بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من يضطهد الأقباط؟

خلال الأشهر الماضية برزت المشكلة الطائفية في مصر ربما بشكل غير مسبوق منذ عدة سنوات. تناقش “أوراق اشتراكية” للمرة الأولى قضية الأقباط من خلال التصور الذي يقدمه يحيى فكري لمعنى اضطهاد الأقباط والتصور الاشتراكي الذي يرى تحرر الأقليات في سياق تحرر جميع المضطهدين في المجتمع.

في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1998 نشرت جريدة الأهرام في صفحتها الأولى الخبر التالي: “نفى أحمد عبد العزيز بكر محافظ سوهاج ما تناولته وسائل الإعلام الأجنبية بشأن حادثة قرية الكشح مركز دار السلام. وأشار إلى أن هذه الواقعة جنائية بحتة وتم ضبط المتهم فيها وإحالته إلى جهات التحقيق التي باشرت عملها. وأصبحت الواقعة في حوزة القضاء وهو سلطة مستقلة مشهود لها بالحيدة والنزاهة. وأضاف أنه لا صحة لما تردد حول اضطهاد بعض أبناء القرية وتعذيب المشتبه في ارتكابهم حادث مصرع شابين من الأقباط، حيث إن المتهم فيها “قبطي” وهو ابن عم أحد المجني عليهما، واعترف بارتكاب الجريمة”..

هذا الخبر كان أول ما نشر في الصحافة الحكومية عن مذبحة الكشح! ففي فجر الخامس عشر من أغسطس عام 1998 قامت جيوش من قوات الأمن باقتحام قرية الكشح، التي تسكنها أغلبية مسيحية، وقاموا باعتقال 1200 فلاح مسيحي من سكانها بينهم العديد من النساء والأطفال وعائلات بأكملها، ذلك عقب مقتل اثنين من الفلاحين المسيحيين. مارست أجهزة الأمن تعذيبا وحشيا وعقابا جماعيا سافرا على المعتقلين (أثار ضجة كبيرة وقتها بسبب القدر الهائل من القسوة التي اتسم بها) وذلك لإجبارهم على الاعتراف بأن مرتكب جريمة القتل هو أحد المسيحيين من أقارب القتيلين وليس أحد المسلمين من سكان القرية، وحتى لا تستخدم حادثة القتل دعائيا كدلالة على اضطهاد المسيحيين في قرى الصعيد!

قصة الكشح بالطبع تحمل العديد من المفارقات المأساوية، إلا أن الإشارة هنا تتعلق بمفارقة النشر عن الأمر. فالأهرام (الصحيفة شبه الرسمية للنظام) تبدأ في النشر عن المذبحة بعد شهرين ونصف من بدايتها بخبر محدود (أقل من مائة كلمة) يبدو من صيغته أنه كتب في أحد مكاتب أمن الدولة، ولا يهتم إلا بنفي ما نشرته الصحافة الغربية عن الأمر، والتأكيد على أن كل الأمور تمام!! مفارقة النشر هذه تكشف بقدر معقول عن الطريقة التي ظل يتعامل بها النظام مع مسألة اضطهاد الأقباط في مصر على مدى عقود، وظلت معها المسألة من المحرمات التي لا تمس، حتى بدأت تنفجر أخيرا في وجه الجميع.

فهكذا يوجه النظام آلية قمعه ويمارس بشكل مباشر اضطهادا على مئات الفلاحين الفقراء المسيحيين ـ لأنهم مسيحيون وفقراء ـ حتى يخفي حقيقة وجود اضطهاد للمسيحيين في مصر! ويتعامل مع الأمر كأنه لم يكن، مكتفيا بترديد الشعارات الممجوجة عن وحدة الهلال والصليب، والأقباط الذين يشكلون جزءا من النسيج الوطني، ..الخ. ويضع إدارة المسألة القبطية برمتها في أيدي الداخلية وأجهزة قمعها، ولا يشغله من الأمر إلا ضغوط الإمبريالية وإعلامها التي تضطره أحيانا إلى الإعلان عما يجري، مؤكدا طول الوقت على أنه: لا صحة لما تردد!!

عام 2001 انفجر الغضب القبطي في مظاهرات كانت الأولى من نوعها، عندما تظاهر آلاف الشباب الأقباط داخل الكاتدرائية على إثر الخبر الذي نشرته “النبأ” عن أحد الرهبان المعزولين. مظاهرات 2001 كانت ذات دلالة أقوى بكثير من الحادث نفسه، فهي أكدت بوضوح على الغضب الكامن الذي لم يعد بالإمكان تجاهله. بالإضافة إلى توقيتها الذي صاحب حالة التجذير السياسي الناتج عن مظاهرات التضامن مع الانتفاضة وحملات جمع التبرعات لصالحها، والذي صاحب أيضا بداية انقلاب الإمبريالية على الأنظمة التابعة لها في المنطقة والضغط عليهم لتقديم إصلاحات واضحة.

مؤخرا انفجرت موجة أخرى من الغضب، فرضت على الجميع فتح الملف وكسر دائرة المحرمات. فالشهور الأخيرة شهدت تذمرا واسعا في صفوف الأقباط في عدة محافظات، أعقبتها المظاهرات التي حدثت داخل الكاتدرائية بالقاهرة، وأخيرا المظاهرات التي جرت في الفيوم. مسألة السيدة وفاء قسطنطين والفتيات الأخريات ومدى صحة إسلامهم من عدمه ليست هي القضية بالتأكيد، هي مجرد الشرارة التي أشعلت النار، أما الغضب فنابع من الاضطهاد الذي يعيشه الأقباط في مصر طوال عقود وقرون مضت، والذي يتم تجاهله والتعمية عليه دائما.. لكن دعونا أولا نطرح هذا السؤال:

هل الأقباط مضطهدون في مصر؟
قد يرى الكثير من الرفاق أن هذا السؤال ساذج، فواقع الاضطهاد حقيقة لا تخطئها عين! هم محقون بالطبع، لكن المدهش أن الكثيرين في مصر لا يرون هذه الحقيقة! المدهش أيضا أن هؤلاء الكثيرين ليسوا فقط من المسلمين، بل بينهم الكثير من المسيحيين الواقعين عمليا تحت هذا الاضطهاد! المدهش كذلك أن هؤلاء جميعا يصرون على ترديد تلك العبارات الفجة: أن الأقباط ليسوا أقلية مضطهدة، وإنما هم جزء من النسيج الوطني! والذين بينهم يرون واقع الاضطهاد ويصرون على عدم تسميته اضطهادا، وإنما هو مجرد “مشاكل” يواجهها الأقباط! هذه الأفكار لا تخص عامة الجمهور بقدر ما تدافع عنها أقسام من النخب السياسية من مختلف التيارات، بما فيها الأكثر نضالية وسط اليسار والناصريين، ناهيك بالطبع عن أنها الموقف المعلن والثابت للكنيسة القبطية الذي لا تتوانى في الدفاع عنه. أما الإسلاميين والجمهور المتأثر بالدعاية السلفية فيرون أن الأقباط يحصلون على حقوق تتجاوز حقوق المسلمين في مصر!!

فهل حقا الأقباط مضطهدون؟ نعم.. وبكل تأكيد، لكن السؤال الأكثر أهمية ودلالة هو: هل جميع الأقباط مضطهدون في مصر؟ هناك إجابة على هذا السؤال تقطع بأن جميع الأقباط مضطهدون، وتستدل على ذلك بمناهج التعليم التي تفرض تعلم النصوص والعبادات الإسلامية والتاريخ الإسلامي على جميع الطلاب المسيحيين؛ والإعلام الرسمي الذي يتعامل مع الأقباط على أنهم “الأخوة الأقباط”، ويمتلئ ليل نهار بالمواعظ الدينية الإسلامية؛ والقوانين التي تميز بوضوح بين المسلمين والمسيحيين بدءا من الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ والأعراف السائدة التي تمنع المسيحيين من تولي وظائف عليا بعينها داخل جهاز الدولة؛ هذا غير التمييز السائد في المجتمع على غرار خطباء المساجد الذين تعلو أصوات الكثيرين منهم عبر الميكروفونات كل جمعة بتحقير المسيحيين والديانة المسيحية.

الإجابة السابقة، رغم صحة دلالاتها، إلا أنها قاصرة عن شرح مصدر الاضطهاد أو تفسيره كواقع ملموس، والأهم أن الاستناد إليها لا يقدم مخرجا حقيقيا منه. مثلا وزارة الداخلية تقوم بالعصف بفلاحي الكشح المسيحيين الفقراء وتعذب المئات من بينهم، وتعتقل عشرات الشباب القبطي من المتظاهرين داخل الكاتدرائية وتفض تجمعهم بالقوة المسلحة.. في نفس الوقت وزارة الداخلية نفسها تضع حراسة مشددة على منزل ساويرس لحمايته، وتغض الطرف عن رامي لكح وهو ينهب أموال البنوك ويهرب إلى الخارج، وترسل قوات أمنها لإجبار العمال في مصانع غبور على فض اعتصامهم والعمل بالإكراه في شروط متدنية. وزارة الداخلية إذن ليست جهازا للقهر الديني بقدر ما هي جهاز للقهر الطبقي، وعندما تمارس الاضطهاد الديني فإنها تفعل ذلك بالتحديد لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة ككل والتي تضم بالطبع ساويرس ولكح وغبور. القول إذن إن ساويرس وفلاحي الكشح هم جميعا يتعرضون للاضطهاد هو قول مغاير للحقيقة تماما. وبينما كان فلاحو الكشح معلقين في سلخانات الداخلية أصدر ساويرس ولكح وغبور، ومعهم عدد كبير من وجهاء الأقباط، بيانا يعلنون فيه للإعلام الغربي أنه لا اضطهاد للمسيحيين في مصر، ويؤكدون على تضامنهم مع النظام المصري ضد الضغوط التي يتعرض لها!

القضية باختصار أن الاضطهاد الطبقي هو مصدر الاضطهاد الديني. صحيح أن مظاهر الاضطهاد الديني لها طابع عام كالقوانين ومناهج التعليم والمواد الإعلامية، إلا أن مصدرها نابع من مصالح اجتماعية أنتجها تطور تاريخي بعينه. فتعديل الدستور بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وإصدار قانون الردة الذي يمنع المسلمين من التحول إلى المسيحية، واللوائح المعوقة لبناء الكنائس وإصلاحها، والتوسع في المواد الإسلامية داخل مناهج التعليم ووسائل الإعلام، ..الخ، جميعها أدوات استخدمها النظام، ولازال يستخدمها، لأهداف دعائية حاول من خلالها إضفاء مسحة دينية على الدولة حتى تظهر في أعين الجماهير فوق الصراعات الاجتماعية. أما حقيقة الأمر هي أن تلك الأدوات، وبسبب دورها الدعائي تحديدا، تساهم في إحكام سيطرة النظام والطبقة الحاكمة على الأمور، أو على الأقل يحاولون استخدامها في ذلك.

المقصود هنا أن الاضطهاد الديني نتاج للمجتمع الرأسمالي الطبقي، لكن هذا لا يعني أنه فقط مجرد واحد من مظاهر الاضطهاد الطبقي. الحقيقة أن له وجودا مستقلا يعكس نفسه في العديد من الممارسات الاجتماعية، بدءا من التمييز والنفور في التعامل مع المسيحيين، وحتى استخدام العنف إلى درجة حرق الكنائس والقرى المسيحية والقتل العشوائي للمسيحيين، وهي أفعال شهدت العقود الأخيرة العديد من وقائعها المأساوية. لكن السؤال: لماذا يحتاج المجتمع الرأسمالي لهذا العنف الديني؟ وما هي المصالح التي تدعم ذلك؟

من يستفيد من اضطهاد الأقباط؟
الأمر ببساطة يعود إلى الاستغلال الرأسمالي.. سيقول البعض: هذا تبسيط مخل! حسنا، فلننظر لوقائع الأمور إذن ونرى: فقراء الأقباط يلتفون حول الكنيسة بسبب ما يشعرون به من اضطهاد. والكنيسة، التي ينفق عليها رجال الأعمال المسيحيين، تدعم شروط حياة الفقراء في مواجهة الاضطهاد. ستساعد الكنيسة الفقراء بإيجاد فرص عمل لهم لدى الرأسمالي المسيحي، فهو أخ لهم في الدين، ولأنه تقي ورع يعطي الفرصة للمسيحيين فقط بالعمل لديه. لكن على اخوته في الدين (العمال المسيحيين الفقراء) أن يساعدوه في عمل الخير وذلك أولا بالجد في العمل ومضاعفة الجهد، وثانيا بقبول الأجور الدنيا التي يمنحها لهم دون طلب المزيد، وهكذا سيقدر “الأخ” رجل الأعمال على مساعدة المزيد من “الأخوة” الفقراء! على جانب آخر سنجد “الأخ” رجل الأعمال المسلم، الذي هو أيضا تقي وورع، لا يقبل أن يوظف لديه مسيحيين بينما المسلمون لا يجدون عملا، لكنه سيحتاج أيضا إلى دعم “اخوته” (العمال المسلمين الفقراء) بنفس الطريقة السابقة حتى يستمر في عمل الخير! وهكذا.

الاضطهاد الديني إذن يلعب دورا مباشرا في دعم الاستغلال الرأسمالي، ليس فقط داخل عملية الإنتاج وحسب، لكن أيضا وبشكل رئيسي في كسر وحدة الطبقة العاملة وتقسيمها إلى مسيحيين ومسلمين. فمظاهر الاضطهاد العامة التي تبدو على السطح واقعة على مجمل الأقباط تعكس نفسها في الواقع المادي بطريقة مختلفة. التوسع في القوانين ومناهج التعليم والمواد الإعلامية وغيرها من الأعراف والنظم القائمة على التمييز الديني، وتثبيت أفكارها العنصرية، وتأكيدها بصفتها حقائق الأمور يؤدي إلى هيمنة منطق التمييز الديني على وعي عامة الفقراء. عندها يصبح من السهل على الرأسماليين إحكام قبضتهم على العمال والفلاحين بصفتهم “أخوة” لهم في الدين، إلى جانب توجيه طاقة الغضب لديهم الناتجة عن تردي أحوالهم المعيشية في اتجاه عمال وفلاحين آخرين يخالفونهم في الدين. وبالطبع في هذه الحالة يتم حرف الصراع الطبقي وتحويله إلى صراع طائفي.

الوقائع المأساوية التي شهدناها في ديروط وصنبو وأبو قرقاص، عندما قامت جماعات من الفلاحين الفقراء المسلمين بعمليات قتل عشوائي وحرق لقرى فلاحين فقراء مسيحيين، والمذابح التي شهدتها الزاوية الحمرا وإمبابة وأسيوط وغيرها، تؤكد جميعا بالقطع على مدى ما يعانيه الأقباط في مصر من اضطهاد. لكن دون النظر إلى مصالح الطبقة الحاكمة، والعملية السياسية الاجتماعية المركبة التي قامت بها لتكريس التمييز الديني في مصر سنجد أنفسنا أمام تفسير قدري أو عبثي لتلك المآسي.

تبرز هنا مفارقة غريبة أن نجد من يتحدثون، بنزاهة وصدق، على أنه لا يوجد اضطهاد للمسيحيين في مصر، وأن ما يواجهونه هو مجرد “مشاكل”، وأن المسيحيين ـ بالطبع ـ جزء من النسيج الوطني.. وكأن حرق القرى والكنائس والقتل العشوائي والتعذيب في سلخانات الداخلية هي مجرد مشاهد منقولة إلينا من كتب الأساطير!! كيف تملك أفكار كهذه أي قدر من الشعبية؟ وهل استسلم الأقباط في مصر للاضطهاد؟

كيف قاوم الأقباط الاضطهاد؟
لا يوجد بيننا ـ غالبا ـ من لم تعلق في ذهنه صورة الشيخ المسلم والقس المسيحي المتحدان يدا بيد، وورائهما الهلال والصليب متعانقين، تلك الصورة التي دائما ما تستخدم كرمز لما حدث في ثورة 1919. لكن من يصدرون هذا الرمز لم يحاولوا أبدا شرح السبب وراء بروز هذا الأمر في ثورة 1919 تحديدا. والحقيقة أن ثورة 1919 كانت ذات أوجه متعددة مركبة، فمن ناحية كانت انتفاضة جماهيرية واسعة ضد الاحتلال البريطاني، ومن ناحية أخرى شهدت نضالات اجتماعية جذرية خاضها العمال والفلاحون ضد الاستغلال الطبقي، ومن ناحية ثالثة كانت معركة من أجل الدستور وتقليص نفوذ الأقلية التركية الحاكمة. وبالطبع شارك الأقباط من مختلف الطبقات في النضالات المركبة للثورة، كل انطلاقا من مصالحه الاجتماعية والسياسية، لكن هذا لم يكن بالأمر الجديد، ولا يفسر ظهور الأقباط بصفتهم أقباطا في معارك الثورة. السبب وراء هذا الظهور أن ثورة 1919 حملت ضمن أوجهها المركبة وجها آخر عكس نضال الأقباط ضد الاضطهاد الواقع عليهم، فالثورة طرحت، ضمن ما طرحت، مشروع الوطن الديموقراطي والمواطنين المتساويين في مواجهة الدولة الدينية والأقلية التركية الحاكمة وأشياعها الذين حاولوا على مدى سنوات إعادة مصر إلى حظيرة الخلافة العثمانية، في الوقت الذي كانت تنهار فيه هذه الخلافة بالفعل.

ظهور الأقباط بصفتهم أقباطا في معارك الثورة وهم يناضلون ضد الاضطهاد تحول ـ بقدرة قادر ـ إلى رمز دعائي للطبقة الحاكمة عن وحدة عنصري الأمة! والأسوأ أن مشروع “المواطنة” ذاك لم يقض على الاضطهاد، بل على العكس أعاد إنتاجه في ثوب آخر. فكل ما أنجزته الثورة هو مساحة من الليبرالية السياسية سمحت لأقسام من النخب القبطية بالاندماج والمشاركة في الحياة العامة، أما فقراء الأقباط فقد استمر اضطهادهم المركب بصفتهم فقراء وأقلية دينية في ذات الوقت، وعرفت ثلاثينات القرن العشرين مذابح كالتي شاهدناها في ثمانيناته وتسعيناته.

بعد يوليو 1952 ومعركة القناة في 1956 تحولت حركة القومية العربية الصاعدة في الخمسينات إلى دولة شمولية، إلا أنها رغم شموليتها قدمت إصلاحات اجتماعية واسعة سمحت لها باستيعاب أقسام كبيرة من الجماهير الفقيرة. شمولية الدولة الناصرية عكست نفسها في مختلف المجالات بما فيها بالطبع المسألة القبطية، فعلى الرغم من تحسن الأحوال الاجتماعية لفقراء الأقباط كغيرهم من الفقراء، إلا أن تراجع كبير حدث على مستوى مشاركتهم في الحياة العامة واندماجهم في المجتمع، وتم تأطير ذلك بالتحالف بين الدولة الناصرية والكنيسة. فمن ناحية سمحت الدولة للكنيسة بتوسيع دورها المهيمن وسط الأقباط والتحول أكثر فأكثر إلى ممثل سياسي واجتماعي لهم، في المقابل قامت الكنيسة بترسيخ ولاء “الشعب” القبطي للقومية العربية والدولة بصفتهما مخرج الأقباط للتحرر.

مع الوقت تحولت الكنيسة إلى البؤرة التي يناضل من خلالها الأقباط ضد الاضطهاد، وازداد دورها المهيمن على حياة فقرائهم. وبعد سقوط الدولة الناصرية وتراجع إصلاحاتها الاجتماعية لم يعد مشروع القومية العربية يحمل بأي معنى من المعاني مخرجا من التحرر، وأصبح المخرج هو الالتفاف حول الكنيسة ذاتها. هنا يظهر الطابع الرجعي للكنيسة القبطية باحتوائها للأقباط وتأكيد الدور المحوري الذي تحاول القيام به كوسيط بينهم وبين الدولة والمجتمع. لذا تحرص الكنيسة على الحفاظ على بعض صور التمييز الديني، بتصدير الشعور لدى الأقباط بأنهم عنصر مختلف.

والكنيسة، ككافة المؤسسات الاجتماعية، كيان متغير في التاريخ، تتحول أدواره سلبا وإيجابا نتيجة لشروط يفرضها الواقع والمصالح الاجتماعية. واليوم أصبحت الكنيسة وثيقة الارتباط برجال الأعمال الجدد داخل مصر وخارجها، خاصة بين جماعات أقباط المهجر الذين اشتد عودهم في السنوات الأخيرة. ومع التوسع في سياسات الخصخصة والليبرالية الجديدة، وبالتالي رفع الدولة يدها عن تقديم الخدمات الاجتماعية، توسع دور الكنيسة الاحتوائي عن طريق تقديمها تلك الخدمات (يحدث هذا بالطبع من قبل المؤسسات الاجتماعية الإسلامية تجاه فقراء المسلمين) ومع التحول في السياسة الإمبريالية أصبح لأقباط المهجر دور حيوي في التأثير والضغط، وبالتالي في تصدير شعور لدى فقراء الأقباط أن طريقهم إلى التحرر سيأتي عبر الضغوط الإمبريالية!

هذا ما يفسر لنا تلك الرسائل المدهشة التي نطالعها في مواقع أقباط المهجر على النت، رسائل يبعث بها غفير في إحدى قرى الصعيد النائية، أو امرأة مسنة تعيش وحدها في حجرة في الشرابية، أو موظف حكومي بسيط من دمنهور، كلها تناشد السيد مايكل منير أن يسارع بنقل شكاواهم إلى الرئيس بوش، ويطالبونه بنجدتهم!! وهذا ما يفسر بالطبع أيضا هتافات شباب الأقباط داخل الكاتدرائية استنجادا ببوش.. عام 1919 كان فقراء الأقباط مشتبكين في معارك اجتماعية واسعة ضد الاستغلال والاستعمار ومن أجل الحق في وطن ديموقراطي، واليوم يصرخ البعض منهم مستغيثين بالسيد بوش، والقاسم المشترك في الحالتين أنهم يقاومون الاضطهاد، لكن هل هذا هو الحل؟

كيف يتحرر الأقباط؟
لسنا في حاجة إلى الحديث هنا عن أن الإمبريالية ليست حلا، فـ”أوراق اشتراكية” تمتلئ بالدلائل على ذلك، وعموما من يطرحون التدخل الإمبريالي في النهاية قلة لا شأن لها. أما القضية الأهم فهي هذا الحل الذي يطرحه تقريبا الآن كل من يتحدثون عن “المشاكل” التي يواجهها الأقباط ألا وهو شعار: المواطنة.. هذا الحل المقصود به القضاء على كافة صور التمييز الديني وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين مسلمين ومسيحيين. قصور هذا الحل في الحقيقة ينبع من نظرته الضيقة للأمر، فهو لا يرى إلا المظاهر العامة للاضطهاد: القوانين، ومناهج التعليم، والمواد الإعلامية، والأعراف السائدة، ..الخ، دون أن ينظر إلى المصدر الحقيقي للاضطهاد حتى يقدر فعليا على التحرر منه. الأدلة على عقم هذا الحل عن تحرير الأقباط عديدة، ليست فقط ما حدث في مصر بعد ثورة 1919، لكن ما يحدث في كل مكان حولنا في العالم. انظروا مثلا إلى مجتمعات الغرب الصناعية المتقدمة التي تستقر فيها حقوق المواطنة على أكمل وجه منذ عشرات العقود، ورغم ذلك لم تتخلص يوما من الاضطهاد الديني أو العرقي، بل ويزداد هذا الاضطهاد اتساعا داخلها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

الحل في تحطيم المجتمع الرأسمالي والمصالح الطبقية التي تدفع إلى تكريس التمييز والاضطهاد الديني.. الحل إذن في الاشتراكية.. لكن هذا الحل ليس مجرد عملية بسيطة تسير في خط مستقيم، إنما هي عملية نضال طويلة مركبة. يجب أن يتحول النضال في مواجهة اضطهاد الأقباط في مصر إلى شق رئيسي من مكوناتها ومهامها. لا يمكن النضال من أجل الاشتراكية دون توحيد الطبقة العاملة وعامة الفقراء مسلمين ومسيحيين ضد الاستغلال الرأسمالي، ولا يمكن تحقيق هذه الوحدة دون أن يصبح النضال ضد اضطهاد الأقباط هو معركة الطبقة العاملة ككل. هذا يضع مهمة رئيسية على عاتق الاشتراكيين في مصر اليوم: أن يتحول النضال ضد اضطهاد الأقباط إلى واحدة من معاركهم المركزية، وأن يصبح القضاء على الاضطهاد شقا رئيسيا من برامجهم ودعايتهم.. لم يعد ممكنا التغافل عن الأمر، أو التخاذل في التصدي لما يجري.. يجب أن يرى هؤلاء الفقراء الذين يرسلون باستغاثاتهم إلى السفاح بوش أن راية الاشتراكية هي الأشد صلابة في الانحياز لهم، وأنها طريقهم الحقيقي للتحرر.