بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

"النبأ" ومظاهرات الأقباط

من وراء اضطهاد الأقباط؟

جاء شهر يونيو ليشهد تفجر ثورة الرفض القبطي في صورة مظاهرات حاشدة من آلاف الشباب الغاضب المطالب بإغلاق جريدة “النبأ” ومحاكمة رئيس تحريرها. حيث كانت الجريدة قد نشرت تحقيقًا حول أحد الرهبان المخلوعين في دير المحرق يستغل سلطته الدينية في إقامة علاقات جنسية مع المترددات على الدير، ثم يقوم بابتزازهن. نشرت الصحيفة الموضوع مصحوب بصور جنسية للراهب مع إحدى السيدات اللاتي بابتزازهن، والتي قدمت بلاغًا لنيابة أمن الدولة ضده.

أثار التحقيق ثورة الأقباط في مصر، خاصة وأنه اتهم. الراهب بالقيام بهذه الممارسات داخل الدير، ولم يذكر أن الراهب قد تم خلعه منذ سنوات. وبالتالي فقد اعتبر الرأي العام القبطي الموضوع إهانة لرجال الدين المسيحي وللمقدسات القبطية. فكان أن استمرت المظاهرات في الكاتدرائية حوالي خمسة أيام، وتصاعدت حدتها وصلت إلى حد هجوم الأمن على المتظاهرين مما أسفر عن إصابة أعداد من الجانبين، وبالطبع اعتقال مجموعة من الشباب المتظاهر.

تحركت الدولة سريعًا لتحتوي الأزمة “في حدود مأمونة”. فقد استخدمت – من وراء – “أدواتها القانونية” لتطويق الموقف بدءًا من اجتماعات متكررة للمجلس الأعلى للصحافة أدانت الصحيفة وحركت ضدها دعاوى إغلاق، ومرورًا بتحركات من قادة نقابة الصحفيين، وانتهاء بمحاكمة سريعة أصدرها حكمًا بإغلاق الصحيفة حتى إشعار آخر.

تثير هذه الأحداث المتلاحقة العديد من التساؤلات الهامة. فهاهم الأقباط المصريون يخرجون في مظاهرات جماهيرية “قبطية” لأول مرة منذ عقود طويلة. وهاهي الدولة المصرية تخرج وتسعى لاحتواء الأزمة من خلال مجموعة من الإجراءات العاجلة. ثم إن الموضوع فتح مجددًا ملفي اضطهاد الأقباط وما يطلق عليه “الصحافة الصفراء” بتقاطعاتهما وتعقيداتهما المختلفة.

وربما نفهم الأحداث بشكل أفضل إذًَا بدأنا من البداية الصحيحة. فالواقع أن غضب سباب الأقباط، الذي عبر عن نفسه لأول مرة بهذه الحدة، لم يكن بالضبط موجهًا ضد مهران وصحيفته، بالرغم من أنهما كانا الهدف الظاهر أثناء الأحداث. القراءة المتمعنة للخلفيات تؤكد أن الموضوع المنشور في صحفية “النبأ” كان مجرد عود الثقاب الذي أشعل الغضب المتراكم في الصدور.

فقد جاءت حادثة “النبأ” لتخرج إلى السطح مشاعر الرفض القبطي لكل مظاهر الاضطهاد والتهميش، من حرمان من الوظائف إلى تقييدات في بناء الكنائس وفي ممارسة الشعائر إلى غيرها من الأمور، وهي مظاهر نمت وتفاقمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وفي كل منعطف كانت الدولة – رأس الأفعى – تطل بصفتها مسئول أساسي عن اضطهاد الأقباط وعن تغذية الانقسام الطائفي في المجتمع. وربما ترجع البداية حتى إلى ما قبل عهد أنور السادات. حيث أن الثابت أن نظام عبد الناصر بدأ – بالذات بعد الهزيمة المدوية في 67 – يلعب على أوتار المشاعر الدينية من أجل توجيه الغضب الشعبي بعيدًا عن السلطة ثم أتى السادات واستخدم لعبة التوازنات الدينية لمواجهة خصومه وتثبيت أقدامه. وقد ورث مبارك هذا التراث وعززه وأعطاه شكلاً مؤسسيًا، بحيث أصبح كل منصب يعطي لقبطي للتأكيد على حيادية الدولة إزاء مسألة الانتماء الديني للمواطنين بمثابة دليل على النزعة الطائفية التي تسحق وتهمش الأقباط لمصلحة توازنات الدولة.

وكما نعلم، فقد كانت سنوات أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من أسوأ المراحل التي مرت على مصر في تاريخها السياسي والاقتصادي. في هذه السنوات تسارعت سياسات الإفقار، وانخفضت مستويات الأجور والدخول، وصعدت الدولة من حملتها على الحركات الإسلامية. في هذه المرحلة بالتحديد زاد اضطهاد الأقباط سواء من جانب الإسلاميين أو من جانب جهاز الدولة الذي سعى من ناحية أولى لسحب من تحت الإسلاميين وللمزايدة عليهم، وسعى من ناحية ثانية لتوجيه الغضب بعيدًا عن سياساته المتسببة في الإفقار والاضطهاد معًا.

في هذا السياق يمكننا أن نفهم مظاهرات الأقباط. وفي هذا السياق أيضًا يمكننا أن نفهم أحداث الكشح وصنبو وغيرهم. على أن الشيء المؤسف حقًا – والخطر الحقيقي – أن حركة الأقباط في مواجهة الاضطهاد الذي يعانونه تأخذ منحى رجعيًا متزايدًا. المظاهرات الأخيرة كشف مدى توغل هذا المنحى الرجعي. حيث ترددت أثناءها شعارات تستجد ليس فقط بالكنيسة، وإنما أيضًا بالولايات المتحدة وإسرائيل.

يعكس هذا المنحى الرجعي نجاح الحل الذي تطرحه قوى رجعية – ينتمي معظمها إلى شرائح صاعدة من الطبقة الوسطى – في تثبيت أقدامه. يقوم هذا الحل على الاستنجاد بالإمبريالية العالمية لحل المسألة القبطية. وتتمركز عناصره في كل من الولايات المتحدة وكندا. وتجد تمويلها من بعض ميسوري الطبقة الوسطى هناك. أما مؤيديها الرئيسيين هنا في مصر فهم – فيما يبدو – من نفس الطبقة. وبالتأكيد لا يمكن إنكار أن هذا الحل الرجعي للمسألة قد وجد لنفسه مكانًا تحت الشمس، بالضبط بسبب حالة التراجع في الصراع الطبقي في الحركات الجماهيرية والتنظيمات اليسارية.

على جانب آخر – وهو في الحقيقة جانب تقاطع مسألة اضطهاد الأقباط مع مسألة حرية الصحافة – شهدت المظاهرات وجهًا آخر للتأثيرات الرجعية على حركة الأقباط؛ نعني بذلك رفع مطلب إغلاق جريدة النبأ بقانون الطوارئ. هذا المطلب ليس فقط بتناقض – كما هو مفترض – مع منطق حركة تطالب بالتحرر من القمع والاضطهاد، وإنما أيضًا سيؤدي إذا ما تمت الاستجابة إليه إلى ازدياد الحصار والقمع ضد الأقباط وحركتهم ذاتها.

وبمقدار التناقض بين مطلب التحرر من ناحية وبين التأثيرات الرجعية من ناحية أخرى كانت مظاهرات الأقباط متناقضة هي الأخرى في شعاراتها ومطالبها. كان واضحًا أن المتظاهرين يحملون الدولة – عن حق – مسئولية الوضع السيئ الذي يعاني منه الأقباط. ولكن كان واضحًا أيضًا أنهم – إضافة إلى التأثير بالموقف الرجعي عن دول الإمبريالية في حل المسألة – ملتفين حول الكنيسة بدلاً من التفافهم حول قوى سياسية – اجتماعية ترفع حلاً يربط القضية القبطية بكافة مظاهر الاضطهاد والاستغلال في المجتمع. المسألة المثارة هنا ليست في الكنيسة في حد ذاتها، كما يحلو لبعض “العلمانيين” أن يطرحوا، ولكن السياسة التي تتبعها الكنيسة والتي تقوم على لعبة التوازنات من أعلى مع رموز النظام، إضافة إلى إحكام سياج من العزلة على الأقباط بعيدًا عن السياسية وعن الصراع الاجتماعي وعن مشاريع الطبقات التقدمية.

ومن المساخر أن الدولة المصرية ظهرت أثناء الأحداث – على الأقل بالنسبة للبعض – بوصفها حامية حمى الديمقراطية. فمبارك هو الذي رفض تفعيل قانون الطوارئ. ومبارك هو الذي أكد سيادة القانون وحرية الصحافة. ثم أن مبارك هو الذي يحمي الأقباط والمسلمين. كل هذا بالطبع هراء. فبعيد عن حقيقة أن الدولة كانت – ولا تزال – هي المصدر الرئيسي لاضطهاد الأقباط، نرى أن لعبة إدارة التوازنات التي شاهدناها أيان الأحداث تصب بدون شكل في مصلحة الحكام يمثلونهن ففي ظل انقسام بدأ أنه بين طوائف المجتمع، طرحت الدولة فيها بوصفها حكمًا – وليس سببًا – بين أطرافه. وظهرت الدولة – بانتهازيتها وتلاعبها – كحكم يرسى الديمقراطية ويدافع عن الأقباط في نفس الوقت. و”ذوق البيعة” استطاعت الدولة، وهي تقف بعيدًا عن الأحداث، أن تعبئ المشاعر المحافظة ضد حرية الصحافة وكافة الحريات. فما أجمل النتيجة التي وصلت لها الدولة عبر لعبة التوازنات الحقيرة.

غير أن الدولة التي طرحت نفسها كحامية لحرية الصحافة، هي نفسها التي أغلقت “الدستور” و”الشعب” وعشرات من الصحف المحلية. وهي نفسها التي استغلت حادثة النبأ لإغلاق الصحيفة ولتعزيز مواقف أنصار قمع حرية الصحافة. وفي كل ذلك كانت الدولة لا تسعى وراء الحرية أو غيره، وإنما تسعى وراء مصالحها وتوازناتها. وبالطبع ليس حتميًا أن تنجح لعبة التوازنات الخاصة بالدولة في كل مرة. فأحيانًا تنفلت الأمر من عقالها، وأحيانًا ينقلب السحر على الساحر حينما تمارس الإمبريالية ضغوطها باستخدام ورقة الأقباط. ولكن في كل الأحوال فإن المنطق يظل هو نفسه: توازنات جهاز دولة يحمى ويعزز قمع الحريات واضطهاد الأقباط.

المخرج من هذه الدائرة الجهنمية لن يكون أبدًا من خلال التعبئة الرجعية. وإنما البديل الجذري هو الحل. وجوهر هذا البديل ينهض على تحديد العدو الحقيقي لحرية الأقباط والمستفيد الحقيقي من اضطهادهم: الدولة والرجعيون. ومن ثم يكون ممكنًا تغيير طبيعة المعركة من معركة بين طوائف المجتمع، إلى معركة المضطهدين جميعًا ضد سلطة القهر والاستغلال.