بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الدولة تعاقب النشطاء على معارضتهم لمبارك قبل الثورة

مقابلة مع المناضل الاشتراكي محمد عاطف

في 29 مارس أصدرت محكمة جنح روض الفرج حكما بالسجن عامين وغرامة 200 جنيه على ثمانية من المناضلين. والجديد في هذا الحكم أن الدولة تعاقب فيه النشطاء على وقوفهم في وجه حسني مبارك نفسه قبل اندلاع الثورة، وبناء على التهم الملفقة من جانب داخلية حبيب العادلي. فهذا الحكم يأتي عقابا لهم على وقفتهم التضامنية مع الأقباط وتظاهرهم دفاعا عن المساواة بين المواطنين يوم 3 يناير 2011 في أعقاب تفجير كنيسة القديسين. والنشطاء الثمانية هم: محمد عاطف ومصطفى محي الدين ومحمد ناجي ومصطفى شوقي وتامر عادل عبد العزيز وأحمد رفعت وضياء الدين أحمد ربيع وعمرو أحمد حسن.

إن القضاء المصري يشن حملة لمعاقبة الثوار وتجريم فعل الثورة، بل إن هذه الحملة تمتد لتطال من شاركوا في تباشير الثورة نفسها، من وقفوا في وجه مبارك ونظامه في أواخر أيامه. من وجهة نظر الثورة من عارض مبارك وتضامن مع الأقباط وطالب بالحرية والديمقراطية في عهد مبارك يستحق التكريم، أما من وجهة نظر القضاء المصري فإنه لا يزال عدواً يستحق التنكيل حتى وإن سقط مبارك نفسه. ومما يصعب على التصديق أن من بين التهم التي حوكم بها هؤلاء المناضلين الثمانية تهمة “التجمهر”! لا يزال القضاء المصري يرى في التجمع في الشارع للاحتجاج السلمي، حتى وإن كان قد حدث في يناير 2011، جريمة تستحق العقاب. ولا يزال من يقع تحت طائلة القانون هو من وقف متضامنا مع الأقباط بعد تفجير كنيسة القديسين لا من فجرها ولا من لفق فيها القضايا ولا من عذب وقتل متهمين وهميين فيها.

رسالة الدولة واضحة: الثورة جريمة، التظاهر جريمة، التضامن مع الأقباط في وجه الدولة جريمة. نحن الآن نصفي الحسابات. سنعاقب من يتظاهر أو يعتصم أو يضرب الآن، بل إننا سنعاقب من فعل ذلك أيام مبارك.
ولهذا السبب بالذات يجب علينا الدفاع عن هؤلاء النشطاء بكل ما أوتينا من عزم والتضامن معهم قدر ما نستطيع. يجب ألا يعاقب أحد على معارضته لحسني مبارك وحبيب العادلي.

وقد أجرت جريدة “الاشتراكي” لقاء قصيراً مع المناضل محمد عاطف، أحد النشطاء الثمانية:
– ما هي الاتهامات الموجهة إليكم؟

هي هي الاتهامات “الإكليشيه” التي واجهناها من منتصف التسعينات: التجمهر، إحداث الشغب، الاعتداء على موظفين عموميين، تعطيل الطريق العام، إتلاف منشآت عامة. الاتهامات التي كانت تلفق للنشطاء في ذلك الوقت ولا تزال توجه إليهم.
وقالوا إننا اعتدينا على قوات الشرطة وإن 12 عسكرياً و6 ضباط أصيبوا. بالإضافة إلى سيارتين “بيك أب” انقلبوا وأتوبيس نقل عام انكسر، ولوري ترحيلات أمن مركزي تكسّر. كل هذا! وفي العرض على النيابة جاؤوا بأناس تعرفوا عليّ وعلى زميل آخر وقالوا إننا فعلنا كل هذا. وكان التلفيق مبالغاً فيه إلى حد أن أحد رسامي الكاريكاتير أشار إليّ في رسم تحت عنوان “المتظاهر الخارق” سخرية من هذا التلفيق.

قبضوا علينا مساء يوم 3 يناير 2011، وتم عرضنا على النيابة يوم 4 يناير، أي بعد ساعات من القبض علينا، وأمرت النيابة بإحالتنا إلى المحكمة فوراً. فكانت بذلك أسرع قضية أحيلت من النيابة إلى المحكمة من أيام قضية قتل السادات!
في النيابة ما كانوش عايزين يدخلوا محامين وحاولوا يساومونا على ذلك. فكان وكيل النيابة يقول لي أنا أدافع عن الشعب “أنا جهة الشعب” وعليه أنت لا تحتاج إلى محام. يعني المحامي ح يجاوب عنك؟
وكانت إصابات هؤلاء العساكر التي رأيتها كلها لصقات ملصوقة على الوجه والشفاه. وكان المنظر غريباً حقاً حتى أن أحد المحامين قال للنيابة إنها لا تستقيم مع طرق العنف الموصوفة والتي تمثلت في إلقاء الطوب والضرب بأفرع الأشجار.

– أنت الآن معرض للسجن سنتين بسبب التظاهر في أيام حسني مبارك، كيف ترى المفارقة؟

مفارقة غريبة، كنت أفكر عندئذ مثل الآن. فكنا في ذلك الوقت نفكر أنها قضية سياسية تمشى بالتليفون، فكنا نقول إن السلطات لو قلقانين قوي علشان يوم 25 يناير الذي تمت الدعوة إليه سوف يمددون لنا الحبس، بمنطق “قصقصة النشطاء”. ولو كانت عندهم عقدة العظمة المعهودة، أي الثقة المفرطة في قدرتهم على التعامل مع أي تحرك، سوف يخرجوننا. وكان.
ومن المفارقات أيضاً أن من التهم التي وجهتها إلينا النيابة تهمة ترديد هتافات مسيئة لوزير الداخلية ورئيس الجمهورية، والمفارقة أنهما محبوسان حالياً.
ودعنا نلاحظ أيضاً التزامن بين الحكم الصادر ضدنا وإخلاء سبيل أبو يحي وتبرئته من تهم التحريض على أحداث فتنة إمبابة. المفارقة أن هذه البراءة جاءت في اليوم ذاته الذي أصدرت محكمة فيه حكماً بالسجن المشدد ثلاث سنوات على نشطاء حركة كفاية الذين أعربوا عن تضامنهم مع عدد من القضاة السابقين المطالبين باستقلال القضاء، وبعد تجديد حبس الناشط الثوري أبو دومة لمدة شهر آخر على ذمة أحداث مجلس الوزراء. أنا مش قادر أفصل الأحداث دي عن بعضها، مش قادر أقراها بشكل منفصل.
وتفكيري الآن أيضاً هو أن القضية دي ح يتحكم فيها طبقاً لما سيحصل اليومين القادمين في معارك الثورة الجارية، أي الدستور والرئاسة والموجة الإضرابية.

– احك لي عن الوقفة التضامنية مع الأقباط والتي تعاقبون عليها الآن.

في 1 يناير كان هناك مظاهرات تضامن مع الأقباط على خلفية تفجير كنيسة القديسين. وقفة احتجاجية عند دوران شبرا. أنا رحت لوحدي، ولقيت هناك جميع النشطاء في الحركة حتى من كان منهم قد غاب عن الساحة السياسية لفترة. كان يوما رائعاً، لا أعتقد أن أحداً من النشطاء ذهب بيته واستطاع النوم. فعدد من انضم إلينا من الأهالي لم يحدث من قبل. كان الناس يهتفون معنا من البلكونات. كانت بروفة من بروفات الثورة. كنا لعشر سنوات نقف على سلالم نقابة الصحفيين والناس تنظر إلينا كأننا كائنات فضائية.
وفي ذلك الوقت قررنا عمل درع بشري لحماية كنيسة العذراء في المسرة يوم 3 يناير لحماية الكنائس وتضمانا مع الأقباط. وهذه هي الوقفة التي قبض علينا فيها.
وكان الأمن تعمد القبض على المسلمين من المتضامنين مع الأقباط. فكانوا قد ضربوا حولنا “كوردون” وجعلوا فيه فتحة صغيرة نمر فيها وكانوا يسألون عن الأسماء ويقبضون على المسلمين. وكان تبريرهم أن هناك “مندسين” بين المسيحيين. ولما قبض علينا أخذ المتظاهرون الأقباط يرددون “مش ماشيين مش ماشيين / من غير اخواتنا المسلمين”. فهم كانوا يعرفوننا، كان منهم مجموعة من العمرانية وكنا أصلاً عاملين لجنة للتضامن مع أهالي العمرانية.

– ماذا يمكن أن نفهم من هذا الحكم؟

الدرس المستفاد هو أن التغيير ما لم يطل كل مؤسسات الدولة حتى النخاع فهو تغيير شكلي. النظام هو هو.