بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من يُعلن الإضراب؟

هل هناك شك في أن الاشتراكيين يحلمون بيوم تشهد مصر فيه إضرابا عاما يزلزل الأرض تحت أقدام أصحاب الثروة والسلطة في هذا البلد؟ هل يمكن أن يجادل الثوريون في مركزية الإضراب العام كأداة رئيسية لإيقاظ الشعب وتكثيف طاقته لشل ماكينة القهر والظلم المسيطرة؟ إذن لماذا يبدو الأمر وكأن كثير من الاشتراكيين الثوريين المصريين متحفظين على الدعوة للإضراب العام التي قدمها العام الماضي، وكررها العام الحالي، عدد من الشباب النشطين في الشارع أو على الإنترنت؟

الإجابة على هذا السؤال تنطلق من إعادة طرح السؤال الذي وضعناه عنوانا لهذا المقال: من يُعلن الإضراب؟ المسألة طبعا لا علاقة لها بالشرعية القانونية أو الأخلاقية. فلا حجر على أحد إن أراد أن يعلن إضرابا عاما! فمن يقرر أن يعلن إضرابا فليعلنه، لن ننازعه في حقه.

المشكلة أن إعلانات من هذا النوع لا معنى لها ولا أثر. كان كارل ماركس قد قال ذات مرة أنه إن تصور أحمق ما أنه قادر على مناطحة قوانين الجاذبية، سوف يدفع الثمن غاليا مع الصدمة التي يخبئها له الواقع. فلا أحد يمكنه أن يناطح الجاذبية.

نفس الشيء يمكن قوله على النضال الجماهيري. أن تقرر أنت بنفسك في غرفتك المغلقة أنك زعيم للجماهير وأنك قادر على إلقاء الأوامر عليها، فهذا شأنك. لكن هذا لن يغير من الحقيقة شيئا. فالجماهير لن تعبأ بك ولا بدعواتك، مهما كانت حارة أو مخلصة.

من هنا فالسؤال الرئيسي هو: كيف يمكن اكتساب ثقة الجماهير؟ من القادر على قيادة حركة الشارع؟ ومن بمقدوره أن يعبئ القوى الاجتماعية الأساسية في معركة كبرى فاصلة ضد النظام الحاكم؟

الإجابة على هذه الأسئلة تشير إلى طريق آخر في التفكير غير التفكير بالتمني أو القائم على إحساس متضخم بالذات. يبدأ الأمر من فهم وتقدير وضعية الحركة الجماهيرية.. أحلام وأماني الناس العادية.. الجموع في الشوارع والحواري والأزقة.. يبدأ من البحث في ما الذي يتحرك عليه الناس بالفعل، وهل يمكن تطويره وكيف. هذه الأسئلة هي مفتاح العمل القائم، فعلا لا قولا، على احترام الجماهير وإرادتها وخبراتها وتجربتها.

لا أحد يقول أن الجماهير لا تحتاج إلى قيادة. نعم هي تحتاج إلى قيادة. لكن من قال إن القيادة توجد بإعلان من جانب واحد؟ ومن قال إن القيادة لابد أن تأتي من فئات طبقية خارج الطبقات الشعبية؟

ما نطرحه هنا هو أن الحركة الجماهيرية المصرية تشهد مرحلة من أهم مراحل تطورها: البعث من جديد! فبعد عقود من التفتيت المنظم نتيجة لهزائم سابقة، ونتيجة للتمزيق في نسيج الطبقة العاملة الذي أحدثته سياسات الليبرالية الجديدة، بدأت الحركة الجماهيرية المصرية، وفي قلبها حركة الطبقة العاملة، في التصاعد على مطالب اقتصادية وفئوية متعددة.

هذا التطور، في رأينا، مركزي وحاسم. فعندما تنفُضّ الطبقات الخاضعة عن نفسها ثوب الخضوع، وعندما تدب الثقة في أوساطها، يبدأ طريق طويل. ليس هناك في هذا الطريق أي قيود مسبقة مفترضة، بمعنى أن الحركة قادرة على أن تتطور لتصبح قوة سياسية جبارة، ولكنها كذلك معرضة للتراجع والتلكؤ والعودة إلى الوراء.

الحركة الجماهيرية المصرية الآن تتمركز حول قضايا مطلبية-فئوية. هناك من يرى هذا عيبا ونقصا. لكن هذا تفكير قاصر. فلا يوجد سور عازل بين المطلبي والسياسي كما قد يتصور البعض. الحركات المطلبية تفيض وتتطور إلى حركات سياسية، والحركات السياسية تكسر الحواجز أمام الحركات المطلبية. من هنا فإن الحركة المطلبية ليست قصورا، بل فرصة وبداية. الحركة المطلبية هي أرضية قابلة للتطور ولابد أن نسعى لأن تتطور.

المشكلة الحقيقية هي أن نفرض مخططاتنا الذاتية الضيقة على حركة أوسع وأكبر منا بكثير.. هي أن لا ننطلق من الوضعية الراهنة للحركة، بل أن ننطلق من أفكارنا نحن وأحلامنا نحن التي ربما لا تناسب الحركة.

القوى السياسية المعزولة، مهما كانت مخلصة، مهيأة تماما للوقوع في هذا الخطأ. والحل بسيط تماما: أن تبني الحركة نفسها لنفسها أشكال شعبية وديمقراطية لإدارة شئونها. أن يتوقف آحاد من المثقفين، أو حفنة من الشباب، عن لعب دور الزعيم الملهم ويبدأون في دعم الحركة ودفعها هي لتتولى قيادة نفسها.

ما نقوله هنا لا يمثل ضمانة نهائية. فالأشكال الجماهيرية التنظيمية، النقابات العمالية مثلا، كثيرا ما تخون الحركة بانفصال قياداتها، الطالعة من أوساط الجماهير، عن القواعد التي دفعتها إلى مواقع القيادة. إذن ليست كل أشكال التنظيمات الجماهيرية مبرأة من النخبوية أو بعيدة عن الخيانة. هي ليس وصفة سحرية، بل طريق طويل معقد ومليء بالمخاطر، لكنه الطريق الأصوب بعيدا عن النخبوية والخيالات والأوهام.

وعلينا أن نؤكد أن ما نقدمه هنا ليس إعلانا بموت القوى السياسية، بل طرحا “لسياسة” معينة نراها الأصوب. فلا أحد سيجادلنا أنه حتى القوى اليمينية تقاس أهميتها بمدى جماهيريتها، أي بمدى قدرتها على تعبئة الطبقات الشعبية الخاضعة ورائها. لذلك، فمن ينشدون التغيير الجذري من أسفل، عليهم أن يناطحوا جماهيرية القوى اليمينية بجماهيرية يسارية راديكالية تدفع الجماهير إلى الالتفاف حول مطالب تغيير عام وحاسم في اتجاه العدل والحرية.

الطريق إلى هذا هو الربط بين المنظمات الجماهيرية القاعدية، والتأثير السياسي الراديكالي. المسألة جدلية. فالمنظمة الجماهيرية القاعدية تخلق أفضل شكل لتنظيم القوة الهائلة التي اسمها الحركة الجماهيرية. لكن المنظمة القاعدية ليست منزهة عن الانحراف يمينا تحت ضغط القطاع الأكثر تأخرا من الجماهير (القطاع الذي ربما يكون متأثرا بقوى سياسية ترى مشكلة المصريين ليست فيمن يستغلونهم، بل في النساء أو الأقباط أو الشيعة الإيرانيين.. الخ). من هنا فالمنظمة الجماهيرية القاعدية ليست بديلا عن “قوة سياسية” ما تنظم قطاع الجماهير الأكثر تقدما حول رؤية متماسكة للتغيير السياسي الراديكالي.

6 أبريل القادم ليس شرا مطلقا أو حدثا مرفوضا. لكن تضخيم دوره، وتضخيم القوى الملتفة حوله والمنظمة له، واعتباره إضرابا عاما، هو الشر وهو الأمر المرفوض. نتمنى أن يكون سبب هذا الموقف مفهوما من سياق التحليل الذي قدمناه. فـ6 أبريل لا ينطلق من وضعية الحركة الراهنة، ولا يعبأ بتنظيمها قاعديا، ولا يبحث في إشكالية القوى السياسية الجماهيرية الجذرية. لا بأس في هذا كله إن رأينا كما نرى 6 أبريل، في حجمه الحقيقي كأحد أوجه التحرك السياسي متوسط التأثير من ضمن أحداث أخرى تمر كل عام. لكن إن كنا نرى 6 أبريل، ومنهجية 6 أبريل، بوصفهما الطريق الأول والأهم لتغيير مصر، فإننا نكون قد فشلنا في التعلم من دروس 2007 و2008، من المحلة إلى الضرائب العقارية إلى شبين والمنصورة وكل قرى ومدن ونجوع مصر.

هذا البلد مقبل لا محالة على تغيير. إن كنا نريده تغييرا جذريا ولمصلحة جموع الكادحين، فعلينا أن نثق في الجماهير وحركتها.. علينا أن نبدأ من الجماهير وننتهي بها.