بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من يدفع ثمن الحرية؟

في مقال بعنوان “ثمن الحرية”يتحدث الكاتب الأمريكي صامويل هنتنجتون، صاحب كتاب صدام الحضارات عن تلازم أصيل بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية. ويؤكد أن التحول إلى الرأسمالية ونظام السوق الحر، يؤدي إلى حرية سياسية. ثم يشير إلى أن التحول الاقتصادي يحتاج إلى سنوات طويلة، كما أن نتائجه غير مستحبة بالنسبة للشعوب التي تمر بتجربة التحول، بينما يحدث التغير السياسي في يوم وليلة، بمجرد تنظيم انتخابات نزيهة، ويؤدي هذا إلى بهجة عامة. أي أن تنظيم الانتخابات أسهل وأسرع بكثير من تنظيم الأسواق.

ويرصد الكاتب ثلاثة أشكال للتحول: الأول يتزامن فيه التحول الاقتصادي والسياسي، والثاني يحدث فيه التحول السياسي ثم يليه الاقتصادي، بينما الشكل الأخير يحدث فيه التحول الاقتصادي ثم يليه التحول السياسي. وفي معرض نقاشه للأشكال الثلاثة يرى أن حدوث التحول السياسي أولا، يساعد جماعات الضغط الشعبية على الحركة وقد تؤدي حركتها إلى عرقلة التحول إلى نظام السوق إن لم تستطع منعه، لهذا هو لا يرجح هذا الشكل.

ويرى أن تزامن التحول صعب الحدوث ويحتاج إلى حكومة تحظى بتأييد شعبي، قادرة على اتخاذ قرارات سريعة للتحول نحو اقتصاد السوق الحر، ثم تعالج الآثار المترتبة على هذه القرارات فيما بعد. يبقى الشكل الثالث والأخير الذي يتم فيه التحول الاقتصادي تحت إشراف نظام قمعي، قادر على قمع أي حركات معارضة قد تعوق التحول. وثم يشير الكاتب إلى أن هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه الشعوب الراغبة في الحرية.

من يدفع ثمن هذه الحرية المزعومة سوى الفقراء وحدهم. وإذا كان هنتنجتون وغيره من الكتاب يروجون لرخاء قادم بعد سنوات الحرمان، فإن الحقائق على الأرض تشير إلى عكس ذلك. فكل الدول التي مرت بتجربة التحول لاقتصاد السوق لم تعرف هذا الرخاء، إلا إذا اعتبرنا تضاعف ثروات الأغنياء في وقت قياسي رخاء. فلقد انتهى مفهوم دولة الرفاه الاجتماعي في الغرب منذ نهاية السبعينات، وتصاعدت سطوة سياسات اللبيرالية الجديدة أثناء وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقبل أن تبدأ عمليات التحول نحو سياسات السوق. ويمكن أن نرصد نتائج هذه السياسات في دولة كمصر التي بدأت التحول الاقتصادي فعليا في بداية التسعينات تجلت في ارتفاع الأسعار وزيادة أعداد العاطلين وتعاظم نسبة الفقر والتراجع في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم بسبب تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي. أضف إلى ذلك أزمات الخبز ومواد البناء وتزايد الممارسات الاحتكارية. ثم تأتي الأزمات العالمية، التي تلقي بظلالها على فقراء العالم، كأزمة الطاقة والغذاء.

وهذا المقال ينطوي على مغالطة خطيرة، إذ يشير هنتنجتون، وغيره من الكتاب والمفكرين، إلى تلازم بنائي بين الرأسمالية والديمقراطية، وهو تلازم تهدمه نظرة واحدة لخريطة العالم وإحصاء عدد الدول الرأسمالية التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية. بالإضافة إلى نماذج تاريخية واضحة مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، كما أن هناك العديد من الدول التي أنجزت التحول الاقتصادي، أو على وشك إنجازه دون أي تقدم سياسي واضح.   الأخطر والأهم أن الديمقراطية الموعودة على النمط الغربي تشبه إلى حد كبير ديمقراطية البولس اليونانية القديمة التي كانت تستبعد الفقراء والنساء والعبيد وبعدها يحكم بقية السكان المدينة بالتناوب. وهو ما نراه من سيطرة الشركات ومجموعات المصالح على الحكم في دول الغرب كافة، حيث تبقى حرية الحركة والتعبير متاحة في ما لا يتعارض مع مصالح الشركات.

فحكومات الغرب تدعم أنظمة قمعية، وتدعم انقلابات عسكرية وتتدخل عسكريا حسب مصالحها والأمثلة كثيرة والتغاضي عنها من قبل المدافعين عن الغرب هو تزييف للحقائق. كما أنها لا تخدم شعوب الغرب بل تخدم مصالح الشركات المتحكمة في هذه الحكومات، فالمظاهرات الحاشدة في الغرب ضد الحرب على العراق، رغم المعلومات الكاذبة عن خطر العراق على العالم لامتلاكه أسلحة نووية، لتعتبر دليلا واضحا على تحرك حكومات الغرب ضد إرادة شعوبها. كما أن للديمقراطية الغربية أنياب، ظهرت في قمع متظاهري سياتل ومعتقلات جونتانامو وأبو غريب، وقبلها لجنة مكارثي، وما خفي أعظم.

و رغم نشر هذا المقال في التسعينيات، إلا أنه يعتبر كاشفاً لعقلية الرأسمالية العالمية، و استراتيجيتها في التعامل مع الدول التي تسعى إلى هيكلة اقتصادها. كما يحمل المقال في طياته تحذيراً لنا في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ مصر بعد ثورة يناير . إذ يوجه هنتنجتون نصيحته للأنظمة التي فشلت في إنجاز التحول بشكل كامل في ظل الديكتاتورية، أن تستغل لحظة الابتهاج الشعبي بالديموقراطية القادمة لتنجز التحول بسرعة قبل أن تتشكل مجموعات ضغط قد تعرقله .

المخيف أن أصداء هذه النصيحة تتردد الآن في مقر مجلس الوزراء الانتقالي، فبعد قانون تجريم الاحتجاجات الاجتماعية صرح وزير التعليم بضرورة التمسك بمجانية التعليم حتى المرحلة الثانوية، وبعدها بأيام ظهرت نفس العبارة كتوصية عن مؤتمر الحوار الوطني !!. وهي إشارة لرفع المجانية عن التعليم الجامعي ، مما يذكرنا بفكرة جمال مبارك ولجنة سياساته عن تطبيق نظام الساعات المعتمدة والتي كانت تهدف إلى رفع المجانية عن التعليم الجامعي، وتحويله إلى سلعة لا يحصل عليها إلا أبناء الأغنياء.

هل تفكر حكومة الثورة في إتمام ما فشل فيه جمال مبارك في مجال التعليم؟! هذا مجرد تساؤل منبعه قلق متزايد من طريقة تعامل الحكومة مع ملفات كثيرة، أهمها ملف رجال الأعمال منذ مشروع الدكتور يحيى الجمل للمصالحة مع رجال النظام القديم، ثم تصريح رئيس الوزراء أثناء زيارته للكويت عن عدم مطاردة رجال الأعمال والاكتفاء بمعاقبة الفاسدين من رجال الإدارة فقط. ثم محاولات وزارة الزراعة تسوية أوضاع المستثمرين!! الذين نهبوا آلاف الأفدنة. كما أن الاقتراض من صندوق النقد الدولي بشروطه سيئة السمعة، والتردد في فرض ضرائب تصاعدية، ومصادرة ما نهب (نهب بمعنى الكلمة) من مصانع مصر وأراضيها، وغير ذلك من التفاصيل الصغيرة التي قد تضيع في مشهد كبير ، يضع الكثيرين في حيرة شديدة. ويطرح سؤالاً كبيراً ومربكاً : هل تقوم الثورات وتضحي الشعوب ليدفع الفقراء ثمن حرية الأغنياء في رسم سياسات وتشكيل حكومات تزيدهم فقراً إلى أجل غير معلوم ؟!