أو مناطق ريفية حيث يعيش الموظفين الريفيين والفلاحين (قرى الشرقية والفيوم والمنيا)، حيث يتجلى أثر سياسات القمع والتجويع الذي انتهجها نظام مبارك.

ففي هذه المناطق تنتشر كل مظاهر بؤس الحياة: البطالة، الفقر، سيادة السكن العشوائي، غياب البنية الأساسية. كما يظهر عنف أجهزة الدولة القمعية في أبشع صوره. وفي ظل الانسحاق وعدم القدرة على الإنجاز أو التغيير يتولد فائض غضب وينمو دون أن يجد منافذ ينساب خلالها سوى التوحّد حول الدين. فالدين يصبح تعبيرا عن الذات وإثباتا لوجودها، ومن خلاله يمكن تحقيق نجاحات في مواجهة الفشل في التغيير. فيأخذ الاحتجاج أو التعبير عن السخط شكل الوجه الديني بعد خلق “عدو قريب” يسهل إنزال هزيمة به.

وقد أدت السياسة الأمنية الصارمة المضادة للراديكالية الإسلامية ومؤسساتها السياسية إلى الانزواء التام لمنظماتها. لكن صعد في نفس المرحلة، وحتى يومنا هذا، تيار فكري-اجتماعي من قلب الطبقة الوسطى الجديدة، وفي أوساط البرجوازية الصغيرة بكافة قطاعاتها، فرض نوعا من التدين ركّز على الطقوس والشكليات بدءا من لغة التخاطب والتعامل اليومي إلى أنظمة الزي إلى كافة مناحي الحياة. وقد ترتب على ذلك تمييز لا تخطئه عين بين المصريين على أساس الدين: في الملبس والعادات وأساليب الحياة .

التناحر في قلب المجتمع، الإفقار والبطالة والعشوائيات، يخلق الغضب ويفرض البحث عن مخارج روحية ومادية. هنا يتدخل ليس فقط المحافظون والرجعيون، ولكن أيضا رأس المال! فوفقا لقانون الربح يتجه رأس المال إلى بيع سلعة جديدة مربحة اسمها: الفقه الرجعي والمحافظ في الفضائيات والكتب والسي دي وغيرها من الوسائط. هذا بالضبط ما نراه اليوم؛ سيل هائل من البرامج الفقهية والدينية تبيع سلعة الفتاوى لطائفة من “المستهلكين” المتدينين تتسع يوما وراء يوم، وتبحث عن “رأي الدين” في كل مناحي الحياة من أتفهها إلى أكثرها خطورة.

من ناحية أخرى، كرس ذلك الوضع تناسل الأساطير والصور النمطية حول أنشطة الأقباط داخل الكنائس، ومن بينها أوهام وأكاذيب حول السلاح والذهب داخل الكنائس، وبروز الشائعات حول التحوّل الديني، ولا سيما للفتيات، حيث يتضافر العرض والشرف والدين لإثارة المشاعر والقيم التقليدية الذكورية المحافظة.

كل ذلك بالطبع “تحابيش” وليس على الإطلاق جوهر الموضوع. جوهر الموضوع هو تحميل طرف من أطراف معادلة القهر المسئولية في قهر طرف آخر. لكن هذه التحابيش هي “وسائط” تحويل الأساس الاجتماعي إلى ظاهرة ثقافية يومية يعيشها المصريون على أوسع نطاق.

الأقباط بين الدولة والكنيسة
ترتب على استئثار الأجهزة الأمنية بالملف القبطي بروز تعاون وبعض أشكال التحالف بين رجال الأمن ورجال المؤسسة الدينية المسيحية من أجل إيجاد حلول لبعض المشكلات “الطائفية”. فبالنسبة لعقلية ضابط أمن الدولة، ما أسهل التعامل مع شخص واحد بدلا من فئة كاملة بكل تناقضاتها، خاصة لو كان يستطيع الضغط على هذا الشخص. أما بالنسبة لرجل الدين، فهل هناك أفضل من وضعية ممثل “الشعب القبطي”؟

لم يبرز قادة المؤسسة الدينية، البطريرك والمطارنة والأساقفة والقمامصة، كممثلين سياسيين للأقباط لدى النظام فحسب، بل امتد سلطانهم الديني على الأقباط إلى المجال الثقافي والاجتماعي والفردي. ففي ظل مناخ عام يتأسلم اجتماعيا وطقوسيا ورمزيا، تحولت الكنيسة لفضاء مواز للطبقات الشعبية والوسطى القبطية بحثا عن الحماية بالاعتصام بالمؤسسة وقادتها.

هذه السطوة، دون إغفال انتشار ثقافة التظاهر التي سادت بدءا من مظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية في 2000 وحتى مظاهرات حركة التغيير، سهّلت تحريك الشباب للتظاهر في المقر البابوي وبعض الكنائس كورقة ضغط في مواجهة الدولة وجهازها الأمني في أول مظاهرات في العصر الحديث تحمل الصليب وترفع شعارات تعبر عن شعور عميق بعدم المساواة وانعدام العدالة وتكافؤ الفرص، مع ربط ذلك مباشرة بسياسات النظام ورموزه. وكان تسليم وفاء قسطنطين للكنيسة دليلا على أن ورقة الضغط تلك يمكن أن تكون ناجحة.

ومع صعود القطاع الخاص الصناعي والخدمي وانتشار ظاهرة المؤسسات التي لا تشغل إلا عمالا مسيحيين أو مسلمين، لعبت الكنيسة الدور الرئيسي كمورد للعمالة المسيحية الرخيصة للبرجوازية القبطية. الفقراء يلجأون للكنيسة بحثا عن عمل، والبرجوازية تلجأ للكنيسة بحثا عن العمالة الرخيصة. ولا يقتصر الأمر على عمال المصانع والشركات، بل يمتد للخدم والحراس والمربيات في قصور الأغنياء. هذا مع الوضع في الاعتبار حقيقة لا يمكن إغفال تأثيرها: أن الممول الرئيسي للكنيسة المصرية هو البرجوازية القبطية. هذه الحقيقة هي أساس استقلال الكنيسة عن الدولة. لكن هي أيضا أساس ارتباطها بالرأسمالية وتوازناتها ومخاوفها، سواء في داخل المجتمع القبطي، أو في المجتمع بأسره.

أقباط المهجر
لكن سطوة الكنيسة المصرية لم تنمو على المستوى الداخلي فقط. فخلال العقد الأخير، شهدت الكنيسة المصرية امتدادا جغرافيا هو الأوسع في تاريخها. ازدياد عدد الكنائس في المهجر تم تحت شعار منع “الأبناء” من الذوبان في مذاهب غربية. ولم يتناف هذا الشعار بالطبع مع إرسال الجيل الجديد من رجال الدين للدراسة والتدريب في أوروبا وأمريكا! إلى جانب الاستفادة من التبرعات الخيرية للـ”أبناء” في المهجر! والتفاعل مع القطب الجديد للقوة المتمثل في نشطاء الجمعيات القبطية، مما منح المؤسسة الدينية ورقة جديدة للضغط!

تحول أقباط المهجر إلى أسطورة شريرة في مخيلة كثير من المصريين المسلمين. اعتبروهم كتلة صماء تلاشت خلالها جذورهم الاجتماعية، وانتماءاتهم السياسية، وأجيالهم المختلفة، بل تلاشى حتى الحد الفاصل بين الجمعيات النشطة وحجم عضوياتها، ومجموع أقباط المهجر عموما.

قبل الحديث عن دور أقباط المهجر يجب أن نتوقف عند الجذور الاجتماعية لهؤلاء لنعرف أي مصالح يمثلون. كما لا بد من التعرف على أسباب هذه الهجرة: هل كانت بهدف تهريب الثروة، أو بحثا عن الرزق والفرص، أو ابتعادا عن واقع طارد ملبد بالتوتر؟

وفي تتبع موجات الهجرات المتتالية، نجد أن هجرة المسيحيين غير الأقباط وغير ذوي الأصول المصرية إلى خارج مصر قد بدأت فعليا بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذه الهجرة لم تتحول لموجة واسعة النطاق إلا عقب قيام ثورة يوليو مباشرة. كان هؤلاء في حقيقة الأمر لا يعتبرون أنفسهم مصريين، وكانت مصالحهم مرتبطة بالمصالح الأوروبية، وعندما أصبح حكم البلاد فجأة في يد مجموعة من الضباط الصغار “الوطنيين”، شعروا أن المستقبل لم يعد في صالحهم.

من ناحية أخرى، استفاد الأقباط من أبناء الطبقة الوسطى من مجانية التعليم والتوسع في التوظيف، كما استفاد الفلاحين والعمال الأقباط من قوانين يوليو والإصلاح الزراعي. لكن علاقة قادة النظام الجدد بالإخوان المسلمين في أول أيامه كانت عاملا في إثارة شكوك النخبة المصرية القبطية حول طبيعة توجهاته. كما أثرت حركة الإصلاح الزراعي والتأميمات على أوضاع الإقطاعيين والرأسماليين والطبقات الوسطى والعليا من الأقباط، وشكل هؤلاء قوام الموجة الثانية من الأقباط المهاجرين. لكن نلحظ أن هجرات هؤلاء لم تكن طائفية، بل طبقية، أي لمخاوف من الآثار الاقتصادية لسياسات نظام يوليو، وهو أمر دفع أيضا كثير من أغنياء المسلمين إلى الهجرة خارج مصر في سنوات الخمسينات والستينات.

وعندما أسقطت الدولة المصرية كافة القيود المفروضة على هجرة المصريين، هاجرت أعداد ضخمة من الأقباط، مكونة الجاليات القبطية الأرثوذكسية في البلاد الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا. وكان من بين هؤلاء طائفة متنوعة من الأكاديميين والمثقفين تركوا بلادهم كرد فعل للجوء الدولة للدين منذ هزيمة يونيو 1967، ثم استخدام السادات له كأداة للشرعية ولإعادة بناء التوازن السياسي في محاربة الناصريين والماركسيين، وما تضمنه ذلك من تصالح مع الإخوان بعد حرب أكتوبر. وبانطلاق حركات العنف الإسلامية، انضم لصفوف المهاجرين أقباط من كافة شرائح الطبقة الوسطى، لينضم لهؤلاء مؤخرا شباب أقباط من الطبقة الدنيا والوسطى بحثا عن الرزق بعد أن انقطعت سبله، على أثر تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة إضافة إلى تعرضهم لعراقيل في العمل والوظائف بسبب انتمائهم الديني.

المهم في هذا كله أن القوام الاجتماعي لأقباط المهجر أعلى طبقيا من الوضع السائد بين أقباط مصر. لكن هذا لا يعني أن أقباط المهجر كتلة صماء. فعندما نتحدث عن أقباط المهجر، فإننا نتحدث في الواقع عن نشطاء الجمعيات القبطية. فعموم الأقباط المهاجرين هم أغلبية صامتة. أما النشطاء فهم ينقسمون إلى تيارين، أحدهما متشدد يرى دورا مركزيا للتدخل الإمبريالي في حل مشكلة الأقباط، والثاني “معتدل” يبحث عن آلية توازن بين الدولة والإمبريالية والكنيسة!

مثلا يفضل مايكل منير رئيس منظمة أقباط المهجر، وهو رجل أعمال شاب ناجح ويحتفظ بعلاقات واسعة مع الكونجرس، تقديم نفسه على أنه من فريق الاعتدال. أما عدلي يوسف أبادير، رئيس “منظمة أقباط متحدون” وصاحب فكرة المؤتمر القبطي الذي عقدت دورته الأولى في زيورخ والثانية في واشنطن، فينتمي إلى فصيل الصقور من جيل الشيوخ، الذين عاصروا عدة تجارب مع الحكومة المصرية واكتشفوا أن دفع قضيتهم عبر الكنيسة أو عبر مؤسسات النظام المحلية قد فشل، في حين وجدوا لأصواتهم صدى في عواصم الشمال.

سياسة أقباط المهجر، التي برزت كنتيجة لأزمة التمثيل السياسي للأقباط، تلعب دورا في تأجيج الصراع وحرفه عن مساره. فهم – لأسباب اجتماعية وجغرافية واضحة – لا يطرحون حلولا جماهيرية للأزمة، ولا يربطون بين النضال التحرري في مصر عموما، وبين معركة الأقباط من أجل التحرر. بل على العكس تماما، هم، في أحسن الأحوال، يستغلون مساحات الضغط بين الإمبريالية والنظام من أجل تمرير مطالب قبطية، وهو ما يزكي شعورا لدى قطاعات مسلمة بأن ثمة استقواء قبطي-غربي ضد المسلمين. إن أمثال عم نصحي في الإسكندرية ويوسف عريان في بمها، هم الذين يدفعون ثمن طموح عادلي أبادير ومايكل منير ومجدي خليل الذين لا يمثلون إلا أنفسهم. فلا شيء في الواقع يجمعهم بفقراء الأقباط المصريين، ولا حتى بعموم أقباط المهجر.

نشطاء الأقباط في الداخل
هناك عناصر قبطية نشطة في مجال حقوق الإنسان. هؤلاء مجموعة من المحترفين يعيدون إنتاج التمييزات الدينية، دون أن يكون لمنظماتهم أي قاعدة في صفوف الأقباط. ويتسم هؤلاء بالذيلية للمؤسسة الدينية الرسمية. باختصار يمكن اعتبارهم “طفيل سياسي”.

وهناك تيار يساري يقوده الأب اليسوعي وليم سيدهم المتأثر بتجربة “لاهوت التحرير” في أمريكا الجنوبية. يمكن تلخيص ما ينادي به في مقولة أوسكار روميرو: “الإيمان الذي يكتفي بحضور قدّاس الأحد ويرضى بالظلم طوال الأسبوع لا يقبله الله”. هي إذن محاولة لتثوير الديانة المسيحية عبّر عنها في كتب مثل: “لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية” و”كلام في الدين والسياسة”. ولكن هذا التيار في النهاية لا يتجاوز كونه تيار فكري، تأثر به شباب الكاثوليك وبعض الطوائف الأخرى.

وفي ظل الحراك السياسي الذي شهدته مصر خلال السنوات الثلاثة الماضية ظهر “التيار العلماني”، طارحا مشاكل الأقباط في مصر برؤية ولغة مختلفة، أثارت ضد رموزه هجوما شديدا، بل واتهامات بالعمالة للإمبريالية، والصهيونية، وأمن الدولة، بل والإخوان المسلمين! نظم هذا التيار مؤتمرين تحت مسمى مؤتمر العلمانيين. ويهتم أساسا بإصلاح الكنيسة الأرثوذكسية. فهو يدعو لوضع قواعد لاختيار البطريرك وتحجيم دور رجال الدين لينحصر في الدعوة والعبادة وتفعيل دور المجالس الملية وتولي العلمانيين إدارة الكنائس كمؤسسات جماهيرية وتوقف الكنيسة عن تنظيم أي أنشطة تخرج عن نطاق العبادة لدفع الشباب القبطي للخروج إلى المجتمع والاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية، وغير ذلك من المطالب المطروحة في مواجهة الكنيسة والمؤسسة الدينية أكثر من كونها في مواجهة الاضطهاد الذي يلاقيه الأقباط في المجتمع.

البديل الجماهيري
لدى بعض اليسار الوطني المصري ولع بإحالة ظاهرة العنف الديني إلى مؤامرة خارجية. ولدى البعض الآخر ميل إلى تبسيط النزاعات وإحالتها لحوادث فردية في محاولة لنزع الطابع الاجتماعي-السياسي عنها. بينما يميل آخرون لإذابة المشكلة القبطية في المشكلة العامة للمصريين، وفي هذا اختزال مخل. ففقراء الأقباط يخوضون معركتين، واحدة ضد الاستغلال والثانية ضد الاضطهاد الديني. وأخيرا هناك من يطرحون رؤية علمانية ليبرالية للأزمة بوصفها، أساسا، أزمة مواطنة، وليست أزمة مرتبطة في جذرها بالصراع الطبقي، وحلها يرتبط بتطوراته.

على حسب ما ترى أصل المشكلة ومضمونها، سترى الطريق إلى حلها. فإذا كنت ترى أن جذر الانقسامات العمودية في المجتمعات هو إحالة سبب مشكلة الاستغلال والاضطهاد إلى “عدو من بين صفوفنا”، فإنك سترى، غالبا، أن مفتاح الحل هو في النضال المشترك بين فئات المستغلين ضد من يستغلونهم. عبر هذا النضال ستنكسر حواجز وسيكتشف الطرفان أنهما يحتاجان بعضهما البعض حتى يحققا النصر ضد العدو المشترك.

لكن هذا المنهج لا يعني إذابة مشكلة الاضطهاد الطائفي في المشكلة الطبقية العامة. كل يساري مناضل لابد أن يسعى، بكل الأدوات المتاحة لديه، أثناء كل معركة اجتماعية وسياسية، إلى الدفاع الواعي عن توحيد “طوائف” المناضلين من أجل الحقوق. ليس هذا فقط، بل إن هناك ضرورة للدعوة لأخذ مبادرات من جانب أبناء الطائفة الأكبر لكسر أي عقبات أمام الوحدة. فعندما يصدر عمال المحلة بيان تضامن مع طبيبة مسيحية منعت من التعيين في الجامعة بسبب دينها، وعندما يشارك الصيادلة المسلمون في وقفة احتجاجية تصامنا مع صيدلي قبطي أحترقت صيدليته في حادث عنف ديني، وعندما يقف أساتذة الجامعات الأقباط في المهجر ضد تزوير انتخابات نوادي هيئات التدريس في مصر، وعندما يشارك فقراء الأقباط في مظاهرة ضد محاكمة الإخوان المسلمون أمام محاكم عسكرية، وقتها فقط سيتحرر الأقباط، وسنتحرر جميعا.